مريم بنت ابي يعقوب الأنصاري: المعلمة المثابرة

  مقدمة ينبغي قراءة التاريخ لعدة أسباب أهمها أننا من خلال التاريخ يمكننا أن نكتشف الواقع، لأن الواقع ليس سوى امتداد لذلك التاريخ، وبفهمنا للواقع واكتشافنا لأبعاده يمكننا أن نبني مستقبلاً زاهراً في مختلف المجالات، ومن يتتبع واقع المجتمعات العربية…

 

مقدمة

ينبغي قراءة التاريخ لعدة أسباب أهمها أننا من خلال التاريخ يمكننا أن نكتشف الواقع، لأن الواقع ليس سوى امتداد لذلك التاريخ، وبفهمنا للواقع واكتشافنا لأبعاده يمكننا أن نبني مستقبلاً زاهراً في مختلف المجالات، ومن يتتبع واقع المجتمعات العربية والمسلمة اليوم يهوله حجم البون الشاسع بين المبادئ والأفكار القيمة وبين الأفعال والأثر على ارض الواقع خصوصاً في ما يتعلق بواقع المرأة، إذ أن المرأة في كثير من الدول العربية والإسلامية تعيش واقعاً مهمشاً على مختلف المستويات، فلا نكاد نرى لها تأثيراً لا على واقعها ولا على المجتمع، بل على العكس نرى انها صارت جزء من مشكلة مزمنة لا يستطيع المجتمع التعايش معها.

والسبب في تلك النظرة القاصرة هو أن فهم قيم وأفكار الدين الإسلامي بما يتعلق بالمرأة عادة ما تختلط بالعادات والتقاليد فتصبح تلك العادات والتقاليد هي المهيمن الأساسي على واقع المرأة، وهذا بالطبع يسبب الاشكاليات التي نشهدها حالياً في واقع المرأة.

إذا تتبعنا واقع المرأة المسلمة في التاريخ شرقاً أو غرباً سنجد أنها كانت عضو فاعل في المجتمع في مختلف المجالات، ليس في جانب الحديث والفقه والدراسات الشرعية فقط كما يشاع الآن، بل كانت نابغة في دراسات الأدب والفن والشعر والفلسفة ومختلف العلوم الأخرى، وهذا إن دل على شيء سيدل على ان الإشكاليات التي نعيشها حالياً ليست إشكاليات مزمنة تتعلق بأصالة الفكرة، بل اشكاليات مؤقتة ظهرت نتيجة عوامل متعددة، إذا تم النظر إلى هذه العوامل بعين النقد والفحص يمكن تجاوز هذه الاشكاليات.

ومن قصص التاريخ التي تدلل على فاعلية المرأة في واقعها وفي مجتمعها قصة الشاعرة الاشبيلية مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري، التي عرفت بنبوغها في الشعر والأدب على مستوى عصرها في ذلك الوقت، وعلى الرغم من تميزها في مجال الشعر لم يقتصر أثرها على الانتاج الفني والابداعي بل حرصت على أن يكون لها أثر حقيقي في الواقع من خلال جهودها تجاه المجتمع.

 

النشأة والتعليم

هي مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري، شاعرة اشبيلية عاشت في القرن الخامس ميلادي، ولدت مريم في مدينة شلب غرب الأندلس وجنوب البرتغال، وتلقت تعليمها المبكر في أسرتها ثم واصلت تعليمها من خلال وسائل العلم المتاحة في ذلك الوقت، ونبغت في مجال الأدب والشعر والنحو والبلاغة، فأصبحت علماً في الشعر ومعلمة يقصدها الكثير من طلاب وطالبات العلم، وعلى الرغم من أنه لم يصل إلينا من انتاجها الشعري الا القليل لكن تلك النماذج تدلل على شاعرة مفوهة وحصيفة وواعية بقضايا واقعها وزمانها.

وعلى الرغم من أن اشبيلية في ذلك العصر انتشر فيها شعر المجون والخلاعة لكن الشاعرة مريم صاحبة الرأي الحصيف والقلم الواعي لم تنجر إلى فخ الشهرة بمجارات أهواء عصرها وأنماطه، بل عرف في شعرها الاحتشام والدعوة إليه، ويعلل باحثون السبب في ذلك أنها في الأصل من مدينة شلب وإن كانت قد قضت معظم حياتها في مدينة اشبيلية.

 

جهودها على أرض الواقع

عندما يحقق المرء نبوغاً في مجال ما يصبح مقصداً للجميع، ويمكنه من خلال تلقين الناس العلم أن يؤثر فيهم، ومن خلال ذلك التأثير يمكنه أن يخلق تغييراً إيجابياً في واقعه، وفي كثير من الأحيان يكتفي المتميزون في مجال ما بتحقيق هذا  النوع من التأثير، لكن قلة منهم من يسعون إلى حل اشكالية في واقعهم من خلال تعليمهم، ومن هذه النماذج الشاعرة والمعلمة مريم التي عرف عنها طوافها في بيوت اشبيلية لتعلم النساء العلوم التي تعرفها، النحو، والأدب، والشعر والبلاغة لتنشر في صفوفهن الفصاحة والوعي ليكن قادرات على أن يناقشن قضايا واقعهن بأسلوب جزل، ويكن قادرات على تحمل المسؤولية تجاه واقعهن وتجاه المجتمع بشكل عام.

وكما يذكر المؤرخون لم تكتفي مريم الإشبيلية بطوافها كمعلمة في بيوت النساء فقط، أي أنها لم تستهدف النساء فقط من خلال جهودها تلك، بل حرصت على أن تعطي علمها ومعرفتها لكل الناس، وبهذا عرفت في عصرها امرأة نشطة وفاعلة ليس على المستوى الأدبي والثقافي الذي نبغت فيه، بل على المستوى المجتمعي من خلال سعيها لنشرها العلم في صفوف أكبر قدر من النساء والشباب.

وبهذا يمكننا أن نستخلص درساَ تربوياً واجتماعياً من هذه الشخصية الملهمة، درس يتعلق بالجهد والمثابرة في تغير الواقع إلى الافضل من خلال نشر العلم ومشاركته الجميع، ودرس يتعلق بالجانب الطوعي الذي يعتبر ضمن الحاجات الأساسية التي تحتاجها مجتمعاتنا اليوم، فطوافها على المنازل لإلقاء دروس العلم لم يكن بمقابل مادي وإنما برغبة صادقة في التغيير وخلق تأثير إيجابي في واقعها.

 

نظرة على العصر الأندلسي

لا تزال أخبار المجتمع الأندلسي غير معروفة كثيراً بسبب ما حدث له خلال فترة محاكم التفتيش، من جهة أخرى لم تحدث حركة نشطة للترجمة وللنقل التجارب الأثيرة في المغرب العربي إلى الثقافة المنتشرة في المشرق العربي، ومع ذلك لازال التاريخ الأندلسي يتحفنا بين فترة وأخرى بنماذج فريدة في مختلف المجالات، سواء من حيث مبدأ تعايش المجتمعات والأديان التي عاشت مع بعضها خلال فترة الدولة الأندلسية، أو تلك القصص التي كان أبطالها أفراد من الرجال والنساء.

وكما ينقل لنا التاريخ حقيقة أن دولة الأندلس شهدت حراكاً ثقافياً وفكرياً رائعاً أنتج أسماء لامعة  كابن رشد وابن حزم وابن عربي وغيرهم، ومع تعدد تلك الاسماء لم يظهر اسم المرأة كثيراً، لكن هذا لا يعني أنها لم تشهد وتتفاعل مع ذلك الحرام النوعي في مختلف المجالات، وإنما نتيجة لأنه لم ينقل لنا تلك التجارب الأثيرة، ومن يبحث في كتب التاريخ سيجد قائمة من أسماء العالمات والمعلمات والشاعرات والأدبيات والسياسيات اللاتي شاركن عوائلهن في الحكم وإدارة البلاد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المرأة المسلمة كانت جزء لا يتجزأ من عملية البناء الحضاري في ذلك الوقت.

إذا ما السبب في غيابها في هذا العصر ؟!

في هذا العصر إذا بحثنا في أي مجال علمي أو أدبي أو تكنولجي أو سياسي لن نجد اسم المرأة المسلمة كعضو فاعل على مستوى دولي، ولو بحثنا عن ذلك على مستوى إقليمي أو محلي سنجد بعض الأسماء التي يقتصر تأثيرها لعى الشكل دون المضمون، هذا لا يعني أن واقع المرأة المسلمة لا يشهد البتة أي حراك إيجابي من قبل المرأة، بل على العكس هناك جهود كثيرة لكن أثرها على الواقع لا يزال ضعيفاً، إذ أن النماذج التي تظهر تبقى نماذج فردية وليس مجتمعية يمكن من خلالها إعادة بناء المجتمع القادر على البناء والارتقاء في سلم الحضارة.

والسبب في ذلك ليس تقاعس المرأة وخمولها أو عدم أهليتها كما يشاع، بل هو سبب مركب يقع على عاتق المجتمع بمؤسساته وعلى عاتق المرأة، فالمجتمع الذي لا يغرس الثقة في نفوس ابنائه رجالاً ونساءاً لا يمكن ان ينتج أفراد بنائين، والمرأة طالما بقيت أسيرة للألفاظ والصور النمطية التي تشكل دورها وحدود تفاعلها مع واقعها لا يمكن ان تخلق فكرة جديدة أو واقعاً جديداً قادر على أن يعيد للمجتمعات قاطبة توازنها، من خلال تفعيل دورها التكاملي لا الندي مع الرجل.

خاتمة

حتى نخرج من التحديات التي تشهدها المجتمعات العربية والمسلمة، وحتى نتمكن من إعادة تفعيل دور المرأة المسلمة في مختلف المجالات يتوجب أن نفهم واقعنا واشكالياته، وحتى نفهم واقعنا وتحدياته يتوجب علينا أن نستلهم من التاريخ عبره وتجاربه، وننظر في قياداته وأعلامه المؤثرة لنستلهم منها تجاربها، ونعي كيف تفاعلوا مع واقعهم وكيف تمكنوا من تجاوز التحديات الكبيرة التي كانت تواجههم.

ومن خلال استلهام تلك الدروس والعبر سنتمكن من فهم أبعاد الواقع الذي نعيشه، عندها سيزول القلق المجتمعي حيال المستقبل، لأن واقعاً مبيناً على أسس سليمة وقوية سيؤدي حتماص إلى مستقبل زاهر.

مريم بنت أبي يعقوب الانصاري درس من التاريخ يجب أن نتذكره في كل لحظة كنساء، حتى ندرك أننا قادرات على صنع الكثير لنغير واقعنا إلى الأفضل، وأن ما يشاع من أفكار حول أن المرأة عضو ثانوي في المجتمع، وأنها ضعيفة لا تستطيع أن تقوم بشيء ليست صحيحة، فأمهاتنا وجداتنا صنعن أجيالاً واعية، وساهمن بفاعلية في تغيير الواقع من خلال تحصيلهن العلمي ومن خلال قيامهن بأدوارهن على أتم وجه تجاه واقعهن وتجاه المجتمع.

 

مصادر

ملتقى أهل الحديث

مجلة دعوة الحق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *