الحضارة ونقطة الانطلاق

يوسُف السويطي

 

لا شكّ أنّ الفكرة الدينية التي تشعل فتيل الجانب الروحي في الإنسان، هي القاعدة الإساسيّة التي تبنى عليها الحضارات، فالفكرة الدينية لهي بمثابة ماء الحياة، الذي يجعل الحضارات تنتفض بالحياة بعد موات.

وها هو المؤرخ اليوناني بلوتارك يقول: من الممكن أن توجد مُدن بلا أسوار، وبلا ثروة، وبلا آداب، وبلا مسارح، ولكن لم يَرَ الإنسان قط مدينة بلا معبد أو لا يمارس أهلها الصلاة.

وعدّ مالك بن نبي في كتابه (شروط النهضة) أنّ أيّ ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية: (ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت)، والناتج الحضاري لا يوجد تلقائيًا إذا توّفرت هذه الشروط الثلاثة، وإنمّا هو بحاجة إلى مركب (أيّ العامل الذي يؤثر في مزج هذه العناصر الثلاثة بعضها ببعض)، هذا المركب هو الفكرة الدينية الملازمة لولادة الحضارات عبر التاريخ.

ونحن إذا تأملنا في ملابسات الوثبة الحضاريّة الهائلة التي حققتها الجزيرة العربية لقرونٍ من الزمان، من تحوّل الشعب البدوي الذي يسكن الصحراء المقفرة القاحلة، والذي لم يكن له أيّ تأثير يذكر في دورة التاريخ، إلى شعبٍ يقود العالم بأسره في فترةٍ زمنيّة تدير الرؤوس، نجد أنّ هذه الوثبة الحضارية، كانت نتاجًا مباشرًا لتأثير الوحي الذي هبط من السماء على النبيّ الأميّ.

وكذلك فإنّ الحضارة الأوروبية، ارتكزت بشكلٍ أساسيّ، على الفكرة الدينية المسيحية، حيث يقول هرمان دي كيسرلنج: (إن الروح المسيحية ومبدأها الخلقي هما القاعدتان اللتان شيدت عليهما أوروبا سيادتها التاريخية).

ولكن هناك حقيقة موحّدة، تجمع بين الإنسان الذي قدّم الحضارة الإسلامية للعالم، والإنسان الذي قدم الحضارة الأوروبيّة للعالم.

إنّ الجزيرة العربية والتي شهدت مهبط الرسالة على النبيّ الأميّ، لم يكن لها أيّ تاريخ ثقافيٍّ يذكر، في حين أنّ الحضارات الأخرى كالرومانية والفارسية والصينية والهندية كانت تعجّ بالأفكار والفلسفات والنظم والقوانين، ووُلد من رحم هذه الحضارات فلاسفة وحكماء كُثر كافلاطون وأرسطو وسقراط وزرادشت وبوذا… إلخ، لقد اقتضت الحكمة الإلهيّة أنّ تتنزل الرسالة على الشعب البدويّ، الذي لم يشوّب بشوائب الفلسفات والأفكار الأخرى، ذلك الشعب الذي كان يتمثل فيه (رجل الفطرة) أو (الإنسان الطبيعي)، والذي كان يشكّل أرضيّة خصبة، لزرع بذور هذه الفكرة في شعاب نفسه، ثمّ لتنمو وتزدهر بديناميكية حيّة على أرض الواقع، إذّ إنّ هذا الإنسان الطبيعي صاحب الغرائز، تخضعه هذه الفكرة الروحيّة إلى عملية شرطية تنظم هذه الغرائز، فيتحرر بهذا من قانون الطبيعة، ليرفرف إلى عالم الحرّية الذي يسكت منطق الغريزة ليحلّ محلّه منطق الروح.. هذا المنطق الذي يجعل الإنسان مستعدًا للتضحية والفداء ومكابدة الآلام في سبيل فكرته، والذي عدّه مالك بن نبي الطور الأوّل من أطوار الحضارة.

وهذا المنطق أيضًا، عبّر عنّه الفيلسوف علي عزّت بيجوفيتش بصورةٍ أخرى حينما قال: (إن المجتمع العاجز عن التدين هو مجتمع عاجز عن الثورة، والبلاد التى تمارس الحماس الثوري هي بلاد تمارس نوعًا من المشاعر الدينية الحية).

نعود إلى الحقيقة الموّحدة، حيث إنّ الحضارة الأوروبيّة، لم تولد بشكلٍ حقيقي إلا عندما أخذت الفكرة الدينية المسيحية حظّها من النفوس، وما كان لها أنّ تأخذ مكانها هذا في بادئ الأمر وسط الخليط من الديانات والثقافات العبرية واليونانية والرومانية، إلّا أنّها أخذت مكانها – كما أخذت الفكرة الدينية الإسلامية مكانها عند (رجل الفطرة) – عند (رجل الفطرة) أو (الإنسان الطبيعي) في البداوة الجرمانيّة شمال أوروبا.

ولذلك، فإننا إذا أردنا أنّ نعيد الحياة إلى حضارتنا الإسلاميّة، فعلينا أولًا أنّ نتجرد من كلّ الفلسفات والأفكار والنظم الدخيلة ونقذف بها بعيدًا، ثمّ نستقي قيمنا وأفكارنا وعقيدتنا من نبعٍ واحد ألا وهو القرآن، والذي خرّج لنا ذلك (الجيل القرانيّ الفريد)، بتعبير المفكر الشهيد سيّد قطب، ومن ثمّ فإن علينا أنّ نمارس – كما عبّر الشهيد أيضًا – العزلة الشعورية عن كلّ ما قد يعكّر صفو هذا النبع، ونحن معنا دليل على سلامة هذا النهج الذي نهجه ذلك الجيل الفريد، أنهم كانوا اللبنة الأولى لحضارةٍ تربعت على عرش التاريخ قرونًا طويلة.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *