حقوق المرأة في النظام القضائي (2)

د. عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله – مستمعيَّ الأفاضل – في برنامجكم: “”فقه التقاضي”، وقد رأيت تخصيص ثماني حلقات للحديث عن حقوق المرأة في النظام القضائي السعودي، ومن أبرز الأسباب التي دعت لذلك:

1- إبراز عناية الشريعة الإسلامية والأنظمة التي لا تتعارض معها بحقوق المرأة.

2- إبراز الجوانب المشرقة التي حظيت بها المرأة السعودية في الأنظمة القضائية.

3- استعراض أبرز الحقوق التي تضمنتها الأنظمة القضائية السعودية للمرأة.

4- التنبيه إلى أخطاء تقع فيها المرأة؛ مما يسبب ضياع بعض حقوقها.

أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها معينة على حفظ الحقوق وحسن تأديتها.

والمقصود بحق المرأة في هذه الحلقات: (ما ورد في النظام القضائي من إجراءات تُحفظ بها حقوق المرأة، أو تكون معينة لها على حفظ حقوقها، والإجراءات التي خُصَّت بها المرأة مراعاة لوضعها وطبيعتها).

وسيكون حديثنا على أربعة محاور:

1- حقوق وتعليمات عند عقد النكاح.

2- حقوق خلال العِشرة الزوجية.

3- حقوق عند انتهاء العِشرة الزوجية.

4- وصايا وتنبيهات.

وموعدنا في هذه الحلقة مع المحور الأول، تحت عنوان: (حقوقٌ وتعليمات عند عقد النكاح).

فمن المعلوم أن وزارة العدل تختص بالإشراف على مأذوني عقود الأنكحة ومتابعتهم، كما تختص المحاكم بالتصديق على عقود الأنكحة.

وقد صدر مرسوم ملكي بالمصادقة على قرار مجلس الوزراء، القاضي بتعديل المادة [التاسعة والستين] من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي، الصادر عام 1372هـ، لتصبح بالنص التالي:

أ- يصدر وزير العدل الرُّخَص لمأذوني عقود الأنكحة، وفقًا لما يضعه من ضوابط، وتتولى وزارة العدل الإشراف على أعمالهم ومتابعتها، وتوثيق المحكمة المختصة ما يصدر منهم بعد التحقق من صحة الإجراءات الشرعية والنظامية؛ {انظر تعميم وزارة العدل ذا الرقم 13/ ت/ 2022، والتاريخ 7/ 7/ 1423هـ}، وأصدرت وزارة العدل لائحة مأذوني عقود الأنكحة؛ {انظر تعميم وزارة العدل رقم 13/ ت/ 2170 في 19/ 1/ 1424هـ}.

ومما ورد في هذه اللائحة مما له علاقة بموضوعنا:

المادة الحادية عشرة: يقتصر عمل مأذون عقود الأنكحة في حدود الولاية المكانية للمحكمة المختصة التابع لها.

المادة الرابعة عشرة: على المأذون قبل إجراء عقد النكاح التحققُ من توفر الأركان والشروط، وانتفاء الموانع في الزوجين، وعدم مخالفة الأنظمة المرعية.

المادة الخامسة عشرة: إذا كان الولي غير الأب، فعلى المأذون أن يتحقق أنه أقرب وليٍّ بالاطلاع على صك حصر الإرث، أو ما يدل على انتقال ولاية التزويج إليه، ويشير إلى ذلك في الضبط.

المادة السابعة عشرة: في حال عدم وجود ولي شرعي للمرأة، فإن إجراء عقد النكاح يكون من قِبَل المحكمة المختصة.

المادة الثانية والعشرون: تصادق المحكمة على صحة ختم وتوقيع المأذون بعد التحقق من سلامة إجراء المأذون، ومدى تقيده بما ورد في اللائحة من خلال ما دون في وثيقة عقد النكاح.

المادة الثالثة والعشرون: تدون كافة البيانات في دفتر الضبط، مع أخذ توقيع طرفي العقد والولي والشاهدين، وإخراج الوثيقة من واقعه.

ويتضح من هذه المواد حرص المنظم على تنظيم أعمال مأذوني عقود الأنكحة وضبطها؛ لِما في ذلك من حفظ الحقوق لطرفي عقد النكاح.

ونصت المادة السابعة عشرة من اللائحة على أنه في حال عدم وجود وليٍّ شرعي للمرأة، فإن إجراء عقد النكاح يكون من قِبَل المحكمة المختصة؛ وذلك طبقًا لما ورد في المادة الثانية والثلاثين من نظام المرافعات الشرعية المبينة لاختصاصات المحاكم العامة، ومن ذلك: “تزويج مَن لا ولي لها من النساء”، وأوضحت اللائحة التنفيذية للمادة أنه: (32/ 11 يدخل في فقرة “مَن لا ولي لها من النساء”: من انقطع أولياؤها؛ بفقدٍ، أو موتٍ، أو غَيبةٍ يتعذر معها الاتصال بهم، أو حضورهم، أو توكيلهم، ومَن عضَلها أولياؤها، وحكم بثبوت عضلهم، ومَن أسلمت وليس لها ولي مسلم.

32/ 12 ويراعى في تزويج من لا ولي لها من النساء، موافقة وزارة الداخلية فيما يحتاج إلى ذلك مما صدرت به التعليمات.

32/ 13 وذوات الظروف الخاصة، يبنى النظر في تزويجهن على خطاب الجهة المختصة بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية وفق التعليمات).

ولخصوصية العقد على ذوات الظروف الخاصة وردت تعاميم وزارية، تؤكد عدم العقد لأي فتاة من هذه الفئة من قِبَل القضاة إلا بموافقة وزارة الشؤون الاجتماعية، أو أحد فروعها المشرفة على هذه الفئات.

{تعميم وزارة العدل رقم 8/ ت/ 86، وتاريخ 17/ 12/ 1423هـ، وتعميم رقم 13/ ت/ 3058 في 14/ 2/ 1428هـ}.

وإذا امتنع ولي المرأة – التي يصدر بحقها حكم قضائي، وتبقى تحت إشراف مؤسسة رعاية الفتيات أو غيرها – من تزويجها، فإن للقاضي تزويجَها بعد إجراء ما يلزم لذلك، وقد صدر بذلك تعميم وزارة العدل المبني على توجيه المقام السامي، بناءً على قرار من مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.

وأما التأكيد على حق المرأة في موافقتها على الزواج ورضاها بالخاطب، فهو أصل شرعي ثابت، وورد التأكيد عليه من وزارة العدل المشرفة على مأذوني عقود الأنكحة.

ففي تعميم من وزارة العدل بتاريخ 30/ 2/ 1426هـ وردت الإشارة لقرار هيئة كبار العلماء رقم 153 في 15/ 8/ 1409هـ، المتضمن لما يلي:

1) أن التحجير وإجبار المرأة على الزواج ممن لا توافق عليه، ومنعها من الزواج بمن تتوفر فيه الشروط المعتبرة شرعًا – أمرٌ لا يجوز، والنصوص الشرعية صريحة بالنهي عنه، والنكاح على هذا الوجه منكر ظاهر؛ إذ الحجر من أكبر أنواع الظلم والجَوْر.

2) من يصر على تحجير الأنثى، ويريد أن يقهرها ويتزوجها أو يزوجها بغير رضاها، فإنه عاصٍ لله ورسوله، ومن لم ينتهِ عن العادة الجاهلية التي أبطلها الإسلام تجب معاقبته بالسجن، وعدم الإفراج عنه إلا بعد تخليه عن مطلبه المخالف لأحكام الشرع المطهرِ، والتزامه بعدم الاعتداء على المرأة أو ولي أمرها أو مَن يتزوجها، وبعد كفالته من قِبَل شيخ قبيلته أو أحد من ذوي النفوذ فيها بالالتزام وعدم الاعتداء.

ولحقِّ الزوجة في اشتراط الشروط المباحة عند العقد عليها جاء التأكيد على تسجيل الشروط في وثيقة العقد.

ففي تعميم وزارة العدل رقم 12/ 181/ ت في 7/ 10/ 1405هـ ورد ما نصه: “بضرورة سؤال كل من طرَفي العقد عن الشروط التي يشترطها وتضمينها – إن وجد شيء منها – عقد النكاح، مثل اشتراط مزاولة مهنة التدريس، أو أية أعمال أخرى؛ وذلك ليكون كل من طرفي العقد على بينة من أمره، فنرغب اعتماد موجبه وإبلاغه لمن يلزم).

ولأهمية الفحص الطبي قبل إجراء العقد، ولما فيه من مصلحة الزوجين وذريتهما صدر تعميم وزارة العدل بشأن تطبيق الضوابط الصحية للزواج على جميع السعوديين قبل الزواج، وإلزام طرفي عقد النكاح بإحضار شهادة الفحص الطبي قبل إجراء العقد، وأن يكون هذا الإجراء أحد متطلبات تدوين العقد مع ترك حرية إتمام الزواج لصاحبي العقد، بصرف النظر عن نتيجة الفحص الطبي متى ما شاءا ذلك.

كما صدر تعميم وزارة العدل رقم 13/ ت/ 2387 في 23/ 1/ 1425هـ بأنه: “على المأذون أن يقوم بتدوين رقم وتاريخ شهادة الفحص الطبي في خانة التهميشات لوثيقة النكاح، وكذا في دفتر الضبط لديه، مع الإشارة إلى نتيجة الفحص الطبي، وعدم تدوين ما ذكر يعد مخالفةً نظامية يحاسَب عليها المأذون”.

ونقف هنا لانتهاء وقت البرنامج، وموعدنا الحلقة القادمة – بإذن الله تعالى – للحديث عن المحور الثاني: (حقوق المرأة خلال العِشرة الزوجية).

 

مركز باحثات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *