العنصر الرابع

رندة صادق

 

ملايين الكلمات وضجيج لا يزال يمارس الصعود الى عمق الذاكرة، وعدد لا متناه من الصور تقفز الى مخيلتنا، العالم بأسره مشاهد مقتطعة من ملهاة كبيرة نحاول فيها أن نحقق إنسانيتنا، ونكتمل مع الطبيعة والفطرة التي وجدنا عليها، نفتح نوافذنا للأمل ونبني من الأحلام جسور عبور تحارب الملل والقلق، نرقص ونغني ونصفق للحظات الفرح، ونتضرع لله أن لا يقترب منا الحزن أو يكسرنا الألم، هي الروح تطل من نوافذ العيون ترغب في ازدياد في العمر، في بقاء لا تشوبه شائبة، بسلام لا يستكين ترغب في حفل هادئ يُسهل عليها العبور الى عالم البقاء ولكن .. دائما هناك ولكن تجعلنا نكتشف في المحصلة أننا نعيش ولا نحيا، وهناك فرق شاسع بين “أن نعيش”و” أن نحيا”.

من المعروف علميا أن العيش يحتاج الى عناصر ثلاث تبقينا على “قيد الحياة هي (الماء والهواء والغذاء) أما “أن نحيا” فذلك يحتاج الى عنصر رابع إضافي هو “المحبة” التي لها معنى آخر أعمق من الحب. فما هو الفرق بين الحب والمحبة؟

الحب شعور يمكن اختصاره بالعلاقة بين الرجل والمرأة، وله علاقة بقدرتنا بداية على حب ذاوتنا والتصالح معها، وقبول الواقع كما هو، وهو في الأصل فطرة الإنسان التي خلقها الله سبحانه وتعالى فيه ليعبده وليُعمرالأرض بها، وحب الرجل للمرأة أو العكس ضرورة لقيام علاقة ثنائية، الطبيعي فيها أن تتوج بارتباط يباركه الله سبحانه وتعالى ولا يتعارض مع القيم المجتمعية، ومع هذا يصر البعض على متلازمة (الحب والشهوة) التي تنقص من قيمة الحب وتحوله الى فعل دنيء وذلك لتشويه جوهر الحب.

من المهم التأكيد على أن الحب في العلاقة الثنائية هو شعور راق و ليس شهوة رخيصة أو إحساس عابر، وليس عيبا عليه أن يكون بالخفاء، والمجاهرة بالحب ليست وقاحة، ولا أمر دخيل على الإنسان، العيب هو القيام بأفعال لا يرتضيها الله سبحانه وتعالى ولا يقبل بها مجتمع يتمسك بالقيم الإنسانية وبالفضيلة.

أما المحبة التي أتحدث عنها أو ما أفضل أن أسميها بـ (العنصر الرابع) الضروري للحياة هي شعور أوسع وأشمل لأنها تقوم على حب الوجود بمتناقضاته ونبذ الكراهية والتعامل مع الحياة بروح شفافة قادرة على تخطي العثرات والتسامح والتعامل مع المجتمع بسلام ينبع من داخل الروح التي تعمقت بمعنى الحب، وأدركت ان العدائية التي تولدها الكراهية، تحول الحياة المليئة بالجمال الى عيش ضيق، تختنق فيه الروح وينمو الشر في الزوايا وتسكن التفاصيل الطاقة سلبية المدمرة، وأول ضحاياها هو من استسلم للكراهية وتخلى عن المحبة. نستنتج أن للحب مفهوم ضيق بالمعنى والمضمون وهو يمكن اختصاره بالعلاقات، وله علاقة بهرمون الحب الذي ينشط حين يتقابل اثنان فيحدث بينهما انجذاب كيميائي قد يثمر عن علاقة بينهما، أما المحبة فهي شعور أقوى وأكثر ثباتا وأوسع بالمعنى، هي نواة الحب الكلي الإلهي والشمولي، وهي مشاعر غير محدودة أو مشروطة ولا ترتبط بالرجل والمرأة ،هي أكثر صفاء وأسمى من الرغبات أو الحاجات المادية، لذا نجدها تحتاج الى جهد لتخرج عن فطرتها وتعم كل تفاصيل الحياة، وفطرتها حب العبد لربه وللأنبياء والرسل، وحب الأم لطفلها، أما تمرين الذات على التمتع بالعنصر الرابع يرتبط بحب الحياة بلا أطماع أو مشاعر إيثار للذات. العالم يفقد العنصر الرابع، يفقد الرغبة في صناعة المحبة التي تولد السلام، ويستسلم لقبح الكراهية التي تحولت الى دماء تسيل على صفحات التاريخ، مع العلم أن الحياة تتسع للجميع، إذن لماذا نقوم بعملية تدمير ذاتي يقضي علينا وعلى العنصر الرابع؟ لم أتمكن من إيجاد الجواب فهل أجده عندكم؟

 

جريدة عمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *