فريشتا لودين : الصوت الباحث عن العدالة

في كتباها (أسرار تكتبها فريشتا لودين) تتحدث عن تجربتها بالتفصيل، وتحاول أن تجد حلاً لتلك المشكلة التي طالت كل المسلمات المحجبات في ألمانيا

يعتبر الحجاب ضمن القضايا التي تثير الجدل في الدول الغربية، إذ أنه يمثل عائق للمرأة من وجهة نظر كثير من المنظرين في الدول الغربية، كما أنه يرتبط بثقافة تقليدية تهدد هوية المجتمعات الغربية، من ناحية أخرى، فقد أصبح الحجاب أحد أهم تلك الرموز التي تخلق الرعب في أوساط المجتمع.

المعلمة فريشتا لودين الألمانية – ذات الأصول الأفغانية-وجدت نفسها أمام تحدي حقيقي من أجل هويتها المرتبطة بالحجاب وبين القانون الذي يمنعها من ممارسة حقوقها كونها ترتدي الحجاب، تواجه الواقع الذي يحصر الحجاب في قطعة قماش لا قيمة لها سوى مخالفة القانون ومناقضة المجتمع، في كتباها (أسرار تكتبها فريشتا لودين) تتحدث عن تجربتها بالتفصيل، وتحاول أن تجد حلاً لتلك المشكلة التي طالت كل المسلمات المحجبات في ألمانيا،

 

بداية الحكاية

فريشتا لودين ابنة الدبلوماسي الأفغاني التي تنقلت بين أفغانستان والسعودية واستقرت في ألمانيا بدأت علاقتها مع الحجاب مبكراً كما تحكي في كتابها، فهي منذ طفولتها شغفت به كجزء من هويتها وثقافتها، وقررت أن ترتديه منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها.

في 1998م واجهت فريشتا لودين أول صدمة حقوقية عندما منعت من حقها في التدريس في المدرسة الحكومية التابعة لولاية بادن فورتنبرغ الألمانية فقط لأنها ترتدي الحجاب، حاولت فريشتا أن تطالب بحقها باللجوء إلى القضاء، إلا أنه في 2003م وصلت قضيتها إلى المحكمة الدستورية الألمانية العليا والتي بتت في أن حظر المعلمات المحجبات من التعليم يحتاج إلى أن ينظم بقانون، وبعد ذلك القرار صدرت قرارات أخرى تم على أثرها منع الحجاب بشكل كامل في كثير من المدارس الحكومية في مختلف الولايات الألمانية، وانتشر الخوف بشكل كبير في أوساط النساء المسلمات المحجبات، وتعلق فريشتا على ذلك: لم يتَّضح حجم تأثيرات تشريعٍ كهذا على كلِّ الناس إلا بعد سنِّ قانون حظر الحجاب. وكان على النساء التي طالهن القانون أنْ يُعايِشنَ تعاملاً من قِبَلِ القضاء في بعض الولايات الألمانية يتَّصِف بعدم المساواة الشديد في حينه. لكنَّ تجارب السنوات الأخيرة أوضحت لكثيرٍ من الناس أنَّ الحكم المشوب بالتعميم بشأن الحجاب يُشكِّل مصيبةً في حياة النساء، إنَّ رفض هذا الحكم المعمِّم وضح حدّا نهائيًا لعدم المساواة في التعامل.

 

البحث عن العدالة

رغم مرور ثماني سنوات على فصلها من المدرسة الحكومية انتقلت فريشتا للتدريس في مدرسة إسلامية خاصة تتيح لها ارتداء الحجاب، لكنها لم تتوقف عن المطالبة بحقها، وبسبب طول مدة انتظارها وحتى لا يخبو أملها قررت أن تؤثر بشكل إيجابي على المجتمع ، وتدفعه لأن يفكر بشكل حيادي ومنطقي في قضية الحجاب، ونشرت في كتباها أنها لم تعد تبحث عن إن كان الحجاب فريضة في الإسلام أم أنه يرتبط بالحرية الشخصية، بل حاولت أن تناقش قضايا أهم من وجهة نظرها، وحاولت أن تثير تساؤلات حول لماذا ينظر إلى الحجاب بتلك الطريقة التي ترتبط بالعنف، أو هضم حقوق المرأة، وتؤكد على أن الإسلام لا يمت لكل تلك التهم بصلة ،وتعليقاً على ما يقوله الفيلسوف اليساري المعروف سلافوي جيجك في عمله الأخير “أفكار مُجدِّفة. الإسلام والحداثة” أنَّ الحاجة لتحجيب النساء يعبِّر عن نظرةٍ جنسيَّةٍ متطرفةٍ إلى المرأة وعن نظرةٍ تتجاهلها، ترى فريشتا: أعتقد أنَّه لا يجب “تحجيب النساء”، إنما ينبغي أنْ يقررن بأنفسهن اعتمار الحجاب أو الامتناع عن ذلك، دون أن يوضعن في خانةٍ ما، سنجدُ دائمًا من يقبلن أو يرفضن ذلك تمامًا، وبوصفنا أناسًا أحرارًا علينا أنْ نطمح لأنْ نترك هذا الخيار للنساء ليقررن بأنفسهن، وعلى المجتمع الذي يفكر بشكلٍ حرٍ أنْ يتحمل هذه الممارسات المتناقضة بطريقةٍ ملؤها الاحترام، دون الشعور بانتقاص مفاهيمه وثقته بذاته ودون الشعور بأنَّه مُستفَزٌ.

 

وترى بأن قضية الحجاب والنظره النمطية له مشكلة حقيقة تواجه كثير من المجتمعات الأوروبية، وتنتقد حملة التشويه التي طالتها منذ أن رفعت دعواها القضائية في 2003م ، إذ أن تلك الحملة ركزت على تشددها ورغبتها في شق صف المجتمع بمطالبتها بحقها في الحجاب، ولم تلتفت تلك الأصوات إلى الجانب الآخر من القضية حيث تقيد حريتها وكفاءتها المهنية في أداء عملها بسبب صورة نمطية لقطعة القماش التي تضعها على رأسها.

تساءل كثير من الناس عن سر تمسكها بحجابها رغم أن 75% من مسلمات ألمانيا غير محجبات، توقعت كثير من الأراء أن فريشتا ستوضح ذلك في كتابها لكنها لا تتعمق في تفسير رغبتها الشخصية في ارتداء الحجاب، ولا تقدم إجابة واضحة، بل تحاول أن تحقق هدفها من ذلك الكتاب في أن تثير نقاش جاد حول سبب التخوف من الحجاب، وتتمنى أن تتمكن كل النساء المحجبات من ممارسة حياتهن دون خوف، إضافة إلى أنها تريد أن تسقط تلك النظرة الخاطئة والنمطية عن الحجاب، تريد أن تغيير تلك النظرة وتحديات الواقع الذي يواجه المرأة المسلمة في ألمانيا عن طريق تغير طريقة التفكير والنقاش الجاد والبناء ، كما أنها طمحت من خلال كتابها أن تحقق مبدأ العدالة والساواة في التعامل مع كل الديانات والطوائف التي تعيش معاً في ألمانيا، إذ أنه عند صدور قانون حضر المعلمة المحجبة من التعليم في المدارس الحكومية لم يتم حضر المعلمات اللاتي يرتدين أي رمز أو شعار ينتمي للديانة اليهودية والمسيحية بذريعة أنها جزء من هوية المجتمع الألماني، و أمام ذلك القرار الدكتاتور أكد أرنست مارينهولتس النائب السابق لرئيس المحكمة الدستورية العليا حينها أن قرار المحكمة يجسد أوضح صورة من صور التمييز الديني ضد الإسلام وحده، وتوقع في تصريحات للإذاعة الألمانية أن يؤدي الحكم إلى ازدياد تقوقع أكثر من 3.5 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا وانعزالهم عن المجتمع الألماني.

 

بعد أن زاد عدد المحجبات المفصولات من المدارس زاد عدد القضايا المرفوعة في محاكم الولايات الألمانية مما دفع المحكمة الدستورية الألمانية العليا لإعادة النظر في ذلك القرار، وتم إيقاف ذلك القرار باعتباره لا يتفق مع مبدأ الحرية الشخصية الذي يكفله الدستور الألماني، وتزامن صدور ذلك القرار مع صدور كتاب فريشتا لودين التي تحدثت فيه عن تجربتها في البحث عن العدالة .

انتصار العدالة

بعد خمسة عشر عاماً نمكنت لودين من أخذ حقها وحق كثير من المسلمات المحجبات في ألمانيا، إذ أنها تعتبر أول امرأة رفعت قضية أمام المحكمة الدستورية للتطالب بحقها في ممارسة حريتها في العليم مع الحفاظ على هويتها وثقافتها، ولذا استحقت بجدارة ذلك اللقب الذي يطلق عليها الآن (المرأة ذات الحجاب)، بعد صدور ذلك القرار عبرت لودين عن سعادتها وبانها ترى أن ذلك القرار يدل على أن المجتمع تقدم خطوة نحو الأمام، وتؤكد بأن ذلك القرار سيؤثر بشكل إيجابي على العلاقات الاجتماعية والترابط في المجتمع الألماني بتعددة الديني والثقافي.

تكثر قصص التحديات والنجاح حولنا، لكن أعظمها أثراً هي تلك القصص  التي ترتبط بتحدي شخصي لا يقتصر أثره على جانب شخصي بل يخلق أثراً يؤسس لقاعدة اجتماعية تحول دون أن تتكرر تلك المشكلة لأناس آخرين، فريشتا لم تبحث عن حقها فقط، بل بحثت عن العدالة من أجل المجتمع ككل، صحيح أنها انتظرت خمسة عشر عاماً حتى تبصر تلك العدالة طريقها إلى أرض الواقع، لكنها في النهاية انتصرت ليس بأن أخذت حقها الشخصي، بل بأنها حققت العدالة في مجتمعها.

 

 

المصادر:

موقع قنطرة

الجزيرة نت

موقع الوطن