الأمومة المثالية.. “ليست سهلة ومش مستاهلة”!

آلاء أحمد الكسباني

 

أذكر ذلك الشعار جيداً، ليس لإيماني به، وإنما لأنه كان إحدى الحجج التي تسوقها كثير من الأمهات حين قرأن مقالتي عن أمهات صرَّحن بندمهن على الأمومة، “الأمومة مش سهلة بس مستاهلة”، ولم أعرف حقيقةً أصل هذا الشعار إلا مؤخراً؛ حيث ارتبط بحملة إعلانية لمنتجات ترتبط بست البيت، حيث كان يعبر الإعلان عن معاناة ست البيت، أو الأم، في تدبير أمور المنزل والأطفال والزوج، وقد كان هذا أول اعتراف ضمني بأن الأمومة مسؤولية شاقة جداً لا يقدر البعض على احتمالها.

ورغم هذا استخدمه الكثيرون باعتباره طوق نجاة للنقاشات التي تحاول الاقتراب من قداسة هالة الأمومة، أو تحاول حتى طرح التساؤلات حول كينونتها؛ حيث افترض المجتمع أننا جميعاً كنساء نُولَد أمهات بالفطرة، هكذا هو الأمر، سنعرف كيف نتصرف جداً أمام رضيع يصرخ، سنتحمل بابتسامة “زنّ” آخر على لعبة من الوارد ألا نمتلك ثمنها، وسنعرف كيف نتخلى عن كل شيء مقابل أن نصبح أمهات مثاليات لأولادنا، وهذا قرار بالإجماع لا رجعة فيه.

لذا واجب على كل مَن سوَّلت لها نفسها عدم الرغبة في لعب هذا الدور الاجتماعي أو حتى البوح بمدى صعوبته، وأنه من الوارد ألا تفعله راسمةً الابتسامة على شفتَيها ألا تتكلم، وإلا اعتُبِرَت ناشزاً غير طبيعية تكره فطرتها وتتتصل من مشاعرها العاطفية والإنسانية، ولذلك كان شعار “الأمومة ليست سهلة ولكنها مستاهلة” الرد المفحم لمن يقول إن هذا دور شاق جداً ومرسوم بشكل خاطئ من الأساس؛ لأنه ليس من واجب الأم أن تُفني كيانها كلياً في كيان أطفالها، وأن تضحي بكل ما هو نفيس وغالٍ، وبكل شيء ترغب فيه من أجل رسم الابتسامة على وجوههم.

كل رغباتها وأحلامها أشياء ثانوية، وكل المسؤوليات تقع على عاتقها وحدها، خصوصاً في مجتمع أصبحت فيه المرأة مُعيلة بشكل كبير، فكان من الواجب عليها الخروج لسوق العمل، والعودة لتحمّل مسؤولية الأطفال أيضاً، دون أن تمتد لها يد العون.

ومع هذا فهي تتحمل بابتسامة رضا تشبه كثيراً ابتسامة أمينة رزق في أدوار الأم على شاشات السينما، فحينها فقط يمكنها أن تصبح أُماً مثالية، وإذا لم ترغب في هذا، اعتبرناها مريضةً نفسياً.

ويبقى الوضع على ما هو عليه سنين، تظل صورة الأم المثالية الملاك التي تتحرر من كل إنسانية بداخلها، أن ترفض استمتاعها بالحياة مقابل استمتاع أولادها، هي الصورة النمطية الوحيدة للأم، وأي شيء يُخالِف هذا نعتبره بالضرورة نموذجاً غير صحي، وإلا ما كانت الدنيا لتقوم ولا تقعد بعد اعتبار أحد النوادي فيفي عبده الراقصة المعروفة أُماً مثالية لأطفالها؛ لأنه مرة أخرى، نموذج الأم مرتبط كثيراً بأمينة رزق، لا يمكن أن تكون راقصة لكنها وفرت لأولادها ما عجزت كثيرات عن توفيره، مثل الحب الصادق، والقدرة على التفاهم والاحتواء، والذي أجمع بناتها على قدرتها على فعله، ومع ذلك لم تنسَ نفسها، وتخلق هذه الصورة أمهات مثاليات فعلاً، لكن مشوهات نفسياً ومعنوياً، يشعرن أنهن امتلكت أولادهن امتلاكاً تاماً، يستطعن التدخل في قراراتهم بما يتوافق مع رؤيتهن.

ولذلك حين ينزغ الأولاد للكِبَر، ويبدأون في التخطيط للغد والمستقبل، ورسم الأحلام الخاصة بالحياة الفردية، تصبح الأمومة في كثير من الأحيان عائقاً بعد أن كانت سبيلاً لفرش الأرض بالورود، فيصبح ليس من حق الأولاد الاختيار إلا بما يتوافق مع نظرة الأهل، خصوصاً الأم، فتبدأ بـ”ادخل الكلية الفلانية”، و”ما تتجوزيش الشخص ده” و”هتسافر وتسيبني لوحدي؟!”، وغيرها الكثير من تحطيم الأحلام الذي يتبعه “بعد ما شقيت وفنيت عمري عليك”، وكأن التضحية هنا لم تكن اختياراً من الشخص المُضحي بل إجباراً عليه، مع إن مَن قام بالتضحية من أجله لم يطلب شيئاً من هذا القبيل، لم يطلب أن تتركن شغفكن بالحياة وتتحولن إلى نساء يقمن بالأعمال المنزلية حتى تنكسر ظهورهن ويسهرن ليقمن بالواجبات المدرسية.

طبعاً مع غياب كامل لدور الأب، فتُخلَق صورة مشوهة لأم أنانية جداً مع أنها في غاية المثالية، وتتخذ من رغبة الأبناء في الاستقلالية إهانةً لكيانها، أو بالأصح تدميراً له؛ لأنها لم تعرف غيرهم، ولم يكن لديها سواهم، فتصبح وحيدة جداً بمجرد رؤيتهم يبتعدون، فتحاول إبقاءهم قدر المستطاع قربها، حتى لو بالتهديد، لنرى مثالاً أم وائل في مسلسل أنا شهيرة أنا الخائن، المرأة التي ضحّت بكل غالٍ ونفيس حتى يُصبح وائل الرجل الذي هو عليه الآن، فاعتبرته حقها وحدها حين كبر، لم تتقبل أبداً فكرة أن يتزوج وتصلح له حياة خاصة، فدمرت حياته، بدافع الحب!

لكن، مع اقتراب عيد الأم هذا العام، رأيت حملة إعلانية في منتهى الذكاء، والواقعية، تدمر صورة الأم المثالية بكل قوة، وتقول إن الأمومة ليست بالضرورة أن تكون مثالية، يكفي فقط أن تحتوي على الحب، التفاهم الصادق، وعدم معايرة الأبناء بالاختيارات أو تحطيمها؛ لأن فيها تحدياً لكيان وسلطة الأم الممنوحة لها بتضحياتها التي أجبرها عليها المجتمع؛ ليصبح من العادي جداً أن تدخر الأم آخر قطعة شيكولاتة لها وحدها، أو أن تحبس نفسها بحمام المنزل هرباً من كلمة ماما التي تتردد في الثانية ستين مرة، أو أن تنظر بحسرة لإعلان عن منتجع صحي للنساء؛ لأنه ليس لديها الوقت لفعل هذا، بدون أن تخجل، بدون أن تشعر أنها أُم غير جيدة.

بل هي في نظري أقوى من الأم التي تتنازل دائماً وعلى شفتَيها شبح ابتسامة؛ لتكبت مشاعرها بداخلها، وتتحول فيما بعد إلى أُم تبتز أولادها عاطفياً من أجل أن يظلوا لها وحدها، وأن تظل اختياراتهم ملكاً لها، ليس أنانيةً منها، وإنما لأنها أفنت كيانها فيهم، وبدونهم لا يعود لها كيان.

ليس من المطلوب أن نكون نسوة مثاليات، ليس من المفترض أن نؤدي كل شيء على أكمل وجه، وليس من المفترض أن نعيش دور الأمومة المثالية التي فرضها علينا المجتمع، كن أنفسكن فحسب، اسعَين وراء شغفكن وأحلامكن جنباً إلى جنب مع الأمومة، لا تفنين أنفسكن في كيانات أخرى مصيرها الاستقلال عن كيانكن، حاوِلن إيجاد أوقات لأنفسكن، لتشرَبن الشاي الساخن في صمت، لتستمتعن بالهدوء، أشرِكن أزواجكن معكن في تربية الأولاد، من الممكن جداً أن تبُحْن بأنكن تحتجن لإجازة، من الطبيعي جداً أن تقُلن لا نستطيع، فحينها تكنّ أمهات حقيقيات!

 

هاف بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *