منظومة القيم وحاجة الإنسان

شيماء المرزوقي

 

قد يدهشكم أن مساحة القيم والمبادئ الخلاقة تتسع وتتقلص في المجتمعات على ضوء ما تتمتع به من رفاه وتطور وتقدم حضاري، فالدول النامية أو تلك التي تصنف بأنها تعيش وضعاً تنموياً متعثراً تجدها بعيدة عن الاهتمام بالقيم مثل التسامح، لأنها تصب جل الاهتمام في معالجة التصدعات التي تعانيها في المعيشة والرعاية الاجتماعية للناس.

ستجد في مثل هذه المجتمعات أن أبسط مقومات الحياة الكريمة لم تتوفر وأن هناك حاجة لفرض قوة القانون والنظام العام، ومن هنا نفهم سبب غياب فضيلة التسامح، لأنها من المفاهيم التي ينهض وينشط بها أي مجتمع.

والذي يتضح لنا أن التسامح ونحوه من المبادئ والقيم الجميلة، يحتاجان لجملة من الاحتياجات، منها الاستقرار والأمن والرخاء وبسط مظلة من الرعاية الاجتماعية والصحية وحركة تعليمية ومعرفية واسعة ومرنة.

وهذا بديهي، فكيف تحدث الناس عن التسامح وهم يفتقرون للعدالة ولا يجدون القضاء النزيه؟ أو كيف تريد نشر قيمة أخلاقية عظيمة مثل التسامح، ولا ينعم الناس بمظلة أمنية تحميهم؟ أو كيف تقدم التسامح لأناس مشغولين بصحتهم أو ملبسهم ومشربهم؟

وهكذا نعلم أن واحداً من أهم معايير القياس للمجتمعات ومعرفة المتطور منها أو المتخلف هو من خلال معيار القيم الأخلاقية والنزاهة، فعندما تنتشر هذه القيم فأنت أمام الرفاه الاجتماعي، وعندما تتقلص هذه القيم فإنه يحتل مكانها الشر إذا صح التعبير، حيث ستجد معدلات الجريمة في تصاعد وأرقام الخروج عن القانون في تزايد، وبالتأكيد تصبح أمام مجتمع متخلف في عدة جوانب ولن تخطئ عينك ملاحظة هذا.

بالنتيجة، فإن المجتمعات القوية التي تملك اقتصاداً متيناً ومقومات تنموية عالية، سينعم الإنسان فيها بالأمن والاستقرار والرخاء والعيش الكريم، وهو ما يعني أرضية خصبة لنمو القيم والمبادئ الخلاقة.

أما تلك المتعثرة تنموياً واقتصادياً، فستجد فيها الناس، أو كثيراً منهم، غير منفتحين بل يفضلون الانغلاق، ولن تجد مبادرات قد تقود نحو أي تطور، والسبب هو المستوي العلمي والمعرفي الذي تأثر بمثل هذه الحالة المعيشية المتردية.

من هنا نفهم أن منظومة القيم مرتبطة بسد الحاجات الرئيسية للإنسان، أو أن ارتقاء الإنسان وتطوره القيمي مرهونان بأمنه النفسي والاجتماعي والجسدي والفكري، ومع مثل هذه الحقيقة الناصعة تظهر للجميع الحاجة لبناء الإنسان والاهتمام بسد الحاجات والمتطلبات، لأن هذا في نهاية المطاف سيقود نحو القيم ونشر الفضائل والقيم.

 

الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *