الكنز المجهول !

إلهام الحدابي

 

ينظر للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة على أنهم أناس ناقصين، غير فاعلين، ووفق هذه النظرة السائدة يتم تعطيل قدراتهم وإلغاء وجودهم وتفاعلهم من الواقع من حولهم، غير أن مثل هذه النظر لا تظرهم وحسب بل تضر المجتمع بأسره، فالأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة هم مكون من مكونات المجتمع، وطالما بقي عقل الإنسان فاعلاً فهذا يعني أنه قادر على فعل كل شيء.

لاشك في أن الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون الكثير في سبيل تفعيل وجودهم وتفاعلهم مع الواقع من حولهم، لكن معاناتهم تتضاعف إن عاشوا في مجتمعات لا تعترف بوجودهم، بل وتمارس سلوكيات تقصيهم وتهمش وجودهم وتعتبرهم مجرد عالة على المجتمع، وبهذه النظرة يصبح الاشخاص من ذزي الاحتياجات الخاصة بالفعل عالة لانهم لا يجدوا الفرصة المناسبة ليتعلموا ويشاركوا في بماء المجتمع في مختلف المجالات.

المجتمعات المتقدمة تقدمت عندما ركزت على قطاع العلم إذ اعتبرته حق أساسي للجميع بمن فيهم الاشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وحتى يتمكن هاؤلاء الاشخاص من المشاركة الحقيقية والفاعلة في المجتمع عملت الدول المتقدمة على توفير الاحتياجات الاساسية التي تساعهم على مواصلة التعليم من جهة، كما سعت إلى دمجهم في المجتمع من خلال توفير فرص العمل التي تتوافق مع قدراتهم والمجالات التي تخصصوا فيها.

تتعدد أنواع الإعاقة التي تمنع الإنسان من التفاعل بشكل كامل مع واقعه، لكن لا ينبغي أن ينظر إلى الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة بأنهم عالة بسبب تلك الإعاقات، بل ينبغي أن ينظر إلى تلك الاعاقات على أنها تحدي يواجه هاؤلاء الأشخاص وينبغي الوقوف معهم حتى يتمكنوا من التغلب عليها ليتمكنوا من تحقيق وجودهم بشكل فاعل في هذه الحياة.

وبشكل عام تلعب النظرة السلبية دوراً كبيراً في سجن الاشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في إعاقتهم، وتمنعهم من التقدم خطوة نحو تحقيق أهدافهم، وعندما تتاح لهم الفرصة المناسبة فإن الجميع ينبهر بالانجازات والقدرات التي يستطيعوا أن يقوموا بها، ولعل من أبرز النماذج التي يمكن ان نستعرضها في هذا السياق هي قصة عالم الفضاء ستيفن هوكينز الذي فقد قدرته الحركية بشكل كامل في مطلع شبابه لكنه لم يستسلم لإعاقته بل واصل تفاعله الإيجابي مع واقعه، وتمكن من تقديم نظريات رائدة في مجال الفضاء.

بالطبع يوجد نماذج كثيرة لأشخاص من ذوي الاحتيجات الخاصة ممن تمكنوا من التغلب على إعاقاتهم، واستطاعوا أن يبنوا ناجحات خارقة إذا ما قورنت بوضهم الصحي، والسبب في ذلك هو الإرادة طبعاً، لكن قبل ذلك هو وجود الوعي المجتمعي الذي مكنهم من كسر عزلتهم والانخراط في واقعهم وتفاعلهم بشكل ايجابي مع من حولهم.

لا يمكن أن يتم تفعيل قدرات هذه الشريحة المهمة من المجتمع طالما بقي المجتمع حبيس نظرته التقليدية لهؤلاء الأشخاص، ينبغي ان يتم إعادة النظر في طريقة التعامل معهم سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، كما ينبغي أن يتم التعامل معهم بشكل طبيعي لا بشكل مبالغ فيه من الشفقة أو التهميش، لانهم في الاول والأخير بشر لديهم نفس الشعور والاحاسيس التي مع الآخرين، الفرق بينهم وبين الآخرين هو أنهم يحملون تحدي أكبر في حياتهم، وهذا لا يجب أن يكون مصدر استنقاص لقدراتهم بل ينبغي أن يكون دافع للجميع حتى يدعمهم أكثر ليكتشف الكنوز المجهولة فيهم، الكنوز القادرة على أن تغير وضع المجتمع والعالم إلى الأفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *