امرأة معقّدة!

حياة بن بادة

 

قالوا عنها امرأة معقّدة، لا زالت ترفض الاختلاط، ترفض الدردشات وترفض مجالسة “الرجال”، امرأة تستحمّ بالعقد، ستغرق في عقدها وستُشنق بها يوما ما! امرأة تكبّل نفسها بقيود الشّرع في القرن الواحد والعشرين، يا للعجب! قالوا عنها امرأة بائسة قادمة من العصر البرونزي إلى زمن القرية الكونيّة، امرأة من العصر الحجريّ نزلت في عصر التكنولوجيا! امرأة كالشّاحنة لا تفهم شيئا في الموضة وكالبناء الفوضوي، لباسها المحتشم فوضى في فوضى. قالوا عنها امرأة قديمة كحيّ القصبة العتيق هيهات أن تصمد!

قالوا عنها امرأة كقرن نبتة البازلاء تخفي الكبائر وسط جلبابها، غنيّة بالذكريات حتما ملفّاتها. قالوا عنها امرأة كاذبة فكيف لفتاة عشرينية تغرّبت في البلدان وخالطت العقليات، متعدّدة الشهادات اشتغلت في أماكن محتوم فيها الاختلاط ألّا تتخذّ خِدنا؟

سنراودها عن نفسها، مرّة وأخرى، ستخضع وكغيرها ستنخدع، فكلّ النّساء متشابهات وبالفسق متّهمات ولا وجود لفتاة بريئة، لا وجود لفتاة عفيفة، لا وجود لفتاة لم يلمسها رجل، كلّ النّساء بقايا، كلّ النّساء مستنقعات قذرة ويا ما تحت السواهي دواهي! كم من فتاة شوّهت وجه الجلباب وكم من فتاة حفظت القرآن وانحرفت وكم من فتاة اعتزلت الناس في غرفتها لتَسمع عبارات العشق وتُسمعها عبر هاتفها النقال وكم من فتاة صلّت التراويح في حضن حبيبها. وكم من فتاة متحجّبة تبرّجها فاق سفور أخرى.

كيف لفتاة مثلها توفرّت لها جميع مكوّنات الخيانة ألّا تخون في عصر الخيانة وكيف بالله عليكم تقابل العالم بوجه أشبه بورقة رسم خطت ملامحها بقلم الرصاص في عصر الألوان الزيتية وعمليات التجميل؟ في زمن المرأة “الباربي” التي طالت وجهها أيادي خبراء التجميل فلصقّوا فوق عينيها رموشا اصطناعيّة وداخلهما عدسات زرقاء وخضراء وعسليّة ونفخوا شفتيها وخدّيها بالإبر وتبّثوا في شعرها خصلات شقراء وحمراء! لن نصدقها ولو جاءتنا بيد من الجنّة خضراء. قال آخرون، بل هي امرأة معقّدة ومريضة نفسيّا، عديمة المشاعر والإحساس، باردة كليالي الشتاء، قلبها صفوان، أمطر عليه ما شئت من الكلام العذب سيبقى صلدا. هذا إن كان في باطنها الأحمق قلب أصلا!

نعم، هي امرأة بدائيّة في عصر اللوحات الزيتيّة والفسيفساء والزخارف الجلديّة، عميقة الجمال والوجدان. امرأة لا تدوس قدماها الألغام فهي تعرف مواطنها جيّدا، امرأة لم ترث من المدن العربية الجبن ولا الرضوخ ولا الخيانة ولا التبعية والاستسلام. امرأة حكيمة في زمن يعج بالقاصرات اللواتي تجاوزن الأربعين في العهر، وبلغن فيه سنّ الشيخوخة. هي امرأة طاهرة مريضة بالصحة في زمرة الأصحّاء بالوباء، في زمن يتعاطى فيه الناس علاجات وهميّة ليتمتّعوا بالحياة، هي امرأة ترفض مخدرات السعادة الوهميّة والشقاء المحتوم. نعم هي امرأة معقّدة، امرأة بالانقراض مهدّدة، امرأة تباغت الحسابات، لم تخلق أصابعها لعدّ الأوراق النقديّة في الفنادق وبيوت الدعارة ولم تخلق يداها لتُدلَك في المكاتب المغلقة والمطاعم والحدائق والجامعات وخلف المنازل، امرأة لم تطرق باب الشعوذة وأطباء النساء والتوليد لترمّم شرفها. امرأة لم يخلق جسدها ليساوم، امرأة يوميا تقاوم جهل النساء والرجال معا، جهل الضائعين والمتعصبّين أيضا. امرأة معقّدة وكاذبة، لم تفقد الله ولم يضيّعها.

امرأة ملقّحة منذ الصغر بدينها وأخلاقها ضد الفيروسات البشرية وأمراض الأخلاق المعدية، لها مناعة ضد الفساد، تعرّف جهاز عقلها المناعي على الجراثيم البشرية من سِماتهم ولحن قولهم، ومن تجاربهم وحكاياتهم، هي لم تكن بحاجة لأن تجرب هذا الجرثوم لتتّعظ فرحمة الله غمرتها منذ الولادة. امرأة لا تفتح المجال لأيّ كان ليلعب بها، هي ليست كرة غولف يحرّكها ملوك النصب العاطفي بمياجيرهم ليدخلوها في الحفر. هي ليست دمية كبيرة للأطفال الكبار. هي ليست دارة كهربائية بالنسبة لمن يعتقد أنها دارة وإن كانت فهي دارة كهربائية مفتاحها كالعقدة الغوردية مجهول، الكلام المعسول عندها مادة صلبة كالخشب والقماش والزجاج والورق وسائلة كالماء المقطر لا يمرّر الكهرباء إليها ولا يوهج مصابيحه ونظرات الذئب بالنسبة لها مادة عازلة.

الرجل لديها ليس مشروع إنجاب وليس مشروع ارتداء فستان أبيض ولا أداة تباهي أمام الفتيات ولا عربة هروب ولا مارد فانوس علاء الدين السحري. هي امرأة غير صالحة للاصطياد فهي ليست بالحيوان الضاري ولا بالطير الكاسر، هي لا تنشر الشبكات ولا تحتفل بالفرائس والضحايا. هي امرأة معقدة لا تلتقط الحروف المتمرّدة ولا تغريها كلمات بناب أزرق. امرأة كالعِلم الدقيق معقدة وصعبة وكالأحجار الكريمة ثمينة وصلبة، لمبادئها جذور عميقة كالنخلة والصبّار، نعم هي امرأة كالصبّار قدرتها على العيش في الصحراء الملتهبة عجيبة، امرأة مغطاة بالعقد كما يغطى الصبّار بالشوك، فالشوك يحمي الصبار من الحيوانات وكذلك عقدها تحميها من الحيوانات البشرية التي تسعى لتتغذى عليها ومن شمس الحياة الحارقة، امرأة كالصبّار لو يعلم العالم فوائدها الجمّة.

لا زالت معقّدة وستظلّ معقّدة كالعادة، معقّدة لحدّ السعادة، تعلّمت منذ الصغر أن كلّ أقدارنا سعيدة، نحن من نجعلها تبتئس، لهذا السبب هي لا تخون قدرها السعيد، إن خانته تتعس، فلا أحد يعلم أنّه شقيّ حتى يُثبت لنفسه بنفسه الشقاء. هي امرأة معقدة باقتناعاتها ويقينها، معقّدة عقدة غوردية حتى سيف الاسكندر الأكبر غير قادر على فكّ عقدتها. من يحمل سيف الاسكندر عليه أن يبارك عقدها فإن هو أوثقها معها كان سيّد مملكتها التي تختلف عن مدينة غورديوم. في الحبّ هي لا تسقط فجأة ولا تسقط بالطريقة التي يسقط بها مريض الصرع، في الحبّ هي كالمصاب بنوبة هستيريا تعرف صوب ماذا تمشي قدماها وأين تستلقي.

هي امرأة تخطأ كغيرها لكنّها تعود، هي امرأة تخاف الله في السر والعلن ليست مثالية وليست كاذبة لكنها موجودة، تستعين على الحياة بالصبر، قد تضعف وتنكسر بالدموع والحزن ومع ذلك تواجه العالم بقوّة. امرأة معقدة وغريبة وكنز الغرباء، هي العفة والصبر والحياء والإيمان والشجاعة في مجتمع لا يغفر للمرأة زلّات الطبخ، فما بالنا بالأخطاء الجسيمة وإن كان هو السبب!

هي العقد تجتمع لتمنحنا أشياء كثيرة، إما مرضا نفسيا وإما بذلة صوفية جميلة وقد تمنحنا امرأة صالحة ينعتها الدنيء بالمعقدة، نعم معقدة، فالعقدة هي الأداة التي تثبّت وتمنع من الإفلات وتقي من الانفلات وتربط الإنسان بخالقه وتوثق المبادئ بمرساها الصحيح. إنّها تتزيّن بعقدها كما يتزيّن شعرها بالضفائر، كلما زاد طول عقدها كلما ازدادت رونقا وبهاء.

هذا العالم بحاجة لأن ينتج في كلّ بيت امرأة معقّدة ليقوم، فطوبى للسيّدات المعقّدات.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *