لماذا تأخرنا حضارياً وتقدّم غيرنا؟!

جمال نصّار

 

العالم العربي والإسلامي يعيش مرحلة عصيبة في الآونة الأخيرة من التأخّر الحضاري عن الغرب، الذي استطاع في فترات سابقة الاستفادة من الحضارة الإسلامية والارتشاف من معينها الصافي، الذى سطع في أرجاء العالم ناشراً للخير والعلم والمعرفة، ولكن للأسف الأنظمة المستبدة التي مرّت على عالمنا العربي والإسلامي ساعدت على هذا التأخّر والخذلان!

فبعد أن كُنا نُصدّر الحضارة إلى الغرب، أصبحنا الآن عالةً عليه، بل وصل الأمر إلى التبعية السياسية في كل شيء؛ حيث تم زرع الأنظمة المستبِدة التابعة للأنظمة الصهيو-أميركية، التي تنهب خيرات ومقدرات الشعوب لمصلحتها الشخصية، بما يصبّ في صالح العدو الحقيقي للأمة!

وعلى الرغم من أن العالم الإسلامي يمتلك طاقات كبرى لحماية الشخصية المسلمة من الذوبان، فإن قضية الاقتباس من الآخر من أخطر المسائل التي اعترضت -وما زالت تعترض- الفكر الإسلامي المعاصر، وهي نبض التأخر الحضاري للمسلمين اليوم، فإن هي توقفت أو رُشِّدَت فسوف نرى نور الحضارة في سماء بلادنا الإسلامية؛ لأن الحضارة لا تصنع بمنتوجات حضارية مستوردة فحسب، بل هي التي تصنع المنتوجات الحضارية، وهذا هو السبب الأول من أسباب التقهقر الحضاري الذي نحياه الآن، وهو أننا نستورد الحضارة ولا نصنعها.

ومن ثَمّ وجب على العالم العربي والإسلامي أن يمتلك الأدوات التي تساعده على إنتاج حضارته بنفسه، فمقومات كل حضارة -كما يراها مالك بن نبي- ثلاثة: الإنسان، والتراب، والوقت، ومن العجيب أن هذه المقومات الثلاثة تتوافر لكل دول العالم العربي، فمن حيث الإنسان، فالإنسان العربي من أفضل العناصر البشرية، ومن حيث التراب، فإننا نمتلك أخصب المساحات الترابية على المعمورة، ومن حيث الوقت فما أكثره عندنا؟! إلا أنه في الواقع لا حضارة لنا اليوم! فما هو السبب؟

يُرجع مالك بن نبي السبب في تخلُّفنا الحضاري لهذه العناصر الثلاثة، أو قُل إن شئت: غياب الرسالة من ذهن المواطن العربي، وهذه الرسالة هي العقيدة الدينية، التي تؤثر على مزج المقومات الحضارية الثلاثة بعضها ببعض، فكل محاولة من الأمة الإسلامية في طريق الحضارة بعيدة عن النظرة العقدية ستبوء بالفشل؛ لأن حقيقة الفكرة الإسلامية، أو العقيدة الإسلامية، واقع صامد، وكائن موجود في عمق الشخصية والمحيط الاجتماعي للإنسان المسلم، وهي تستجيب دائماً لطموحات الإنسان المتجددة، بشرط التفاعل مع هذه الفكرة عقيدةً وأخلاقاً وحضارةً.

لكن الذي حدث في أيامنا هذه أننا أهملنا القيم الدينية الروحية، والمبادئ الخلقية السليمة من وفاء ومروءة وأمانة ورحمة، نُسِيَت حياة الفضيلة، واتجه الإنسان بفعله وعمله فقط إلى الحياة المادية، حياة الغدر والخيانة والقتل والقسوة، غير معترف بغيب، ولا بإله لهذا العالم؛ فعاش في حروب ونزاع وقتال، وكان ذلك واضحاً من آثار الحروب العالمية الأولى (1914م – 1918م) والثانية (1939م – 1945م) في النصف الأول من القرن العشرين. وكذلك الحروب بالوكالة في عالمنا اليوم التي تقوم بها أميركا وروسيا وإيران، في سوريا، والعراق، واليمن، وقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، وهذا هو السبب الثاني من أسباب الغياب الحضاري للأمة الإسلامية اليوم.

والذين اتجهوا إلى بناء العقيدة أساءوا توظيفها، وذلك بتركيزهم على ممارسة العقيدة ممارسة تُفضي إلى الآخرة فحسب، تاركين عمارة الكون والأرض، ظناً منهم أن ذلك يعرقل فوزهم بالدار الآخرة.

فغياب التوظيف الحضاري للعقيدة الإسلامية عند الشخصية الإسلامية المعاصرة أفسح المجالات الدنيوية -إن جاز لنا هذا التعبير- لغير المسلمين فظهر وانتفش، ومن ثمّ ليست المشكلة في قوة القويّ، وإنما المشكلة في ضعف الضعيف، وهذا هو السبب الثالث من أسباب النكسة الحضارية في العالم العربي المعاصر.

والمرض الذي أصاب الأمة الإسلامية اليوم أن أفرادها يفكرون فيما لهم من حقوق ولا يسعون لأخذ هذه الحقوق، يفكرون فيما لهم من مطالب، ولا يؤدون ما عليهم من واجبات، وهذا الذي نشاهده من حال الأمة اليوم تجاه القضايا العامة والخاصة.

إن شعباً كالشعب الفرنسي عندما أراد عزل رئيسه قام بثورة لم تُفضّ حتى تم عزل هذا الرئيس، ونظامه؛ لأن الثورة في مفهومها البسيط، هي إحلال نظام مكان نظام قديم بكل آلياته، لكن الشعوب العربية اليوم انتكست في استكمال ثوراتها التي قامت بها للقضاء على الأنظمة المستبدة، واكتفت بإزاحة رأس النظام فقط، مما هيّأ الظروف مرة أخرى لعودة النظام القديم بكل عنفوانه، وانصرفت النخبة التي يجب أن توجِّه الجماهير إلى قضايا فرعية وخلافات بينية، وأصبحت القضايا المصيرية، كقضية فلسطين، مهمّشة وزال بريقها والاهتمام بها لدى المواطن العادي، واستغلت الأنظمة المستبدة غفلة الشعوب، وبدعم من النظام الدولي، لتمرير ما يُسمى (صفقة القرن) المشبوهة!

إن المجتمع العاجز عن الثورة عاجز أيضاً عن التدين، والبلاد التي تمارس الحماس الثوري تمارس نوعاً من المشاعر الدينية الحية، وتلك المشاعر الدينية توجه غالباً في صورة ثورات لتحقق العدالة والجنة على الأرض، والدين والثورة يولدان في مخاض الآلام والمعاناة، ويزولان في حياة الترف والرخاء، وحياة الدين والثورة تدومان بدوام النضال والجهاد حتى إذا تحققا يبدأ الموت يتسرب إليهما، ففي مرحلة التحقيق في الواقع العملي نهاية الأمر.

لكل شيء إذا ما تم نقصان *** فلا يغَرّ بطيب العيش إنسان

والمجتمع العربي والإسلامي اليوم -للأسف- غير مستعد لتقديم هذه الصور الحماسية؛ لأنه غير مستعد للتضحية، وهذا هو السبب الرابع من أسباب الانكسار الحضاري الذي نال الأمة الإسلامية في الآونة الأخيرة.

يقول ابن خلدون: “إذا تأذن الله بانقراض المُلك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في الأندلس وأدى فيما أدى إلى ضياعها”.

وأدرك هذه الحقيقة أيضاً أحد الكُتّاب الغربيين، المؤرخ كوندي؛ حيث قال: “العرب هووا عندما نسوا فضائلهم التي جاءوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل إلى الخفة والمرح والاسترسال بالشهوات”.

 

هاف بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *