أخلاق القوة وقوة الأخلاق

محمد أمين الشامي

 

رفع زماننا الذي نعيش اللثام عن وجهه الحقيقي وأنهى التكهنات بشأنه. فهو زمان لا يعترف إلا بالقوة، ولا يخضع إلا لمنطقها، ولا يفهم إلا لغتها، ولا ينساق إلا لأوامر ورغبات القوي. أما الضعيف، فلا صوت له فيه، ولا ذكر ولا نصير.

ربما كان وضع القوي هكذا دائمًا، لكن في هذا الزمان الذي كثر فيه الكلام واللغط عن حقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة وحقوق الحيوان وحق تقرير المصير وغيرها من الحقوق، باتت سطوته أكثر وضوحًا ووقاحة وتجبرًا.

لم يخل زمان من معاناة، منذ بدء الخليقة، وإن بنسب مختلفة. فالحروب والمجاعات والأوبئة والمظالم كثيرًا ما صبغت عصورًا بمآسيها. ومقابل كل هذه الفتن، شهدت أزمنة أخرى واحات سلام ورخاء وعدالة، لكن الملفت هو ما شهدته السنوات الخمسون الأخيرة من عمر البشرية من تحركات أفرزت منظمات وجماعات دفاع في مجال الحقوق بأنواعها. الغريب أن معظم هذه التحركات ومفرزاتها لم تنتج أكثر من الكلام وتسجيل المواقف. وسبب ذلك أن القوي يريد أن يلهي الناس بالكلام، مجرد الكلام في عصر الميديا، والحركة التائهة، ليغطي على طغيانه على الحقوق، وليبرر بطشه ويشرعن تبعات قوته.

منذ أن بدأ الكلام عن حقوق الإنسان وهذا الإنسان يتدهور أخلاقيًا وفكريًا وروحيًا حتى تحول إلى آلة تجمع الرغبات وتفرغ النزوات. ومنذ أن تحدثوا عن حقوق المرأة صارت سلعة قانونية وشرعية للتسلية والتسرية.  تابعوا كم من نوع من الأحياء انقرض أو هو مهدد بالانقراض منذ أن اخضر الكلام ونشطاء البيئة. وتابعوا كم من شعب حورب وظلم واحتلت أرضه وهجر من دياره وصار حديث القنوات والصحف، ثم طوي ذكره ونسيت مظالمه منذ أن تم تشريع حق الشعوب في تقرير مصيرها. والأمر ذاته يسري على حرية المعتقد. فكم من حرب استعرت باسم الدين وبحجة مكافحة الإرهاب. ولعلنا لا نزال نذكر كلام جورج بوش الصغير عن الحروب الصليبية الحديثة يوم غزا العراق. وكلنا نرى رجال الدين الروس وهم يباركون الجنود والمعدات المتجهة إلى قتل السوريين باسم واجب القوة. ولا ننسى أيضًا أفاعيل (داعش) المشينة حين كانت في أوج قوتها.

والسؤال الذي لابد من طرحه في هذا المقام: ما هي الآلية اللازمة لضبط وردع مثل هذه القوة الداشرة والمنفلتة من رقابة الضمير والقانون؟ وكيف يمكن إخضاعها لسلطة العدالة؟ ببساطة، عبر تحقيق وتطبيق العدل. لكن هذا ليس بالأمر اليسير.

لابد للقوة العمياء من قوة مبصرة توقفها؛ ولابد للقوة الطائشة من قوة عاقلة تهديها؛ ولابد للقوة الظالمة من قوة عادلة تردها. إذن، نحن بحاجة إلى قوة مبصرة وعاقلة وعادلة، وقائدة وهادية أيضًا، حتى تعيد للإنسان أخلاقه وفكره وإنسانيته، فترجع المرأة أمًا وأختًا وزوجة وابنة وحرمة وشقيقة، أي مساوية للرجل،لا عارضة مفاتن للإيجار أو سلعة للبيع أو مجرد لعبة جنسية باسم التحرر؛ وتعيد للحيوان والنبات المكانة اللازمة لهما في الهرم المعيشي للحفاظ على التوازن البيئي، ولا تتركهما هدفًا لنزوة طارئة أو فورة جشع؛ وتعلم الرجل أن الرجولة هي في حماية كل ما ذكر لا الاستقواء عليه.

وحتى نستطيع امتلاك هذه القوة الرادعة يجب أن نسترجع إنسانيتنا ونستوعب ثقافتنا بداية كي ندرك دورنا الحقيقي الذي خلقنا لأجله على هذه الأرض. حينها سيضمحل الظالم في مجتمع الحق والخير والجمال، وسنكون محصنين أمام القوى الخارجة على ناموس البشرية.

هذه ليست دعوة إلى التدين. فكل منا حر في بناء علاقته مع ربه كما يرشده دينه أو هواه. وليس طرحًا طوباويًا يحلق في فضاءات الملائكية. هذه مجرد دعوة إلى التوقف والتنفس العميق والتفكر والوعي والعودة إلى الفطرة التي سلبتنا إياها قوى المادة وألهانا عنها إيقاع الحياة، علنا نستطيع وضع حلول مثالية من جهة إمكانية التطبيق لواقع أقل ما يقال عنه إنه بائس.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *