ما يطلبه المستمعون

د. يحيى أحمد المرهبي

 

للكتابة عند الكُتَّاب نوعان أساسيان: فمنهم مَن يكتب ما “يريد جمهور القراء أن يقرأوه”، ومنهم مَن يكتب ما “ينبغي للقراء أن يعرفوه”، الطائفة الأولى تسترضي زبائنها، والطائفة الثانية ترشد وتهدي حتى وإن أثارت الغضب في النفوس، الأولى تمسك بمرآة لتنعكس على سطحها صورة الناس كما هم، والنوع الثاني يمسك بمصباح لينير الطريق أمام السائرين؛ لأنه على الأغلب طريق جديد لم يألفوه.

“إنني (زكي نجيب محمود) في كتاباتي لا أشبه صاحب دكان الخردوات، يحاول أن يجمع في دكانه ما يتوقع أن يطلبه أصحاب الحاجات، ولكنني أقرب شبهاً بالطبيب الذي يصف طريقة العلاج وطريق الشفاء”.

قال نابليون بونابرت ذات يوم في مجلس الدولة الفرنسي: “لم أستطِع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرت بأنني كاثوليكي حقيقي. ولم أستطِع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأنني مسلم تقي. وعندما تظاهرت بأنني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا. ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعباً من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان”.

ومن صور الخضوع للجماهير ما نراه اليوم عندما يخطب أحد الزعماء أو القادة أو الدعاة مرتجلاً، ثم يسمع تكبير المستمعين، أو تصفيقهم، فيبدأ بترديد ما أثار إعجابهم إرضاءً لهم وانتزاعاً للمزيد من إعجابهم، مع أن ذلك قد يكون غير ذي شأن في حِسه وفكره، فقد صار بعض الخطباء أشبه بالمطربين. وحتى صار حال البعض متماهياً مع جمهوره، وكأن هتافهم وتصفيقهم هو مقابل فصاحته وبلاغته، وصار حاله معهم كما يقول المثل الإنكليزي الشهير: “من يدفع للزمَّار يطلب اللحن الذي يريد”.

قد يكون قول الحقيقة ومصارحة الناس بها مما لا يرغبون في سماعه، ولكن المثقف المسؤول مطالبٌ بأن يقول الحقيقة وإن كانت مُرَّة ولا يحب الناس سماعها؛ لأنهم سيعرفون قيمتها في المستقبل، وهذا ما أشار إليه المفكر الجزائري (مالك بن نبي) في صورة مثل رائع، ذكر فيه أننا عندما نتحدث إلى فقير، لا يجد ما يسد به الرمق اليوم، عن الثروة الطائلة التي كانت لآبائه وأجداده إنما نأتيه بنصيب من التسلية عن متاعبه بوسيلة مخدِّر يعزل فكره مؤقتاً وضميره عن الشعور بها: إننا قطعاً لا نشفيها. فكذلك لا نشفي أمراض مجتمع بذكر أمجاد ماضيه، ولا شك أن أولئك الماهرين في فن القصص قد قصوا للأجيال المسلمة في عهد ما بعد الموحدين قصة “ألف ليلة وليلة”، وتركوا بذلك إثر كل سمر، نشوةً تخامر مستمعيهم حتى يناموا فتنغلق أجفانهم على صورة ساحرة لماضٍ مترف. ولكن سوف تستيقظ هذه الجماهير في الغد فتنفتح أبصارهم من جديد على مشهد الواقع القاسي الذي يحيط بها في وضعها الذي لا تغبط عليه اليوم.

ولهذا لا يكفي أن تنتقي كلماتك، ولكن أن تنتقي مستمعيك أيضاً؛ إذ إنك إذا حدثت الجمهور بما لا يفهمونه، أحدثت لهم اضطراباً وحيرة بغير جدوى. وبناء عليه فإنه يجب على العالِم المسؤول، كما أكَّد (د. علي شريعتي) أن يكون دائماً بصدد التطبيق العملي والاتِّباع لما يختاره من بين الأقوال والآراء التي يطلع عليها، ولا يقبل من هذه الآراء إلا ما كان من شأنه أن يكون صالحاً للعمل والاتباع، ولا يُصغي إلا للكلام الذي له قيمة عملية وتطبيقية وليس مجرد كلام صرف حتى لو كان حقاً، منطلقاً من قوله تعالى: “الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه”. وهذا ما يحدثه التأثير السيئ على لغة التواصل بين القائد والعاملين معه، فهم يحسُّون بأنهم أتباع لا أقران “ومن شأن المستمعين إلى القائد المسيطر أن لا يفهموا كلامه فهماً موضوعياً؛ لأنهم لا يبحثون عن قيمة الكلام في ذاته، بل عما يقصده القائد ويريده”.

والمشكل في حالة أن تقول شيئاً وتعمل بخلافه، يتمثل بوقوع تناقض بين ما تعلنه وما تمارسه؛ لأن هذا التناقض سينقلب عليك في حالة الصدام لأن الازدواجية لا تخدع العدو وإنما سيختار منها جانب الصدام والحجّة لضربك، ولكنها ستؤثر في تعبئة الجماهير التي تأخذ منك ما تعلنه لا ما تخفيه. ولهذا حين يأتي الصدام لا تكون مستعدة له، فتتركك تلقى مصيرك وهي في مقاعد المتفرجين، كما يقول: (منير شفيق)، وهي بهذا التصرف تبادله الخداع بمثله، فهو قال ولم يفعل، وهي بالمقابل ترى ولا تفعل، فالإنسان يملك روحاً، أما الجمهور فلا شيء لديه سوى حاجاته، ومن ثمَّ، فكل ثقافة هي تنمية للإنسان، بينما الثقافة الجماهيرية مجرد إشباع للحاجات.

لقد أثبت علم نفس الجماهير، كما أكدت الخبرة، أنه من الممكن التأثير على الناس من خلال التكرار المُلِحّ لإقناعهم بخرافات لا علاقة لها بالواقع. ويُنظر إلى سيكولوجية وسائل الإعلام الجماهيرية باعتبارها وسيلة، ليس لإخضاع الجانب الواعي في الإنسان فحسب، بل الجوانب الغريزية والعاطفية، بحيث تخلق فيه الشعور بأن الآراء المفروضة عليه هي آراؤه الخاصة.

إن المفكر الحر ليس بائع خردوات، يوفر في دكانه حاجات وطلبات زبائنه، كما أنه ليس مسؤولاً في إذاعة من الإذاعات أو قناة من القنوات أو موقع من مواقع التواصل، مهمته الأساسية أن يلبّي طلبات مستمعيه ومشاهديه؛ ليوفر لهم ما يطلبونه، ولكنه طبيب مجتمع، يشخِّص داء المجتمع، ثم يصرف له العلاج المناسب، الذي قد لا يستسيغه المريض، ولكن عافيته في هذا الدواء، إن المفكر الحر يقول ما يشفي مجتمعه وأمّته ولا يقول ويكتب (ما يطلبه المستمعون).

 

هاف بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *