نفق النجاة: حكاية تستحق أن تروى

التاريخ البشري يحفل بكثير من التجارب الإنسانية، والخبرات التي تنتجها الحضارة والثقافة بتفاعلاتها مع البشر عبر مختلف العصور، لكن تبقى تجربة الحرب هي التجربة الأكثر إيلاماً للذاكرة الإنسانية لما تخلفه من ويلات ومآسي قد تمتد آثارها على مدار قرون وليس عقود وحسب، لكن من رحم المعاناة يولد الأمل

 

التاريخ البشري يحفل بكثير من التجارب الإنسانية، والخبرات التي تنتجها الحضارة والثقافة بتفاعلاتها مع البشر عبر مختلف العصور، لكن تبقى تجربة الحرب هي التجربة الأكثر إيلاماً للذاكرة الإنسانية لما تخلفه من ويلات ومآسي قد تمتد آثارها على مدار قرون وليس عقود وحسب، لكن من رحم المعاناة يولد الأمل، ففي تلك التجارب المؤلمة التي تحملها الحروب وتنقشها في الذاكرة الإنسانية يوجد تجارب أخرى تحمل الأمل في طياتها، وتنقش صفحاتها البيضاء في الذاكرة الإنسانية ، من تلك التجارب ما يتعلق بصمود الشعوب في أزمنة الحروب، ومنها ما يتلعق بتكاتفه وتعاونه وعودته إلى القيم الإنسانية الراقية التي تفرض عليه أن يتآلف مع بيئته ليبحث عن خلاصه، كما أن من رحم تلك المعاناة يتعلم الإنسان كيف يتغلب على معظلة الحرب، وكيف يبني مجده من أتونها، في السطور القادمة نستعرض أحد تلك التجارب الإنسانية التي تستحق أن تروى، لأنها لا تمثل قصة صمود شعب وحسب، بل تمثل انتصاراً لقيم الإنسانية والرحمة.

 

نفق النجاة

في عام 1992م انطلقت أولى شرارات الحرب البوسنية التي حدثت بين البوسنة والهرسك ذات الأغلبية العرقية من البوشناق المسلمين من جهة، وبين يوغسلافيا وكرواتيا ذات العرقية الصربية والكرواتية، استمرت تلك الحرب حتى 1995 واح ضحيتها أكثر من 38200 مدني أكثرهم من المسلمين البوسنيين، إضافة إلى مقتل حوالي 57700 جندي، واعتبرت تلك الحرب أول حرب إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، السبب الرئيسي في الحرب كان الخلاف الذي نشب بين سكان البوسنة والهرسك أنفسهم، ففي حين صوتت الأغلبية المسلمة التي تعيش في البوسنة والهرسك على الانفصال عن الاتحاد اليوغسلافي وأيدتها الطائفة الكرواتية امتنع الصرب عن التصويت، وبدلاً من ذلك نفذوا حرباً شعواء ضد الحكومة البوسنية، التي لم تتمكن من صد تلك الهجمات المتتالية من داخل أراضيها لان جيشها لم يكن مجهز بشكل ملائم يمكنه من الدفاع عن الدولة.

في ظروف الحرب ارتكبت انتهاكات جسيمة أبرزها مجزرة سربرنيتشا التي راح ضحيتها آلاف المسلمين البوسنيين بسبب استهدافهم بشكل عرقي طائفي، كما أنه في ظروف تلك الحرب عزلت العاصمة سرايفو من مختلف الجهات، وأصبحت الدولة فيها محاصرة من مختلف الجهات، ولم يتمكن قاطنيها من الخروج منها، كما لم يتمكن البوسنيين الذين في المدن الأخرى من مساعدة العالقين فيها وإمداداهم بمختلف المؤمن والأدوية، وعلى الرغم من مطالبة الدولة البوسنية قوات التحالف الدولي (الناتو) التدخل من اجل وقف تلك المجازر، إلا أن تلك القوات لم تتدخل بل اختزلت دورها بالمفاوضات التي لم تكن تغير أي شيء على ارض الواقع، ووجد البوسنييون أنفسهم يفقدون المؤن والذخيرة، وعندما أصبحت النهاية وشيكة ابتكر أحد المقاتلين البوسنيين فكرة تمكنهم من تمديد مدة التحمل والصمود إلا أن يتم التوصل إلا اتفاق محدد، أو حتى يتم مساعدة العالقين في سرايفوا على الحياة في تلك الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب.

وبالفعل عمد الجنرال راشد صاحب فكرة النفق إلا استشارة بقية القيادات من اجل تنفيذ الفكرة، وبالفعل تم التواصل مع احد أفضل المهندسين المعماريين البوسنيين وهو برانكوفيتش نجاد الذي عمد إلى دراسة كل الظروف التي ستمكنهم من بناء النفق، وبما أن المدينة كانت محاصرة من كل الجهات كان من الصعب تنفيذ تلك الفكرة بسهولة، لكنهم في نهاية الامر اهتدوا إلى فكرة تمكنهم من بناء ذلك النفق بسرية تامة وبشكل عملي يساعدهم على ايصال المساعدات في الوقت المناسب، وفي 22 ديسمبر 1992م تم الابتداء بحفر النفق من احد البيوت، بعد أن تم دراسة مختلف الممرات التي سيمر بها النفق دون ان تتصادم مع الأماكن التي تتواجد فيها القوات المعادية، واستمر حفر النفق حتى شهر يوليو من العالم 1993م.

لم يكن هذا النفق نفقاً عادياً، بل كان الشريان الأخير الذي يمد العاصمة سرايفو بالحياة، فمن خلاله تم ايصال الأدوية والأغذية للسكان العالقين في الحصار، ومن خلاله تم نقل المرضى والمصابين إلى المدن الأخرى لتلقي العلاج، ومر عبر هذا النفق أكثر من 16 ألف جريح، ولم يسلم النفق من محاولة اقتحامه وتهديمه، بل تعرض الكثير من البوسنيين أثناء ذهابهم إليه إلى غارات جوية أودت بحياة الكثير منهم، وبعد سنوات الحرب وتوصل أطراف النزاع إلى اتفاقية دايتون المعمول بها حالياً في البوسنة والهرسك، واليوم تحول هذا النفق إلى مزار تاريخي يتذكر البوسنيون من خلاله قصص معاناتهم وفقدهم لأحبتهم، وقصص صمودهم وانتصار قضيتهم.

الجدة شيدا

كان للمرأة دوراً جلياً في قصة الصمود الأسطوري الذي حدث خلال حرب البوسنة، لكن دور المرأة لم يقتصر على الصمود، بل ساهمت بشكل عملي في استجلاب اسباب النصر والخلاص من العدوان الذي نفذه الصرب حينها، إذ أنه كان لها بصمة جلية في نفق النجاة، فالبوسنية شيدا كانت احد النساء اللاتي شهدن ويلات الحرب التي حصدت مئات الاوراح، وكانت أحد أولئك الذين يحاولن أن يساعدوا الآخرين بأي ثمن، لذا عندما عرض عليها المساهمة في بناء نفق النجاة بالتبرع ببيتها إذ أنه كان أنسب نقطة يمكن للنفق أن يبتديء منه البناء لم تعترض أبداً، بل اشترتطت وجودها حتى تقوم بخدمة العاملين في ذلك النفق، وبالفعل عملت شيدا على خدمة العمال الذين حفروا النفق، وكانت أحد الجنودج المجهوليين الذين ساهموا في فك حصار سراييفو والتقليل من معاناة المحاصرين والجرحى خلال تلك الحرب الغاشمة.

بعد مرور سنوات انتقلت شيدا التي اصبحت تعرف بالجدة شيدا إلى مكان إقامة آخر وبقي منزلها كمتحف يرتادة آلاف الناس سنوياً من مختلف دول العالم، بقي منزلها كعلامة فاصلة في الذاكرة الإنسانية، ليخبرنا أنه من رحم ويلات الحرب تولد بطولات استثنائية، ليس بالضرورة ان يكون أبطالها من حملة السلاح، بل قد يكونوا ممن لا يتقنون سوى حمل الحب والرحمة.

دروس مستفادة

يمكننا ان نستخلص مئات الدروس من هذه التجربة الإنسانية، لكننا هنا نركز على الجدة شيدا التي أثبتت بأن المرأة جزء لا يتجزأ من بنية المجتمع في السلم والحرب، فشعورها بالمسؤولية هو الذي دفعها لأن تضحي ببيتها، لأنه من الصعب في تلك الظروف أن يتنازل المرء عن مآواه من أجل الآخرين، أو أن يعرض نفسه للخطر، لكن يدا تحمل قلب إنسان لم تفكر بنفسها وحسب، بل فكرت بمعاناة الآخرين بدرجة أساسية، وهذا ما دفعها لان تقدم بيتها طواعية.

أضف إلى ذلك حس المبادرة العالية التي تتمتع به هذه المرأة، والتي ينبغي أن تكون نموذج وقدوة لكل امرأة تطمح ان تحقق لها رسالة في الحياة، فشيدا لم تكتف بتقديم بيتها طواعية بل أصرت واشترطت أن تكون جزءاً لا يتجزأ من تلك المهمة بالجهد الذي تستطيعه، وذلك من خلال قيامها بخدمة العاملين على النفق، وهنا نستفيد درساَ مهماً بأن بإمكان كل شخص أن يكون ذا نفع حقيقي للقضية التي يؤمنون بها، والنفع الحقيقي هنا لا يرتبط بنوع محدد من المهام فكل ميسر لما خلق له، بل يرتبط بشكل أساسي بحس المسؤولية وروح المبادرة.

 

خاتمة

اذا فتشنا في كتب التاريخ، وبحثنا في مختلف التجارب الإنسانية بحلوها ومرها سنجد المرأة هناك، تحمل رسالة الحياة، وتسعى بكل طاقتها لان تساهم بشكل أو بآخر لإنقاذ تلك الحياة، حتى إذا وقعت الحرب، سنجد المرأة هناك تحاول أن تطفيء لهيب الحرب بكل قدراتها، قد لا تستطيع المرأة أن تحمل السلاح، كما أنها قد لا تستطيع أن تحفر وتبني نفق أو تحرك آلة حربية، لكنها تستطيع أن تقوم بكل ذلك بإيمانها بدورها وحس مسؤوليتها تجاه مجتمعها وواقعها، وهذا هو أكبر سلاح يمكن المرأة من أن تضح بصمتها في أي الظروف وفي كل الأحوال.

المصادر:

الجزيرة

لؤلؤة البلقان

ويكبيديا