اتركوهنَّ يُطْلِقْنَ عُطورَهُنَّ في كُلِّ مَكَانٍ

يعب جرادي

 

في اليوم الذي خرجت فيه النساء يحتفلن بالنصر على النازية، ويطالبن بحقهن في مشاركة الرجال هذا الانتصار، لأنهن كن أيضًا سببًا فاعلًا فيه، حين خرج الرجال للحرب، بقيت النساء في المصانع، وكن يصنعن الأسلحة، ويداوين الرجال.

إنها إذن غنيمة حرب افتكتها المرأة في العالم من يدي الرجل، لم علينا أن نلقي خطابات خشبية عن المرأة في هذا التاريخ، هل نثبت بذلك أننا عالميون؟ أو إنسانيون؟ أو متحضرون؟

إذا كنت الحداثة الغربية قد بدأت فعلًا قبل ذلك بعقود، فلم انتظرت كل هذا التاريخ حتى تحتفل بالمرأة؟

هو نصر حقيقي للمرأة إذن في التاريخ الحديث، وليس منة يمن بها الرجال عليها، إذن هو عيدها، وليس عيدًا عالميًا، هو احتفالها الخاص، وصيدها الثمين.

الحقيقة أننا في العالم العربي والإسلامي، نعيش تناقضًا غريبًا حين نحتفل بالثامن من مارس (آذار)، لأنه لا يعني لنا في واقع الأمر شيئًا، لا أقول هذا برضا، أو تأييد، ولكني أنقل واقعًا يوميًا، نعيشه، نراه، وقد نمارسه، حين تطغى ذكورتنا على رجولتنا، وتقاليدنا على إنسانيتنا، أو على المعاني الجميلة التي نجدها في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

كم هي تلك لمجموعات الفيسبوكية التي تناقش هل عمل المرأة جائز أم لا؟ وهل مكانها البيت أم العمل؟ هو فعلًا نقاش غريب؛ لأنه لا يحاول أن يُقَوْلِبَ الدِّين الحنيف وفق عاداته وتقاليده، بل ممارسته الذكورية.

وكم هو غريب أن تجد في مؤسسة رسمية إحصاءً للمنتسبين له؛ عن عدد الذكور والإناث، إنها إذن قسمة جنسية، وليست قسمة وظيفية، بينما كان من الممكن القول: عدد الموظفين والموظفات، أو الطلبة والطالبات، أو التلاميذ والتلميذات، فقط، أما غير ذلك فهو أيضًا رؤية بدائية إن لم أقل قبل إنسانية للمرأة.

وكم هو غريب أيضًا أن تجلس ناشطة نسائية ألمانية إلى جانب ناشطة نسائية في بلد عربي مسلم، تفخر العربية أنها تعمل كالرجل لثماني ساعات، بل هي أكفأ منه في أحيان كثيرة، لتجيبها الألمانية مستغربة، نحن في ألمانيا لا نعمل كالرجل؛ لأننا لا نستطيع ذلك، بل لا نقبض راتبًا مثله؛ لأن مجهودي لا يكون أبدًا كمجهوده، فلا تزيد بعد ذلك العربية كلمة، وتعود إلى صمتها.

حقيقة، أشفق على امرأة تعمل في عالمنا العربي، وقد كانت أمي عاملة.

هي تعمل في مؤسستها كالرجل، تعود إلى البيت منهكة مثله، يرتاح هو وتعتني هي بـأطفالها، ثم تطهو لبيتها، وتهيئ منزلها، وتصنع أمورا كثيرة، في بعض الدول العربية؛ هي التي تخرج لقضاء حوائج البيت، والرجل يذهب للمقهى، في أول كتاب مدرسي أخذنا عبارة مشهورة، كانت تثير سخريتنا: ماما في السوق، بابا في البستان يقرأ الجريدة، كانت هذه العبارة تثير فينا الضحك، وكانت بعض البنات تحمَرُّ وجوههن من الخجل، إذن هو الشَّقَاءُ بعينه.

الذي يدّعي أن المرأة لم تكن تعمل، وأنّ عملَها أحدُ مُخرجات الحداثة الغربية، أقول له بكل بساطة، سَلْ جدَّتك ألم تكن تعمل في حَقلها، أو تشتَغِلنَ على مدار العام في حصير، يَبِعنَهُ فَيُعينُهُنَّ ذلكَ على حَوائِجِ البَيْتِ.

كانت خديجة، أمُّنا، تاجرة؛ وقد كانت كذلك قبل الإسلام وبعده، وكانت غيرُها تُطَبِّبُ وتُداوي. في الصحراء الجزائرية العميقة، وكذا الأمر على بعض الدول القريبة منها، المرأة شخصية مركزية في المجتمع وضعها قَريبٌ من وضع الشَّريفاتِ من قريش.

كم رَوت لنا الأساطير العربية، بل التاريخ عن زنوبيا، أو سبأ، وكذا الأساطير الأمازيغية عن دحيا الكاهنة، وعن لالا فاطمة، وغيرُهُنَّ كثير.

إذن هي مشكلة ثقافة ذكورية متوارثة، وسنوات، بل قرون من التخلف والجهل، والانتكاس عن المستوى الذي بلغه الفكر الإسلامي في العصور الأولى، إلى تَرَدِّ واِنحطاطٍ لَمْ يُشهَد لَهُ مَثيل.

سألني مرة صديق لي، ما رأيك: هل يمكن لزوجتي أن تشتغل: أجبته ولم لا، المهم، عليك أن تنظف معها البيت، وتعتني معها بالأولاد، وإلا ستكْرهها بعد سنوات، لأنها لن تستطيع الصبر على كل ذلك الشقاء، سكت ولم يجبني.

الحقيقة أن المرأة عندنا تعيش وضعًا نفسيًّا رهيبًا؛ لأنها لا تقبل أن يعينها الرجل في مطبخها، ولا تريد أن تبقى في البيت؛ لأنها تريد أن تعمل، وتحقق ذاتها، عندما تخرج للعمل، تجد مجتمعًا مريضًا، ينظر إليها نظرة غريبة، فلا تَسْلَمُ من كُلِّ تِلْكَ العُقدِ حَتّى تَعودَ لمنْزِلِها، ثم تَتَفَطَّن لواجباتها المنزلية، التي عليها أن تُثبت أنَّها قادرَةٌ على إنجازها، هي في الحقيقة تعيش تَحَدِّيَيْنِ، تحدٍّ داخل البَيْتِ وآخر خارج البيت، نحن إذن نبحث عن نساء حَدِيدِيَّاتٍ، ومن استطاعت ذلك فعلينا أن نُكَرِّمَها بأَرقى الأَوسمة، وأَقَلُّها احترامٌ وتقدير؛ لما تبذله لأجل زوجها نفسها وأولادها.

دائمًا أقول مع نفسي: إن نبينا محمدا – صلى الله عليه وسلم – رجل ذو نفسية قوية، هو فعلًا إنسان مميز، «أحبُّ عائشة»، يقولها وكل ما في وجهه يقول إني أُحِبُّها، كان رجلًا مستقلًا بخدمة نفسه، إلا ما يُطهى له من طعام، إن كان موجودًا، هل يمكن لمجتمعاتنا أن تُحبَّ بكل هذا الرّقي، والسُّموِّ النَّفسي؟ أتساءل؟

حقيقة لا أدري ماذا كنا سنفعل، نحن معشر الرجال، لو لم تكن في هذه الدنيا امرأة، ستكون فعلًا عالمًا كئيبًا، المرأة مهما كانت: أما، حبيبة، زوجة، أختًا، أستاذة، طبيبة، كاتبة، هي اللّمسة الدافئة في هذا العالم القاسي، لذلك دَعوهُنَّ يَتَنَفَّسْنَ الصعداء، واتركوهُنَّ يُطْلِقْنَ عُطورَهُنَّ في كُلِّ مَكان.

 

ساسة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *