ميسون المليحان: التعليم حياة

يكمن الإلهام في قصة ميسون بأنها فتاة لم تستسلم لواقعها المر، بل تمكنت من رؤية النور، ولم تكتفي بذلك بل عملت –بحس مسؤوليتها- على نشر ذلك النور للجميع، فما فائدة أن تبصر هي بينما يغرق مجتمعها في ظلام دامس، ميسون نموذج للفتاة التي تطمح أن تُكّون مجتمعاً بإرادتها وبصيرتها، وما أحوجنا لتلك لنماذج في مجتمعاتنا.

لم يثنها صغر سنها، أو ضيق الحال الذي تعيشه وأهلها منذ غادروا درعا في 2013 واستقروا في مخيم الزعتري في الأردن، لم تثنها كل تلك التفاصيل المزعجة في حياتها من أن تنظر إلى المستقبل بعين متفائلة ارتبطت بحب العلم، ولم تكتفي ميسون بأن تتأمل مستقبلها وتجدّ في تحصيلها العلمي بشكل فردي، بل نظرت إلى واقعها جيداً، ولم تكن وحدها هناك في المخيم، كما أنها لن تكون وحدها أيضاً في سوريا المستقبل، لذا حرصت من البداية أن تقوم ولو بدور بسيط يساعدها على أن تصل إلى ذلك المستقبل ليس وحدها، بل مع صديقاتها اللائي حرصت أن تأخذهن معها إلى طريق العلم وطريق الأمل.

خلال بقائها في المخيم لاحظت ميسون – أو كما يطلق عليها (ملالا سوريا) تيمناً بالأفغانية ملالا يوسف- أن الفتيات السوريات يتسربن من صفوف الدراسة بنسب عالية، بسبب انشغالهن بالزواج، أو بسبب تسربهن لعدم رغبتهن في التعليم، أو بسبب ظروف العمل التي يفرضها واقع اللجوء، وبحسب  اليونسيف ارتفعت حالات الزواج المبكر بشكل حاد بين اللاجئين السوريين في الأردن على مدى السنوات الثلاث الماضية، من 18% عام 2012 إلى قرابة الثلث من إجمالي زيجات اللاجئين في 2014 ، وتعتقد ميسون كما صرحت في أكثر من مقابلة أن السبب في تفضيل الأهل تزويج فتياتهم أنه أفضل لهن على المدى القريب، بالنسبة للأولاد ترى أن كثير من العوائل ترى أن من الافضل للفتيان أن يشتغلوا بدل التعليم، وأمام ذلك الواقع المرير قررت ميسون أن تاخذ زمام المبادرة لحل هذه الإشكالية ولو بشكل فردي.

أطلقت ميسون حملتها الفردية عبر مرورها اليومي على مخيمات اللاجئين في الزعتري وحثها لصديقاتها باهمية التعليم، إذ أنها ترى أن معظم الفتيات اللائي يلتحقن بمدارس المخيم لا يفكرن بالتعليم بشكل جدي، بل أن معظمهن يرغبن في لقاء صديقات جدد، لكنها لم تتوقف عن محاولاتها تلك، كما أنها لم تكتفي بتشجيع صديقاتها وحسب، بل عملت على إقناع الأهالي بأهمية التعليم، وبضرورة أن يشجعوا أبناءهم على التعليم إذ أن معظم الفتيات والفتيان لا يفكرون بشكل مستقبلي حول أهمية التعليم، وتقول: لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا بدون تعليم، لذا حتى أثناء ضغوط اختباراتها تحاول ميسون أن تواصل نشاطها من خلال دعوة كل من تراه في طريقها في المخيم، إذ أنه يصعب عليها أن تمر على كل الخيام أثناء فترة الاختبارات.

لاحظ سكان المخيم نشاط ميسون الدؤوب، كما أنهم لمسوا اثراً طيباً من جهودها تلك، لذا كان من الجيد أنه تم اختيار ميسون المليحان (16) عام ضمن أسماء 100 امرأة هن الأكثر إلهاماً في العالم لعام 2015، إثر إطلاقها حملة لضمان حصول الفتيات السوريات في المخيمات الأردنية على التعليم، وتعلق ميسون في مقابلة لها على السي إن إن : باستطاعتنا أن نحقق الكثير من الإنجازات من خلال التعليم، وإذا لم نتسلّح بالعلم فلن نتمكن من حل الكثير من المشاكل في الوقت الحاضر والمستقبل، وبدون التعليم لا نستطيع أن نحقق أي هدف في الحياة، وبالتالي لا نستطيع أن نساعد الآخرين أو نرقى بتطوير بلدنا، وإذا كنّا نحمل مشاعر صادقة للوطن، فلن نستطيع أن نقدم النفع والدعم له بدون التعليم، وينبغي علينا أن نتحصّن بالعلم لأنه الدرع الواقي الذي نستطيع من خلاله أن ندافع عن أنفسنا وعن أرضنا ومواجهة أية عقبات في أي وقت وأي زمان.

وترى أن معظم الأباء والأمهات أمام صعوبات الحياة في المخيم ينشغلون عن حث أولادهم على العلم، كما أنهم يفضلون أن يعمل أبناءهم ليساعدوهم لأنهم لا يؤمنون بأنّ التعليم حق أساسي من حقوق الطفل ومن أهم الأولويات، وبسبب حبها الكبير للتعليم ورغبتها في مستقبل زاهر في سوريا لكل السوريين ترى أن من الواجب أن تهتم بالتعليم، ودفعها لأن توجه الناس وترشدهم حول أهمية التعليم، حتى وإن لم يستجيبوا لن تتوقف عن تقديم النصح كما تقول، وتدرك أنهم في يوم من الأيام سيستجيبون لها، لكنها ايضاً تؤكد أن عدم تشجيع الأهل للفتيات ليس التحدي الوحيد الذي يواجه الفتيات السوريات ويمنعهن عن التعليم، بل بسبب عدم توفر الأمن، يخاف الوالدين من إرسال الفتيات لطلب العلم، وترى أنه يوجد عوائق أخرى وتحديات تختلف حسب وجهة نظر ورؤية كل فرد على حدة. وعائق آخر يتمثل في مستقبل التعليم بعد إنهاء آخر مرحلة دراسية ومدى صعوبة الالتحاق بالجامعات.

 

ميسون درس نستفيد منه:

الشعور بالمسؤولية عامل مهم لنهضة المجتمعات وتخطي التحديات والعقبات، ومن يدري لعل ميسون الصغيرة سناً، والكبيرة عزماً وهمةً تكون أحد تلك العوامل التي تعيد رسم مستقبل سوريا بشكل خاص، وواقع المرأة بشكل عام.

يكمن الإلهام في قصة ميسون بأنها فتاة لم تستسلم لواقعها المر، بل تمكنت من رؤية النور، ولم تكتفي بذلك بل عملت –بحس مسؤوليتها- على نشر ذلك النور للجميع، فما فائدة أن تبصر هي بينما يغرق مجتمعها في ظلام دامس، ميسون نموذج للفتاة التي تطمح أن تُكّون مجتمعاً بإرادتها وبصيرتها، وما أحوجنا لتلك

لنماذج في مجتمعاتنا.

المصادر:

الغربال

السي إن إن