نسيبة بنت كعب: المرأة المبادرة.

من يفتح عينيه على واقع المرأة في العصر الحالي يراها تقف في آخر الطابور سواء في جانب التعليم أو المشاركة المجتمعية، وبسبب ذلك تشكلت صورة نمطية عن دور المرأة، صورة تقيد المرأة وتصنفها كمخلوق ضعيف لا يحمل المسؤولية بل يعتاد الاتكال على من حوله، وفي حال ظهرت بعض النماذج الرائدة التي تخالف الصورة الذهنية عن تلك المرأة الاتكالية – التي صنعها المجتمع- تصبح نشازاً، ونموذجاً غير مرغوب فيه، لكن مهلاً هل حقاً ينبغي أن يكون دور المرأة في المجتمع ثانوياً؟!

 

من يفتح عينيه على واقع المرأة في العصر الحالي يراها تقف في آخر الطابور سواء في جانب التعليم أو المشاركة المجتمعية، وبسبب ذلك تشكلت صورة نمطية عن دور المرأة، صورة تقيد المرأة وتصنفها كمخلوق ضعيف لا يحمل المسؤولية بل يعتاد الاتكال على من حوله، وفي حال ظهرت بعض النماذج الرائدة التي تخالف الصورة الذهنية عن تلك المرأة الاتكالية – التي صنعها المجتمع- تصبح نشازاً، ونموذجاً غير مرغوب فيه، لكن مهلاً هل حقاً ينبغي أن يكون دور المرأة في المجتمع ثانوياً؟!

وهل تمكنت المرأة المسلمة في عصرمن العصور على تبني دور ريادي أهلها لأن تحمل مسؤوليتها بالكمل تجاه نفسها وواقعها ومجتمعها؟!

بالطبع يوجد العديد من النماذج، لكن أسفاً لا يتم دراستها بالتفصيل الذي يضعنا أمام الصورة الواضحة التي ترينا حقيقة أهمية دور المرأة، وقدرتها وإمكانيتها في المشاركة الفاعلة في مختلف المجالات، وفي السطور القادمة نستعرض نموذج فريد تميز في الجانب السياسي والقتالي والريادي.

 

من هي؟

أم عمارة هي نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الأنصارية إحدى نساء بني مازن النجار، زوجة الصحابي زيد بمن عاصم وأم عبد الله بن يد وحبيب بن زيد، وإحدى امرأتين بايعتا رسول الله صلى الله عليه وسلم (بيعة العقبة الثانية)، وفي إسلامها شهدت الكثير من المواقف والاحداث الكبيرة وشاركت فيها بفاعلية أثبتت من خلالها أن دور المرأة المسلمة في صدر الإسلام لم يكن ثانوياً بل أساسياَ ومحركاً للأحداث.

 

خطوات سباقة

من صفات الإنسان القائد المبادرة والريادة، ورغم أن هذه الصفة لا يختص بها الذكور دون الإناث إلا أن طبيعة التنشئة والنظرة التي تربى عليها الفتى تجعل من وجود هذه الخصلة في صفات الفتاة عاراً يتوجب عليها التخلص منها، فالمجتمع لا يتوقع منها أن تكون قائدة، وإنما مربية بالمفهوم السائد حالياً، مع أن دور المرأة كمربية يرتبط بشكل أساسي بقدرتها على التحلي بصفة الريادة والقيادة والحنكة لتعلم أطفالها هذه الخصال، وفي حال لم تتحلى المرأة بهذه الصفات أنتجت جيلاً هزيلاً غير قادر على المشاركة في الأحداث وغير متمكن من بناء الحضارة.

من يدرس شخصية أم عمارة نسيبة بنت كعب يكتشف أنها كانت امرأة قائدة من الطراز الرفيع، ليس ذلك وحسب بل كانت رائدة في كثير من المواقف التي شهدتها مع الرسول خلال العصر الأول من نشوء الدولة المسلمة، إذ أنها كانت إحدى امرأتين شهدتا بيعة العقبة الثانية، هذا يعني أننا نقف أمام شخصية استثنائية لم تشغلها مسؤولياتها الأسرية، ولم تلهيها طبيعتها الأنثوية عن المشاركة في حدث ضخم كهذا غير وجه البشرية ككل إلى عصرنا الحالي.

ويحكي التاريخ عن خصلتها الريادية في أكثر من موضع إذ أنها شاركت في بيعة الرضوان في صلح الحديبية أيضاَ، الصلح الذي كان فاتحة خير في التاريخ الإسلامي، وتعدد حضورها على المستويين السياسي والعسكري، صحيح أن المقاربة ليس مرتبطة بشكل دقيق وفق مفهوم المبادرات السياسية في العصر الحالي، لكن في ذلك العصر تعتبر مشاركتها في الصلح والاتفاقيات مقارباً للمبادرات السياسية والتحالفات الدولية بلغة اليوم، أما في الجانب العسكري فيحكي لنا التاريخ عن صولات وجولات لهذه المرأة القائدة.

 

جهود مضيئة

بعد دخولها الإسلام لم تتغير الشخصية الريادية لنسيبة بنت كعب، على العكس نرى في قصص التاريخ اسمها يتكرر في الكثير من الغزوات ليس في مجال الطبابة أو مساعدة وسقيا الجرحى مثل اسماء صحابيات أخريات، بل نراها تشترك في (الجهاد) في القتال المباشر، لا نقلل من دور الصحابيات الأخريات اللاتي ضربن اروع الأمثلة في دعم الجيش من خلال توفير الرعاية الصحية وتوفير الغذاء والسقيا، لكن نركز على تفرد نموذج نسيبة بنت كعب التي شاركت بشجاعة في مختلف المعارك هي وأبناءها.

ففي معركة أُحد كانت أحد القلة الذين وقفوا يدافعون عن الرسول في أحرج لحظات التاريخ الإسلامين اللحظة التي انهزم فيها الجيش وانكشف غطاء الجند الذين كانوا يحموا قيادة الجيش المسلم ورسول الله، فر كثير من الرجال بعد أن ظنوا أن الهزيمة الساحقة حلت بهم بعد انتشار خبر مقتل رسول الله في تلك المعركة، ورغم انحسار كثير من المقاتلين عن الرسول ثبت قليل قليل منهم حول رسول الله يدافعون عنه باستماتة، ورغم ذلك العدد القليل وجدت هذه المرأة الشجاعة بينهم، ودافعت عن رسول الله حتى جرحت، وفي غزوة الأحزاب يوم حنين شاركت مع الجيش في القتال أيضاً.

شخصية قيادية مثل هذه الشخصية أنجبت قادة يحملون صفة الشجاعة والريادة فكان منهم ابنها عبد الله بن زيد الذي قاتل مع والدته في مختلف المعارك واستبسل في الدفاع عن الإسلام، وكان منهم ابنها حبيب ابن زيد الذي أرسله رسول الله ليحذر مسيلمة الكذاب في اليمن، فحاول مسيلمة الكذاب أن يستميله فرفض فقطعه قطعة قطعة.

بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاركت نسيبة بنت كعب أيضاَ في حروب الردة خلال فترة أبو بكر الصديق، وتمكن ابنها عبد الله مع وحشي من القضاء على مسيلمة الكذاب، وفي غزوة اليرموك شهدت المعركة معهم وقاتلت، وشهدت تحقق وعد رسول الله بفتح أيوان كسرى، فكانت خير نموذج للمرأة القائدة والشجاعة.

 

نسية بنت كعب درس نستفيد منه:

بعد أن اسنعرضنا المواقف الفريدة التي سطرتها هذه المرأة الشجاعة يتوجب علينا أن نقف على مجموعة من الدورس والصفات التي يمكننا ان نستفيدها منها كالتالي:

  • المرأة كرائدة في المجتمع، من خلال مواقف حياة الصحابية الجليلة نسيبة بنت كعب يمكننا أن نتأكد أن مجتمع يربي نساءه على المبادرة مجتمع بناء وحضاري، بينما مجتمع يحاول أن يخفي المرأة وينشئها على حقيقة أن دورها ثانوي وأنها لا تصلح للريادة هومجتمع متخلف.
  • المرأة كمربية بالقدوة، نسيبة بنت كعب السياسية والقائدة الشجاعة كانت خير نموذج لأبنائها الذين أبلوا بلاءاً حسناً في الجهاد، وكانوا خير نموذج للمواطنين الشجعان والدليل على ذلك شجاعة ابنها حبيب ابن زيد الذي ذهب لمواجهة مسيلمة وهو يوقن قطعاً بأنه سيبطش به.
  • المرأة كجزء فاعل في المجتمع، من خلال هذا النموذج الفريد نرى أن المرأة المسلمة في العصر الأول في الإسلام كانت جزء لا يتجزأ من صناعة الأحداث الكبرى، إذ نرى أنه على الرغم من خطورة الوضع في بيعة العقبة الثانية لم تغب المرأة عن هذا الحدث المهم، لأن مشاركتها فيه ستحدد فاعلية دورها من عدمه في المجتمع.
  • المرأة الشجاعة، نموذج نسيبة بنت كعب ليس هو الوحيد، كما أنه ليس الأخير، فكونها امرأة استطاعت أن تحقق ذلك القدر من الشجاعة والمبادرة هذا يعني أن أي امرأة تستطيع أن تفعل ذلك، لكن يوجد شرطين ليتحقق ذلك، الأول هو التنشئة الصحيحة للفتاة، التنشئة التي تغرس في الفتاة ثقتها بنفسها وشعورها بالمسؤولية، والشرط الثاني هو تبني المرأة نفسها للمسؤولية وتطبيقها للخصال التي نشأت عليها.

 

خاتمة

في هذا العصر الذي أصبح فيه الظلم سيداً لكل شيء، وأصبحت المرأة فيه مخلوقاً دونياً استهلاكياً في كثير من الثقافات بسبب تأثير العولمة والنظرة الاستهلاكية نحتاج لأن نوقظ نسيبة بنت كعب في أنفسنا، نحتاج لأن نستلهم دورها وشعورها بالمسؤولية تجاه واقعها، نحتاج لأن نعيد رسم شخصيتها الشجاعة في عقول النشء، كما نحتاج لأن نعيد قراءة شخصيتها وتعدد أدوارها وريادتها في مختلف المواقف التي شاركت فيها، ومن خلال تطبيق هذا النموذج على أوسع قدر ممكن سنستطيع أن نغير هذا الواقع إلى الأفضل.

 

مصادر:

موقع الألوكة

شبكة منهاج السنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *