تساؤلات تمكين المرأة في عيدها

د. سامح فوزي

 

مصطلح تمكين المرأة ليس حديثا، نسمع عنه منذ سنوات، وبالرغم من ذلك يتذكر العالم أنه لا يزال معطلا مع كل احتفال سنوى فى شهر مارس باليوم العالمى للمرأة. بالطبع تختلف أوضاع المرأة من مجتمع لآخر حسب متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، وهو ما يجعل المقارنة فى غير محلها، ولكن اللافت أن كثيرا من معاناة المرأة يتلخص فيما ذهب إليه عدد من الباحثين فى هذا المجال من عدم التوازن بين الأعباء الأسرية التى تتحملها من ناحية، وحاجتها من ناحية أخرى إلى العمل خارج المنزل بحثا عن دخل مادى لأسرتها. فى بعض المجتمعات الإفريقية الفقيرة تبدو الأوضاع درامية حيث تقوم المرأة فى بداية اليوم بحمل وليدها على كتفيها أو فى خزانة قماش معلقة على ظهرها، ثم تسعى لجمع الحطب، والحصول على مياه الشرب، وغيرها من مستلزمات المنزل، ثم بعد ذلك تذهب لأداء أعمال مرهقة منخفضة الأجر، ثم تعود فى آخر اليوم منهكة إلى بيتها تواجه مطالب أسرتها التى لا تنتهى. هذه الحالة العامة التى تواجه المرأة نجدها بصورة أو بأخرى فى المجتمعات ذات الدخول المنخفضة أو المتوسطة، مما يكون له تداعيات نفسية واجتماعية بالنسبة لها.

هذه الإشكالية الأساسية التى تقف حجر عثرة أمام تمتع المرأة بحقوقها، وتحقيق المصطلح البراق «تمكين المرأة»، إذ يؤدى غياب التوازن فى حياة المرأة بين رعاية أسرتها «غير مدفوعة الثمن»، والعمل خارج البيت «مدفوع الثمن» إلى شعورها بالإنهاك، وغياب أى فرصة أمامها للتفكير خارج دائرة الانشغال اليومى. فى تقرير مهم أصدره معهد دراسات التنمية بجامعة «ساسكس» بالمملكة المتحدة يشمل دراسة أجريت على عدد من المجتمعات الأفريقية خلصت إلى أن تمكين المرأة يصبح قابلا للتحقق إذا وفرت الحكومة خدمات عامة «جيدة» وفى الوقت نفسه فرص عمل «مجزية» لكل من الرجال والنساء على السواء. فى هذه الحالة يتحقق ما سماه التقرير «وقت الراحة» بالنسبة للمرأة، والذى يشكل مقدمة من أجل التفكير فى حقوقها، ومشاركتها، وتواصلها مع الموارد الثقافية والإعلامية فى المجتمع، أى إجمالا ما نسميه «تمكين المرأة»، وتُعد المساواة فى النوع أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التى تسعى لتحقيقها عام 2030م. تواجه المرأة فى المجتمع المصرى مثل مجتمعات نامية أخرى تحديات تتعلق بعدم القدرة على تحقيق التوازن بين الأعباء داخل المنزل من ناحية، والعمل خارج البيت من ناحية أخرى، وهو ما ينتج عنه صعوبات فى تمكين المرأة فى التمتع بحقوقها، وشعورها بأنها على اتصال أفضل بموارد مجتمعها. الخروج من هذه الحالة، وتمكين المرأة على نحو أفضل يتطلب على المدى القصير ثلاثة مجالات أساسية:

الأول: فتح مجالات العمل أمام المرأة. كلما انحصر عمل المرأة فى مجالات محدودة ضاقت أمامها السبل. والعكس صحيح. إذا زادت أمامها مساحة العمل فى مختلف التخصصات ارتفع مستوى حرية الاختيار فى سوق العمل. لا يتحقق ذلك إلا بتطوير نوعية التعليم الذى يقدم للفتيات، والذى يسمح لهن بامتلاك مهارات تفتح أمامهن آفاق التوظيف فى مجالات متنوعة فى ظل مناخ من التنافس.

الثانى: القضاء على الممارسات الاستغلالية غير العادلة فى مواجهة المرأة مثل الزواج المبكر، أو الاتجار فى البشر فى صورة تزويج الفتيات الصغار إلى رجال كبار فى السن، مما يجعلها أجلا أم عاجلا المصدر الأساسى للدخل بالنسبة لأسرتها، هذا بجانب تحمل أعباء الخدمة فى داخل الأسرة، وتتحول إلى «امرأة معيلة» حتى فى ظل وجود الزوج ذاته الذى يصبح فى غضون سنوات قليلة من زواجه غير قادر على الاستمرار فى سوق العمل.

الثالث: توفير سياق عام يسمح للمرأة أداء دورها الوظيفى بأكثر درجات اليسر والاحترام، مما يتطلب مواجهة التحرش، وتوفير منظمات لرعاية الطفل أثناء عمل المرأة بتكلفة معقولة، وبطريقة آمنة، وتطبيق القانون بحزم على محاولات الإساءة للمرأة، فضلا عن توفير شبكة مواصلات عامة جيدة تسمح لها باستخدامها دون أن تشعر بأى مضايقات بحيث تقوم بأداء عملها خارج المنزل بصورة أكثر يسرا. ومن المظاهر الايجابية أن الحكومة بتوجهات رئاسية مباشرة اتجهت فى الفترة الأخيرة إلى الاهتمام ببعض القضايا التى تتصل بتمكين المرأة سواء من خلال توفير قروض صغيرة ومتناهية الصغر للمرأة خاصة المعيلة، ورعاية أسرتها، وتوفير خدمات الطفولة المبكرة، وكذلك تطوير نوعية الحياة فى القرى الأكثر احتياجا، والتى تتأثر فيها المرأة أكثر من غيرها. وبالرغم من تطوير بعض الخدمات الاجتماعية والرعائية التى تقدم للمرأة، وتغيير بعض القوانين لمواجهة بعض مظاهر الافتئات عليها، إلا أن قضية تمكين المرأة تتطلب استراتيجية متكاملة الأبعاد تشمل بالإضافة إلى النهوض بأوضاع المرأة الأكثر معاناة، تطوير نوعية التعليم المقدم للفتيات، وتوسيع الفرص الاقتصادية والحياتية أمام المرأة فى الطبقة الوسطى التى تقود مسيرة تطوير المجتمع.

 

الأهرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *