عدو المرأة في بعض الأحيان.. أمها!

ريحان غضباني

 

المرأة الأم التي تربي ابنتها منذ الصغر على منطق، “اذهبي لتسخين فطور لأخاك”، “انشري سرواله”، “اكوي قميص والدك”، “نظفي المكان الذي سيجلس فيه والدك وأخاك” هي ذات المرأة التي تقول لك “ولدي صيد (أسد) وراجل، ولا يوجد مثله أحد”! في أغلب الأوقات تجدها تدعي في كل صلاة بأن يأتي نصيب بناتها سريعا لترتاح منهن، وركزوا معي من فضلكم على كلمة ترتاح! لتقابل ذلك الامتعاض من بناتها بوابل من الغزل لابنها البطل، الذي غالبا ما يعيش بين أريكة غرفته والمقاهي وصفحات الفيسبوك لا غير.

المرأة الأم، هي أول معقل في نواة المجتمع الذكوري الذي رسخ أفضلية الرجل على المرأة في بعض الأحيان عن دراية منها أو عن عدم. فذلك الرجل وتلك المرأة قد كانت تجمعهم علاقة أخوة منذ الصغر، تكللتها محطات من التمييز لصالح الأخ إلى أن افترقا في طرقات المجتمع، لتحمل تلك البنت شهادة الدونية بموازة أخيها البطل حتى يستمر ذلك الحال إلى أن نصل لمرحلة من غير الممكن فيها خلق نقطة التقاء صلبة للمساواة بين المرأة والرجل.

البعض قد يعتقد بأن دحض بعض المفاهيم الدينية التي فُضل فيها الرجل عن المرأة، سيخلص تلك الأخيرة من المرتبة الدونية التي سجنت بها بسبب العادات والتقاليد التي تربوا عليها منذ الصغر، متناسين واجب الأمهات للسعي لخلق مكانة متساوية لبناتهن أمام الذكورية الطاغية في الأسرة العربية، كي لا تبقيها مهمشة تحت وطأة تلك التقاليد التي حكمت على الأنثى أن تسمى هما وعارا ستجلبه إن هي لم تتزوج في أسرع وقت.

في بعض المجتمعات العربية، بعد أن تتزوج الفتاة تشعر بعض الأمهات اللاتي دعمن الذكورية عن نهم أنها قد مسحت بزواج ابنتها ذنبا لم يحدث أن اقترفته قط ! إحدى النساء وتدعى (و .. ب) كانت تحزن كلما أنجبت بنتا لأن البنت ليست “ضمانا” على حد قولها!” وكأن مغزى إنجاب الأطفال بمثابة فتح حساب بنكي يستخدمه الآباء عندما تنفذ مؤونتهم في أواخر حياتهم ويتناسون أن ذلك واجب يهبه الأطفال للآباء بالفطرة كعربون محبة وواجب وليس لتسديد فاتورة جلبهم لهذه الحياة.

ومما يثير الدهشة أيضا أن كثيرا من الرجال قد أكدوا أن الأطفال لديهم سواء، فلا فرق عندهم بين ذكر وأنثى، على عكس كثير من النساء اللواتي يفضلن إنجاب الذكور على إنجاب الإناث، وتعود كثير من أسباب هذه التفرقة إلى الخوف من نظرة السلفات (زوجات الأخوة) أو الحموات.. إلخ الذين يمكن أن يعيروها بأنها أم البنات. فالأطفال مع هؤلاء الفئة من الأمهات أصبحوا “كبيضة كندر” تخبئهم في أحشائها لمفاجئة ومجاكرة قريناتها النساء.

خلاصة القول: إن الضغط الزائد للإنجاب جعل كثيرا من الأمهات غير قادرات على العدل بين أبنائها، وبات حنانها أسيرا ومصحوبا بكثير من التأثيرات الاجتماعية والعائلية التي ستمجدها إن هي أصبحت أم الأولاد. طريق الإصلاح يبدأ قبل الزواج.. لا بد من اتفاق الزوجين منذ ولادة الفتاة، على احترام مكانتها وحفظها أمام أقرانها الذكور والتركيز على إنجاب أطفال أصحاء ذهنيا وجسديا أفضل بكثير من تفريغ عقد الضعف في وجه الإناث.. لذلك، طريق تغيير نظرة المجتمع للمرأة على أنها أقل من الرجل يبدأ منذ صغرها مع والدتها لا عند الكبر.

إن لم تهيئ المرأة قبل أن تصبح أما، نفسيا و ذهنيا، للسعي وراء مساواة بناتها أمام أقرانها الذكور بتعلة الخوف أو عدم التجرؤ لفرض كائن غير مرحب به إلا لسد واجبات هامشية في حياة الأسرة، كتنظيف البيت و تحضير الطعام، فتلك مشكلة لا بد من حلها قبل أن تفكر تلك الفتاة بالزواج وأن تصبح أم، وهنا سنضل حائرين بين هل ستأخذ تلك الفتاة المشعل من أمها وتواصل دورة حياة تفضيل الأخ على الأخت مع أطفالها أم ستخلق التغيير باتباع نظام عادل يقدم أفرادا سليمي النشأة والفكر دون الحاجة عند كبرها لتكثيف الشعارات الإنشائية، وللتذكير في يوم يتيم في السنة أن المرأة كائن عظيم وقادر مثله مثل الرجل.

إنه لمن الممكن أن نسمع بأب يقلل من قيمة ابنته مقارنة بأخيها، على أن نلمس هذا التقليل من المرأة الأم بحد ذاتها. فإن لم تدعم المرأة نظيرتها، فعن أي دعم ننتظره من الرجل؟ ناقوس الخطر لا بد من إطلاقه فورا عند ملاحظة سوء معاملة غير عادلة تتلقاها الفتاة وهي بين أفراد أسرتها، مجتمعها الصغير، الذي إن غاب فيه العدل، سيشوه ما يمكن أن يبنى عليه في المستقبل من قرارات تدعم مكانتها أمام شريكها الرجل، زوجا كان أو زميلا في العمل.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *