الأخلاق مرة أخرى

محمد أمين الشامي

 

الحديث عن ضرورة العودة إلى ثقافتنا واستشراف الحلول لأزماتنا منها لن ينتهي لتعدد الأوجه. والبناء على نفس التوجه مرده أن أزماتنا نتجت عن عرينا الثقافي الذي زينه لنا أعداؤنا على أنه حرية، فألبسونا رداء التردي الأخلاقي على اعتباره زي التقدم.

نحن الأمة نعيش اليوم مواجهة مفتوحة مع تداعيات التردي الفكري والسقوط الضميري، ونخوض معركة خاسرة حتى تاريخه مع التلاشي الثقافي والوجودي، ونقف عاجزين أمام مساعي اقتلاع الهوية لعدم توافر سلاح للرد أو للردع، فحروب الزعامات تركتنا عرايا. ولا أظن أن هناك من ينكر هذه الحقيقة، حتى لو داروها، مرضاة لأحد أو خوفًا من أحد. الأمة كلها محشورة في القاع الذي خطط له وهيئ لها منذ أمد بعيد، والفوضى تعتصر ما بقي فيها من انتماء وإرادة، نتيجة استراتيجية التغريب الثقافي التي رسمت لنا وتبعناها كالقطيع لتتم القولبة حسب الأبعاد المطلوبة من قبل «المدبّر».

فما الذي أوصلنا إلى هذه الحال من تلاشي الشخصية المميزة؟ أهو اللاتوازن الفكري الناتج عن صدمات الهزائم الداخلية المتتابعة والخارجية المستمرة؟ أم هي سياسة الارتهان التي أنتجها تجذر سلوكيات التبعية الحاكمية في اصطفافات القوى؟ أم أنه اللايقين الذي غذته ممارسات عقول مستغلقة لم تستطع أن تأخذ بيد الناس إلى فسحة «انظروا، سيحوا، تفكروا» الإلهية، فحشرتهم في زنزانة الحدود، وأقفلت على عقولهم بأقفال من صنع مصالح السدنة؟ أم تراه الإدراك المشوه والقاصر لأتباع الثقافة المستوردة، وتفصيلهم لها على مقاس هذا الإدراك؟ الحقيقة، هو كل هذا وأكثر.

كل المنظومات المحركة وآلياتها التي تتحكم بمفاصل حياتنا ومعاملاتنا معطلة، وهذه ليست مبالغة. انظروا إلى حال منظومة التربية والتعليم التي باتت خارج التصنيف ونحن أمة «اقرأ»، وانظروا إلى القوانين التي تنظم العلاقات المجتمعية والبينية وتطبيقاتها إلى أي هاوية أودت بالعدل ونحن أمة «اعدلوا»، وانظروا إلى الروابط الاجتماعية كيف فقدت بُعدها الإنساني، بدءًا من علاقة الأبناء بأهلهم، مرورًا بعلاقة الزوجين أحدهما بالآخر، وانتهاء بالعلاقة الوجدانية مع الوطن والخالق ونحن أمة «واعتصموا».

لقد بتنا على واحد من حالين: إما مثالًا للدراسة، كظاهرة العلاقات الهشة التي أفضت إلى تفشي الطلاق بين اللاجئين في بلدان اللجوء، أو عبرة للتجربة، كإفساح المجال لشعب للقيام بثورة ثم دفعه إلى القيام بثورة على الثورة، ودراسة حالة الندم لديه بين الثورتين. أو معاقبة من قام بثورة على حين غرة وإرادة ذاتية، وإخضاعه لامتحان الانصياع والندامة المرير، بعد دراسة مسببات الجموح والتمرد لديه لكبحها وإماتتها.

ولأننا عودنا على استيراد الأفكار بدل استيلادها، وصل بنا الجمود الفكري إلى النقل المشوه لها، سواء في تعريفها أو في دراسة إمكانات التطبيق في مجتمعاتنا. وأدت المقاربة الكسيحة لطروحات كثيرة أن حولها المغالون إلى معركة بين التقدم والرجعية حسب تعابيرهم بدل التعاطي معها كحالة ثقافية تعزز الوعي والتلاقح الفكري، كفكرة تحرر المرأة مثلًا التي أضحت معركة رمزية بين «فضيلة» العري كحالة انعتاق ووحشية الحجاب الممثل للعبودية. ثم جعلوها إحدى معاركهم المفتوحة في الحرب على الفكر الإسلامي واتهامه بتوليد الإرهاب والتخلف، إلى جانب معركة الطعن في الهوية عبر تجهيل اللغة، ومعركة الإنكار المتقصد لكل مساهمة إبداعية في البناء الإنساني ذي الطبيعة التكاملية، وردها إلى طفرات فردية وليس إلى الوعاء الثقافي المستوعب والمولد.

وهكذا، تعرضت المفاهيم الأصيلة إلى النقد بدل الانتقاد، وطرح الاستبدال بدل المراجعة. كما وصل الحال ببعض المتحمسين إلى رد كل المساوئ التي تشهدها مجتمعاتنا إلى الموروث الثقافي، والدعوة الصريحة إلى التحرر من قيود الشريعة وتصنيفها جزءًا من التراث الإنساني لا أكثر. وتغاضوا عن أس الأزمات، أزمة الأخلاق، أزمة المبادئ والقواعد الناظمة للسلوك الإنساني التي تسببت بها القراءات الخاطئة والمقاربات الحسيرة. وتناسوا أن الشريعة لا تطبق منذ سنين طويلة جدًا. وما حربهم الشعواء على الدين، تحت مسمى مكافحة الإرهاب، إلا لأنه يمثل الحامل الرئيس للثقافة المجتمعية للأمة التي يريدون طمسها وإحلال مفاهيم ثقافية مستوردة ومقولبة لتحقيق رؤى ورغبات «المدبر» وأجرائه حيال هذه الأمة.

لقد انعكس الخلل الذي وقع لهذه المنظومة الأخلاقية، والتشوهات التي شهدتها كل المنظومات الأخرى في تحولنا، نحن البشر، إلى قوالب رغبة ونزوات معلبة، دون أن يتبقى من إنسانيتنا شيء. وهذا ما نلمسه الآن في أبشع تجلياته. فعلى الرغم من كل قشور المدنية التي تلون محيطنا، لكننا فقدنا عامل الآدمية في علاقاتنا لصالح المصلحة كسلوك سلبي وليس كبعد بيني.

هذه دعوة جديدة ومتجددة للعودة إلى منابعنا الثقافية الأصلية والأصيلة، ولقراءة واقعنا وروابطنا ومبادئنا بعيوننا نحن، لنتلمس مواطن الخلل في أنفسنا ونشرع في علاجها. وليكن الوعي دليلنا في هذه الرحلة الوعرة في إعادة اكتشاف الانتماء والهوية والشخصية. لننتقل بعدها إلى عملية الصيانة، صيانة المنظومات المعطلة فينا.

وعندما تبدأ عمليات ترميم المنظومة الأخلاقية لكل منا، ونشرع بتلمس أبعاد العدل والرحمة والحق ونؤصلها في علاقاتنا، سنستطيع الخروج من القوالب التي حجزتنا فيها، باسم التقدم والتحرر، فلسفة التغريب الدخيلة. وحين يحل الشغف محل الضرورة في أدائنا الوظيفي، سنكون قد استرجعنا إنسانيتنا وخرجنا من أطر المادة. عندها، سنستطيع الإقلاع بالمنظومات الأخرى فينا، تلقائيًا، وسنستطيع، حينها، تلمس بعدي الخير والجمال في كل ما يحيط بنا. ومن هنا سنبدأ حكاية جديدة.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *