كريمة المرزوية : معلمة العلماء

  لا ينهض المجتمع إلا بالعلم، ولا يمكن للعلم أن يخلق مجتمعاً متوازناً وحضارياً طالما أن نصف قدرته البشرية معطلة، من ينظر اليوم إلى نسب الأمية المتفشية في المجتمع العربي يكتشف أن العدد الأكبر من نصيب النساء، وذلك بسبب تأثير…

 

لا ينهض المجتمع إلا بالعلم، ولا يمكن للعلم أن يخلق مجتمعاً متوازناً وحضارياً طالما أن نصف قدرته البشرية معطلة، من ينظر اليوم إلى نسب الأمية المتفشية في المجتمع العربي يكتشف أن العدد الأكبر من نصيب النساء، وذلك بسبب تأثير الثقافة الخاطئة التي ترى أنه ليس من المهم أن تتعلم المرأة وتواصل تعليمها طالما أن مصيرها في نهاية المطاف أن تعلق (شهادتها في المطبخ)!

وينسى المجتمع أن المرأة التي ستعلق شهادتها في المطبخ هي أم ومربية في الأساس، أي أن جهلها لن يعود عليها وحدها بالضرر، بل سيؤثر على الجيل الذي تنتجه وهذا بالطبع سيؤثر على بنية المجتمع ككل، ومن هنا لا يجب أن نقصر أهمية التعليم وفائدته على مستوى المرأة فقط، بل يجب أن نربطه بأهمية دورها تجاه واقعها وتجاه المجتمع.

بسبب تأثير العادات والتقاليد على واقع المرأة المسلمة يظن البعض أن هذه الأفكار الخاطئة هي من أساس الدين الاسلامي، لكن من يتتبع مبادئ الدين الإسلامي ومنهجه في تغير واقع المجتمع العربي والمسلم في وقت سابق يدرك أن الإسلام أكد على ضرورة تكامل الأدوار بين المرأة والرجل لبناء المجتمع، وبهذه النظرة المتزنة ازدهرت الحضارة الإسلامية، وبرزت فيها العديد من الاسماء لعلماء في مختلف الميادين، ولم تكن المرأة في معزل عن ذلك التفاعل الحضاري، بل على العكس كانت جزء أساسي من العملية الحضارية في مختلف جوانبها، ومن تلك الأسماء البارزة والمؤثرة الفقيهة والعالمة الفاضلة كريمة المروزية.

 

النشأة والتعليم

كريمة بنت أحمد بن حاتم المرزوية نشأت في بيئة علم منذ صباها، وعلى الرغم من أن كتب التاريخ لا تذكر شيئاً عن تاريخ ميلادها والتفاصيل الأساسية لطفولتها، لكنها تشير إلى أن كريمة قد حصلت على حظاً وافراً من العلم بسبب ارتحال والدها من مدينة لمدينة في طلب العلم، إذ ارتحلت مع والدها في صباها إلى بيت المقدس في طلب العلم، ثم تنقلوا في أكثر من مدينة إلى أن طاب لهم المقام في مكة والمدينة وما جاورهما، وخلال تلك الفترة حرصت كريمة كل الحرص على أن تنهل من مختلف منابع العلوم الشرعية في الفقه والحديث،  وعرف عنها تمكنها ونبوغها في جانب الحديث خصوصاً (صحيح البخاري) وذلك لكثرة روايتها عنه لمختلف الطلاب والعلماء الذين قصدوها في عصرها لطلب العلم.

 

أم الكرام وجهودها في العلم

تعرف كريمة المروزية باسم (أم الكرام) رغم أنها لم تتزوج قط، وذلك لأنها كانت أماً لكثير من طلبة العلم، عرفت كعالمة وفقهية ومربية فاضلة وتخرج على يديها في علم الحديث الذي نبغت به مئات العلماء الذين كانوا أعلاماً كراماً في عصرهم، ومن هنا عرفت بهذه التسمية.

تذكر كتب التاريخ والسير عن أم الكرام التي عرفت بنباهتها وفطنتها وذكائها وشغفها بالعلم أنها كانت تتحين مواسم الحج منذ صباها لتنهل العلم من رجاله، إذ كان موسم الحج يعتبر فرصة كبيرة لطلاب العلم كونه يعد أكبر ملتقى سنوي لمختلف العلماء المسلمين في مختلف المجالات، وتذكر تلك الكتب أن نبوغ كريمة المروزية في علم الحديث جعلها مركزاً أساسياً يقصده الطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ونتيجة لذلك بلغت مبلغاً عالياً في علوم الحديث على مستوى الرجال والنساء في عصرها.

تتلمذ على يد أم الكرام العشرات والمئات من علماء الحديث والتفسير والفقه، ومن تلك الأسماء النابغة التي نهلت العلم من حلقات أم الكرام في مكة الحافظ الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد، وإمام علوم الحديث، كما تلقى الحديث عنها أبو عبدالله محمد بن نصر الحميدي، وأبوالمحاسن المصري المؤرخ المعروف، والحافظ السمعاني المحدث والنسابة المشهور، والحافظ أبوطالب الحسين بن محمد الزينبي، وأبوالغنائم النرسي، ومحمد بن بركات السعيدي، وعلي بن الحسين الفراء، وعبدالله بن محمد بن صدقة بن الغزال، وأبوالقاسم علي بن إبراهيم النسيب، وآخرون.

توفيت عالمتنا الفاضلة في سن المئة عام كما يذكر المؤرخون في سنة أربع مئة وثلاثة وستون هجرية، وعلى الرغم من أنها لم تترك كتباً تنسب لاسمها إلا أن اسمها يذكر في مختلف كتب الحديث لأنها أعتبرت أحد الرواة الأساسية لصحيح البخاري، ناهيك عن تأثيرها الكبير على مختلف علماء عصرها، وعلى الرغم من أنها عرفت كمعلمة نابغة لمختلف العلماء الا أنها كانت ترفض أن ينسب لها جهد تلاميذها وإنما كانت تفضل ان يشار إلى اسمها فقط حتى تحفظ لتلاميذها حقوقهم الفكرية في ذلك الزمن.

 

دروس مستفادة

عندما نقف أمام هذه القامة الإسلامية العالية يتوجب علينا أن نقتبس دروساً من منهجها في الحياة، كما يتوجب علينا أن نعيد تشكيل افكارنا النمطية حول دور المرأة في المجتمع، فمن خلال هذه التجربة نعيد اكتشاف ضرورة الاعتماد على الدور التكاملي بين المرأة والرجل، وضرورة ان تشارك المرأة في مختلف المجالات ليس كمتعلمة فقط وإنما كمعلمة، لأن المرأة المربية لا يجب أن يقتصر دورها على مستوى حياتها الشخصي، بل يجب أن تتفاعل بشكل إيجابي مع واقعها على مستوى أسرتها وعلى مستوى المجتمع ككل.

نستخلص درساً آخر من هذه القصة وهو أهمية طلب العلم، إذ أن حركة التعليم ونشاطها تضمن وجود مجتمع واعي وفاعل ومسؤول، قادر على أن يخلق تأثير إيجابي ليس على مستوى المجتمع بل على مستوى المجتمعات الأخرى ليشكل حضارة كما حصل في التجربة الحضارية للإسلام.

كما نستفيد درس أن المرأة قادرة على تقديم الكثير للمجتمع إذا وجدت الدعم اللازم من أسرتها ومن المجتمع، لكن النظرة القاصرة التي تعيق وتحد من قدرات المرأة وتغرس فيها فكرة أنها مخلوق ضعيف، وأن دورها ليس أساسي بل ثانوي بالطبع ستخلق امرأة ضعيفة متكلة غير قادرة على أن تقوم بأي تأثير إيجابي وفاعل تجاه المجتمع.

خاتمة

لم يكن دور المرأة المسلمة في بناء الحضارة ثانوياً قط، بل كان أساسياً ومحركاً وفاعلاً في مختلف المجالات، فانطلقت كطالبة ومعلمة وعالمة متميزة في مختلف مجالات العلوم، ومن يقرأ التاريخ الإسلامي بشكل فاحص سيقرأ العديد من اسماء العالمات اللاتي لم نعد نذكر عنهن شيئاَ لأننا ركنا إلى فكرة أن المرأة لا تستطيع أن تقدم شيئاً في بناء الحضارة، وحتى نعيد تفعيل دور المرأة المسلمة في المجتمع ينبغي أن نسقط هذه النظرة ونعيد قراءة التاريخ لنكتشف الدور الحقيقي الذي قامت به المرأة المسلمة، إن تمكنا من اسقاط تلك الفكرة ستتمكن المرأة من الحصول على دعم الأسرة والمجتمع ستتمكن من استعادة ثقتها بنفسها وستتمكن من اعادة تفعيل دورها في بناء الحضارة وتفعيل المجتمع.

 

مصادر:

موقع الاتحاد

المكتبة الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *