النجمة المضيئة: جمالة البيضاني

جمالة امرأة يمنية تحمل بداخلها إيماناً بأن قوة إرادتها قد تعبر بها إلى المستحيل وبأن السر وراء النجاح هو الحب “فإذا أحببت من حولك سيعود اليك الحب حبا”. جمالة لم تعش قصة كفاح واحدة بل خاضت مئات التجارب وكافحت مع كل معاقة اتجهت إليها، وأخذت بيدها وحولتها إلى طاقة مليئة بالأمل والطموح المستحيل كلمة تشكل واقع الكثير من الناس، تصنع حدودها في عقولهم، وتقيد حركتهم، وتوقف قدرتهم على بناء الحلم

 

جمالة امرأة يمنية تحمل بداخلها إيماناً بأن قوة إرادتها قد تعبر بها إلى المستحيل وبأن السر وراء النجاح هو الحب “فإذا أحببت من حولك سيعود اليك الحب حبا”. جمالة لم تعش قصة كفاح واحدة بل خاضت مئات التجارب وكافحت مع كل معاقة اتجهت إليها، وأخذت بيدها وحولتها إلى طاقة مليئة بالأمل والطموح المستحيل كلمة تشكل واقع الكثير من الناس، تصنع حدودها في عقولهم، وتقيد حركتهم، وتوقف قدرتهم على بناء الحلم.. المستحيل الذي ينبت من تربة تحديات الواقع، أو من نظرة المجتمع، أو من أعاقة أو قصور في الفهم، يمنع بذور الأمل من النمو في قلوب كثير من الناس، يحطمهم، ويمنعهم من الهروب من سجنهم، ويحرمهم من العيش كالآخرين، ليصبحوا بمرور الوقت (معاقين)، أو (متخلفين)، أو (مهمشين)..

لكن.. النجمة المضيئة جمالة البيضاني كتبت حكايتها بشكل مختلف، تصالحت مع المستحيل، واقتحمت أبوابه، لتصنع خطواتها البيضاء، وتنير درب آلاف اليمنيات اللاتي سُجنّ في واقع المستحيل.

 

وبدأت الحكاية

ولدت الناشطة جمالة صالح البيضاني في أقصى المناطق الشرقية لليمن، وتحديداً في قرية العيوف بمدينة البيضاء، في العام 1974م، وعندما كانت في العاشرة من العمر أصيبت بالحمى الشوكية، والتي تسببت لها بإعاقة دائمة منعت أطرافها السفلى من الحركة، ومن تلك اللحظة بدأت قصة التحدي في حياتها، فعلى الرغم من وضعها الصحي، إضافة إلى وضع المجتمع الريفي الذي يحرم الفتيات من التعليم، وكذلك نظرة المجتمع إلى الفتاة المعاقة تمكنت جمالة من تحديد طريقها، إذ قررت أن تخوض غمار تحديها وتواصل تعليمها للمرحلة الأساسية، ثم انتقلت إلى العاصمة صنعاء لإكمال المرحلة الثانوية، ثم تعليمها الجامعي، وخلال فترة تعليمها عرفت جمالة بتميزها الدراسي، إذ أنها عادة ما كانت تحصد المركز الأول في مختلف المراحل الدراسية.

بعد انتهائها من تعليمها الجامعي، دخلت جمالة البيضاني في مرحلة جديدة مكتظة بالتحديات، إذ ابتدأت مرحلة البحث عن العمل لتشارك في البناء المجتمعي، وتمكنت من العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، إذ عملت  كمسؤول للعلاقات العامة في جمعية رعاية وتأهيل المعاقين حركياً في 1988م، وشاركت بشكل فاعل في جانب توعية المجتمع بخصوص (ذوي الاحتياجات الخاصة) من خلال مشاركتها في مختلف المسرحيات التي كانت تعرضها الجمعية، إذ كانت ضمن كادر أول مسرحية للمعاقين في اليمن في 1991م والتي حملت عنوان (الذين لا يعرفون المستحيل)، كما شاركت في مسرحيات اخرى منها (شمس الإرادة) وهي بذلك تحاول أن توصل رسالتها إلى مختلف شرائح المجتمع عن طريق وسيلة المسرح لسهولة استخدامها، وسرعة انتشارها خلال تلك الفترة.

 

سيرة حافلة بالانجاز

من خلال عملها في جمعية رعاية وتأهيل المعاقين حركياً ،اكتسبت جمالة البيضاني خبرة كافية في مجال إدارة الأعمال والانشطة الخدمية والتوعوية التي تخدم ذوي الاحتياجات الخاصة، وبدأت فكرة تأسيس جمعية خاصة للمعاقات نظراً لأن التحدي الذي يواجه الفتاة المعاقة أكبر بكثير من التحدي الذي يواجه الشاب المعاق، وفي 1998م أسست جمالة البيضاني جمعية التحدي لرعاية المعاقات بالتعاون مع 20 امرأة أخرى من ذوات الاحتياجات الخاصة، وعلى الرغم من أن فكرة الجمعية واجهت مجموعة من الانتقادات والسخرية إلا أن إيمان القائمين عليها ساهم في نموها وتطورها، ومن أبرز التحديات التي واجهت الجمعية في بداية الأمر الدعم المالي، والتحدي المرتبط بعقلية المجتمع وتفكيره، الذي ينظر إلى الفتاة المعاقة كـ(عار) ينبغي ستره، فكثير من الأسر لم تسمح لفتياتها المعاقات من الخروج من جدران المنزل الأربعة خجلا من كلام الناس، أو خوفاً على الفتاة المعاقة، ومن أعظم التحديات يأس المعاقة نفسها، والتي تقبلت ورضخت لواقعها الذي فرض عليها ونظرة المجتمع التي سجنتها في حدود إعاقتها.

ومن خلال جهود جمعية التحدي تمكنت من كسر سلسلة التحديات تلك، وتمكنت من استيعاب أكثر من 2000 معاقة من مختلف الاعمار والمناطق اليمنية، وعملت الجمعية على تمكين الفتيات المعاقات من الاعتماد على أنفسهن، من خلال تدريبهن على مختلف المهارات والحرف اليدوية، كما عملت الجمعية على تنمية المرأة المعاقة في مختلف المجالات الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وتمكنت من تخريج 3000 معاقة يساهمن في بناء المجتمع، كما أنها ومن أول لحظة أخذت على عاتقها قضية تمكين شريحة المعاقات في مجال العمل، من خلال التنسيق مع الجهات الحكومية تم استيعاب 5% من المعاقين المؤهلين بشكل مناسب في الوظائف الحكومية.

وأمام نجاحات وانجازات الجمعية، واستيعابها لمختلف الأعمار من ذوي الاحتياجات الخاصة، كونها تستقبل الفتيات من عمر السادسة رغم صعوبة التعامل مع الأطفال في هذا السن، أسندت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في 2003م لجمعية التحدي مهمة إدارة مركز ذوي الاحتياجات الخاصة لرعاية الأطفال الصم والبكم وذوي الاعاقة الذهنية.

تضم الجمعية حاليا أكثر من عشرة أقسام، أهمها مدرسة التحدي وأقسام الاعاقة الذهنية، والبصرية، والتدخل المبكر، بالإضافة إلى السكن الداخلي للمعاقات، كما تكفل الجمعية أكثر من 3 آلاف طفلة معاقة في اليمن، ترعاهن صحيا وتعليميا، كما ترعي الجمعية أكثر من 500 أسرة من أسر الفتيات المعاقات اللاتي يعانين من العوز والفقر.

 

مشاركات وتكريمات

خلال مسيرة حياتها الحافلة شاركت جمالة البيضاني في  العديد من الأنشطة الاجتماعية المختلفة، ونالت عضوية العديد من المنظمات العربية والدولية في مجال الإعاقة مثل(المنظمة العربية للمعاقين، واللجنة الوطنية للمرأة، واتحاد النساء)، كما كانت رئيسة لجنة العلاقات العامة للإنشاء في الاتحاد الوطني للمعاقين اليمنيين، وعملت مدربة في مجال اتفاقية حقوق الأطفال على مستوى المحافظات، كما عملت مستشارة للصندوق الاجتماعي للتنمية، ومنسقة لبرنامج التأهيل المجتمعي لحقوق الأطفال ذوي الإعاقة، ورئيسة تحرير “مجلة عَلِمُوني” للأطفال.

وأمام الانجازات الإنسانية التي قدمتها جمالة البيضاني تم تكريمها في 2007م من قبل مجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية، في دول مجلس التعاون لدول الخليج، كواحدة من أهم الرموز العربية المساهمة في تقديم الخدمات الإنسانية والاجتماعية الجليلة في مجال الإعاقة بشكل خاص، وكذلك لتبنّيها العديد من القضايا في المجالات الاجتماعية الأخرى.

مدينة التحدي

من المشاكل التي كانت تواجه مؤسسة جمعية التحدي هو عدم قدرة الجمعية على توفير خدمات ملائمة للعدد كبير ممن يحتاجون خدمات الجمعية، ومن هنا جاءتها فكرة مدينة التحدي، والتي هدفت من البداية إلى حل تلك الإشكالية بحيث يتم توفير الخدمات التي تقدمها جمعية التحدي لعدد أكبر من المعاقين في اليمن، اعتبرت مدينة التحدي من خلال تصاميمها الهندسية الأولى أول مركز متخصص ونوعي على مستوى الشرق الأوسط، حصلت جمالة البيضاني على موقع تنفيذ المشروع بعد أن تبرعت وزارة الشؤون الاجتماعية بقطعة أرض مساحتها 4 آلاف كيلو متر مربع، ومنذ 2008م بدأت جمالة جهودها لجمع تبرعات من أجل تنفيذ المشروع، وبالفعل تم بناء بعض أجزائه، لكن نظراُ لعدم توفر الدعم اللازم لم يتم إكمال المشروع.

النجمة التي لم تنطفيء

قالت جمالة ذات يوم أنها تصحو كل صباح وتسأل نفسها: ترى ما الذي يمكن أن أصنعه اليوم كي ازرع أملا جديدا داخل إنسان فقد الرغبة في الحياة؟ وكيف أرسم على وجهه ابتسامة تغير ملامح حياته؟ !

عاشت جمالة لحمل هذه الرسالة، وعندما رحلت بقي اسمها يحمل هذه الرسالة، في 15 ديسمبر 2012م رحلت النجمة المضيئة كما يسميها كثير من اليمنيين بعد أن أضاءت حياة آلاف المعاقات، وأنارت دروبهن، رحلت وقد زرعت بصمتها المشرقة في مختلف المجالات، فجمعية التحدي التي لا زالت تواصل نشاطاتها وخدماتها تجاه ذوات الاحتياجات الخاصة في اليمن أكبر دليل على أن جمالة البيضاني لا زالت تعيش بيننا، لا زالت تحلم وتفكر في إكمال مشروعها (مدينة التحدي) التي لا زالت تنتظر فاعلي الخير ليكملوا ما بدأته.

 

 

المصادر:

مارب برس

المصدر

بوابة الشرق

موقع جمالة البيضاني

موقع جمعية التحدي