المرأة بين الورع الكاذب والضعف الفاضح

خولة عبدلي

 

تقودني حسرتي للخَوضِ في هذا الموضوع ليس كُرهًا أو تَحَامُلا عَلى الجنس الآخر إنّما مواقف مستفزة تَكدَّسَت مَع الأيّام فَغَيَّرَت كُلّ المفاهيم العقلية وألبَسَتها ثوبًا باليًا لَم تعهده من قبل، النظرة المتعصبة والموروث القبلي العريض الذي كلما مرت عليه السنين سببت له الإعاقة والتشويه حتى إذا ما وصل لنا كان قد بلغ من الانحراف أشده ما لم يعهده حتى آباؤنا القدماء.

في القديم تحررت المرأة بنزول الرسالة المحمدية فكرمها زوجة حين أسرع الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى سيدتنا خديجة رضي الله عنها يشكو خوفه ويطلب ملجأ، فكانت نعم السند والدليل، لم ينس الرسول -صلى الله عليه وسلم- حبها ففرش ثوبه لصويحباتها حتى بعد وفاتها وفاء وحبا.

كرمها بنتا بمنع وأدها فوهبها الحياة بعد الموت، وأختا وأما فجعل برها مقرونا برضى الله عز وجل ومنحها أعظم شرف ألا وهو جنة تحت أقدامها. دخلت مع الرسالة ميادين الحرب فكانت خولة بنت الأزور الفارس الملثم، وميدان التجارة فعينها سيدنا عمر رضي الله عنه على نظام الحسبة والضرائب، وهذه سيدتنا عائشة الفقيهة التي بلغت من الفهم والعلم ما أجبر الرجال على حضور مجالسها، لم تُمنع المرأة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مجالس العلم ولا التغيير بل شجعها على طلبه وكلفها به مثلها مثل الرجال، الرسول كان يُعدُّ لأمة كاملة لا تصلح إلا بصلاح نسائها وصلاحهن لا يتم إلا بتعليمهن ودعمهن.

مشكلتنا الحالية ليست أزمة علم فقد خرجت نساؤنا وتعلمت لكن نسيت أهم شيء هو تطبيقه وسبله، أهملت الجانب الروحي الذي لا تصح رسالتها إلا به ولا تكتمل إلا بإصابته، فما ينفع العلم إن لم يتوج ربه بخلاق اقتنع الرجال في وقتنا بضرورة الحرية للمرأة فشجعوها على التعليم والعمل وأقحموها ميادين لم تدخلها من قبل، في طريق صناعة المرأة المستقلة ضاع شيء مهم وهي المرأة المصلحة، كل ذلك الدعم جعلها مادية بحتة لا تؤمن إلا بالملموس تناقضا مع طبيعتها. و لو شاء الله لها ذلك لخلقها مثل آدم من تراب لكنه أرادها سندا لقلب وجزءا من جسد ونصفا لروح لا تكتمل إلا بها، أرادها نفسا وقولا قبل حركة وفعل، في رحلتها للحرية تاهت واختلطت مفاهيمها.

لست ضد العمل ولا العلم أنا مع بنات جنسي وأصفق لإنجازاتهن لكن حين تهمل رسالتها الأولى وتتبرأ من أنوثتها كأنها وشم عار وجب هنا الوقوف وإعادة الحسابات. أعود للرجال سبب المشكل الرئيسي والتدهور الحالي، حينما لم يفهموا الوصايا وحصروا الدين في قوامة لا تمت للقوامة المذكورة بصفة، حين حبسوا النساء تطبيقا للآية وقرن في بيوتكن، وأعلنوها فرمانا للاستملاك التام أمرا ورهبة لا حبا وثقة، ضغط وظلم وتهكم بلغ مداه وفهم أعوج أجبر المرأة على الخروج عن طاعتهم والمطالبة بحق ضائع كلفنا التيه في دروب الحياة بعدها.

عندما لا يحسن الزوج لزوجته يسجنها في بيته ويخنقها في المطبخ ظانا أنه منحها أقصى ما تستحق، يبرر أفعاله على أنها مخلوقة لذلك دون شكر أو حتى إقرار بمعروف، نسي الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كان في عمل أهله وهو الذي يحمل إعداد دولة فوق كاهله وسَيرَ دعوة ربانية وتبليغها، فماذا تحمل أنت؟ يتقبل الحفلات والأعراس ويجد غرامات ذلك واجبا يقوم به كنوع من رد المعروف، يتحمل المقارنات بعدها وامتعاضها من مقتنيات الأخريات، كلُّ اللّيل يقضيه في الاستماع لأمر لا يخصه.. جميل ولا أعارضه لكل وجهة نظر وحياة خاصة لا دخل لنا فيها لكن حينما نُعمل جانبا ونُعطل آخرا هنا يكمن المشكل لم ندرك بعد أن قيمتنا الإنسانية تسمو كلما استثمرنا في عقولنا ومضينا في طريق اصلاح أنفسنا وغيرنا ما حولنا للأفضل، أننا كلما منحنا الغير الخير أصابنا أضعافه.

لذا كان من الأجدر وفي المقابل أن يشجع ويصنع روابط صداقة عائلية مع أولي الفهم والعلم والإصلاح أن يشغلها بالكتب ويدعمها لتطور نفسها بما يليق به وأسرته، يعدها لتكون مصلحة ترسل للأمة أولادا يرفعون مكانتها. تؤسفني الكثير من المواقف التي تمر علي يوميا لا أجد لها تفسيرا إلى تفسير “استحمار” العادات والتقاليد والموروث البالي لنا وتأثيرها على تفكيرنا كأنه يعطل دماغنا ويجعلنا نسير وفق طريق مرسوم لا فهم فيه ولا بصيرة.

طالما طرحت السؤال لماذا؟ على كثير من التصرفات التي لم تقنعني وأجبرت على تقبلها فقط لأن جوابها هي هكذا: لماذا أمنع من العمل التطوعي في حين يشجعني الآخرون على الالتزام بالوظيفة فقط؟ لماذا يبدو المبيت عند أصحاب العرس الغرباء شيئا عاديا جدا بينما المبيت في مخيم نسوي دعوي بحت شيئا منافيا للأخلاق؟ لماذا يكون اختلاط العمل حلالا بينما يحرم ذلك الموجود في دور الثقافة والجمعيات؟ لماذا يترك رجال منطقتي نساءهن يتجولن في المحلات التجارية في كل وقت بينما يتم منعهن أو عدم حثهن على حضور دورات التربية وتحسين التواصل وحلق الذكر في المساجد؟.. ألف لماذا تنتظرالجواب.

لا مجال للتصحيح إلا بنفض الغبار عن السنة المهداة ودرب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، أن نفهم فهما سليما أدوار المرأة وندعمها أما وأختا وزوجة، أن لا نضيق واسعا ونغلق بابا مفتوحا في وجوههن، تلك الصور المغلوطة لم تمثل يوما الدين الإسلامي وما حمله لنا إنما هي طريق زائغ أريد به سحبنا نحو التيه والضياع .أن نحتويهن بالحوار واللين، بالحب نغيرهن وبالحب نصنعهن ونعدهن لا بشيء آخر نقومهن فيخرج منهن جيل غير الذي ألفناه، يعيد لنا ما ضاع من مجد وعزة.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *