هَمّ البنات.. لِلْمَمات؟

نور أبوغوش

 

إذا أردتَ أن تعرفَ ثقافةَ شعبٍ فعليكَ بأمثالِهِ وأغانيه، تلكَ التي تملكُ أن تنقلَ لكَ شيئاً من تفاصيل هذا الشعب وكيفية تفكيره، وعلّ واحداً من هذه الأمثال التي لطالما استوقفتني ما تردّد كثيراً على مسامعنا بأن: “همّ البنات للممات”؛ دلالةً على أن الأنثى تبقى همّاً على كاهل والديها وأسرتها حتى أن نهاية العمر، ويتبع هذا القول تفسيره بأنّ الأنثى كائن ضعيف، يبقى همّها مرافقاً للأهل ما بينَ خوفٍ مِن أن تقع في صغرها في شباكِ مَن يخدعها وسطَ مجتمعٍ يغفر للشاب زلّته ولا يغفرها للأنثى، وما بينَ همِّ زواجها من عدمه، وهمّ أن يكون زوجها صالحاً إن تزوجت، وهمّ المجتمع ونظرته إليها إن لم تتزوج. إلى غير ذلك من التبريرات والتفسيرات التي تُبيح هذه القناعة بأن همّ البنات يستمر حتّى الممات.

أن أولدَ في بيت إناث بلا ذكور يعني أنّي سمعتُ سؤالاً استنكارياً عشرات المرات فيما إن كان والدي يبغضُ هذا الأمر أم لا، وفي كلّ مرةٍ كان يستوقفني هذا السؤال طويلاً. أدركُ أن التنوع في الأسر والعائلات هو الأصل، وأنّ في وجود الذكر ما يكمل وجود الأنثى فطرياً واجتماعياً والعكس كذلك أيضاً، إلّا أنّي لم أكن أفهم ما الذي يدفع المجتمع للارتباك في حال تتباعت الذرية إناثاً لدى المرأة، رغمَ أن الفتاة في بيتِ أهلها هي غالبَ الأمر “حبيبة” والدها ومدللته، ولكَ أن تنظر في عينيه يومَ زفافها لتُدركَ حجم الأحلام والذكريات التي يحملها لها في قلبه، كيف لا وهي التي كبرت أمام عينيه لا يرتضي لها دمعاً، ويغدو حزنها أمامه أشدَّ من وجع السيفِ ألماً.

لقد كبرتُ وأنا أفهم أن الأنثى بابٌ للجنة في الدنيا قبل الآخرة، فهي مَن يتركُ في البيت أثرَ حنانٍ منذ نشأتها، وهي مَن ترعى غالبَ الشأن عند الكبر والديها، وهيَ مَن تُدركُ قيمةَ المواقف واللحظات، ومَن إذا تبنّت قضيةً علمت كيفَ تُديرها وتبحث في تفاصيلها. ثمّ يأتي مَن يلوحُ أمامي بالمثل راسخاً بأن “هم البنات للممات”، رغم أنّ الواقع يؤكد بأن على الأهل أن يحملوا “همّ” الأبناء ذكوراً وإناثاً جميعاً ما بين اختيار لأماكن تعليمهم وتوفير لاحتياجاتهم ومراعاةٍ لفروقاتهم وغير ذلك في زمنٍ أصبحَت في حتى المتطلبات الأساسية عبئاً على كثيرين. إلّا أنّ الواقع يؤكد أيضاً بأن الهم الذي يحمله الأهل تجاه فتياتهن يفوق الهم تجاه أبنائهن وأن ذلك ناتج عن المجتمع لا عن الفتاة، فالهم نابع من خوفٍ على الظلم الذي قد تتعرض له الابنة من زوجٍ لا يرعى حقها، أو مُحيطٍ لا يحفظُ شأنها.

الغريب أنّ المجتمع الذي يردد هذا المثل والمجتمع الذي قد يدفع الأنثى لأن تكون هماً أو مهمومةً، هو ذاته مَن يجعلُ للمرأة يوماً يتكلّم به عنها، ويعرض فيه إنجازاتها، وأسماءً مِن أمثلةِ ريادتها. الغريب أنّ المجتمع الذي يخافُ مِن ذريةٍ كلّها إناث، تجدُ صحفه ومواقعه تحتفي في يومٍ للمرأة. وحقيقةً فأنا كفتاةٍ لن أفرحَ بيومٍ لهذه المرأة إن كانَت باقي الأيام لا تفرحُ بها، ولن يُسعدني مقال يتحدث عن إنجازاتها، إن كان المجتمع مُحارِبٌ في الواقع لها، ولن أجدَ ما تقوم به الحركات النسوية انتصاراً إن سلطت الضوء على يومٍ للمرأة ومؤتمرٍ للمرأة وحقوق للمرأة، ثم جرّدت المرأة من ذاتها وفطرتها.

عندما أعود اليوم للبيت، لن أخبر أمّي بأنّ هذا اليوم يومها، ولن أحدثها عن إحصائيات تمثيل المرأة في المواقع الحكومية ولا عن نِسَبِ رواتب المرأة مقارنة بالرجل ولا عن غير ذلك. بل سأنظرُ للفطرةِ التي جعلت من أمهاتنا ما هنّ عليه من سندٍ ومعونةٍ وسرِّ بركةٍ مدى الأيام والأعوام. عندما أعودُ للبيتِ اليوم لن تُبهجني مقالات المرأة وصورُ الحديث عنها، فإنّي أؤمن أنّ المرأة التي تجدُ في العمرِ أماناً تدركُ جيداً أنّها تؤدّي في المجتمعِ كلّ الأيام دوراً لا همّاً، وأن الرجل الذي ينظرُ لفتاتهِ وزوجته وأمه نظرةَ الحريصِ على أرواحهن يعلمُ أنّ الأنثى باب الخير في عمره كلَّ الأيام إن أحسن إليها فلَم يسئ إليها ولّم يكسرها.

همّ البنات قد يستمر للممات إن تحوّل لخطيّةٍ تُلاحِقُ مَن ظلمها أو آذاها، وقد يستمر للمماتِ في مجتمعٍ يستر على الذكر زلّاته ويؤمن بأن الرجل لا شيء يعيبه، وقد يستمر للممات في مجتمعٍ يقبل لها أن تكون مُستضعفةً في عمل أو بيتٍ أو مؤسسة، تخافُ أن تطالب بحقها ثم يبحث لها عن يومٍ يكرّمها فيه، أو مجتمعٍ يدفعها لأن تجعل مِن أنوثتها وجسدها سبيلاً لتُقبَل في مكانٍ أكثر، أو لتأخذَ جزاءً مادياً أكبر، ثم يبحث عن يومٍ يسمّيه باسمها. أما عدا ذلك فالبنات شقائق الرجال؛ بلسمُ العمرِ لِمَن أردكَ قيمتهنّ في كل الأيام دون أن ينتظر يوماً واحداً ليزكّيها ويُلهِمها.

 

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *