رايتشيل كوري : عندما تكون الإنسانية امرأة

حافظت رايتشيل على مبدأ أن الحقوق والحريات لا تتجزأ، ودفعت حياتها ثمناً لنصرة قضية لا تعنيها في الظاهر، لكنها في حقيقة الأمر ترتبط بشكل وثيق بمبادئها،

 

لم تكن يوماً الحقوق والحريات مقتصرة على فئة دون فئة، أو قضية دون أخرى، منذ طفولتها فهمت رايتشل هذه القاعدة وبنت خطواتها الأولى على أساسها لتتربع عرش ناشطة السلام ، لم يمنعها كونها امرأة أن تقف تشاهد عن بعد بل عَمِدت أن تدخل إلى العمق لفهم القضايا، لم تكتفي بتصديق ما يروج له الإعلام الأوروبي من حقائق حول القضية الفلسطينية، إذ أن معظم تلك الحقائق كانت تعتمد بالأساس على وسائل الإعلام الإسرائيلي الذي هو جزء من القضية، قررت أن تبحث عن الحقيقة بنفسها وتوجهت وغيرها من الناشطين إلى قطاع غزة، وهناك اكتشفت حجم الكذب والتضليل الذي يُمارس ضد القضية الفلسطينية، وقررت أن تتخذ موقفها بما يتناسب مع قناعاتها الأولى بأن الحقوق والحريات مكفولة بشكل متساوي لكل البشر، حينها وقفت أمام أحد الجرافات الاسرائيلية محاولة إيقاظ ضمير سائق الجرافة الذي يشرد مئات الفلسطنين دون ذنب، اعتقدت أن سلميتها كافية لتوقظ ذلك الضمير ولم تدرك حينها أن سائق الجرافة كان جزءاً من نظام فقد ضميره منذ بدأ الاحتلال.

من هي ريتشيل؟

فتاة تركت أحلام الفتيات للعيش في الدراما الفلسطينية لتشارك أطفال الانتفاضة أحلامهم والموت في معركة الشرف والكرامة، ريتشيل كوري هي ناشطة اجتماعية أمريكية من مواليد 10/4/1977م وقد قُتِلت بيد اليهود بتاريخ 16-3-2003، عضوة في حركة التضامن العالمية(ISM) ، سافرت لقطاع غزه بفلسطين المحتلة أثناء الانتفاضة الثانية وهناك قتلت بطريقة وحشية من قبل جيش الاحتلال الاسرائيلي عند محاولتها إيقاف جرافة عسكرية تابعة للقوات الإسرائيلية كانت تقوم بهدم مباني مدنية لفلسطينيين في مدينة رفح في قطاع غزّة، كتبت لأهلها في رسائلها الأخيرة قائلة: اعتقد أن أي عمل أكاديمي أو أي قراءة أو أي مشاركة بمؤتمرات أو مشاهدة أفلام وثائقية أو سماع قصص وروايات، لم تكن لتسمح لي بإدراك الواقع هنا، ولا يمكن تخيل ذلك إذا لم تشاهده بنفسك، وحتى بعد ذلك تفكر طوال الوقت بما إذا كانت تجربتك تعبر عن واقع حقيقي.

 

بداية المشوار

بدأت ريتشيل قصة كفاحها ودفاعاها في مجال الحقوق في سن مبكرة، منذ نعومة أظفارها، ونذرت نفسها من وقت مبكر لتلك القضايا المتعلقة بحقوق الأطفال في دول العالم الثالث، وفي مقطع فيديو اُلْتِقط لها وهي في سن الخامسة تقول فيه أن حلمها في عام 2000م هو أن تقضي على الجوع في العالم، لم يتحقق حلمها لكنها لم تتوانى عن مواصلة المسير في الدفاع عن الحقوق المسلوبة، وكان لها موعد مع القدر في عام 2003م في مدينة رفح في قطاع غزة عندما وقفت بكل شجاعة لتمنع جرافة اسرائيلية من التقدم ضمن سلسلة ممنهجة في هدم بيوت الفلسطينيين بغرض تشريدهم، لم تفلح محاولاتها في وقف ذلك العدوان وقُتِلت – وهي لم تتجاوز الثالثة والعشرين، بدم بارد بذريعة أن سائق الجرافة لم يرها !

شهيدة الحقيقة

في فيلم وثائقي أعده المخرج الفلسطيني يحيى بركات حول رايتشيل كوري يستعرض الفلم أهم وقفات حياة الناشطة الأمريكية وموقفها الشجاع تجاه القضية الفلسطينية، وأكد المخرج بركات أن استهداف ريتشيل لم يكن بمحض الصدفة، بل كان وفق خطة اسرائلية ممنهجة لقمع الصحفيين الأجانب الناشطين في القضية الفلسطينية، خصوصاً بعد أن ارتفعت أصوات بعض أولئك الناشطين الغربيين تجاه القضية الفلسطينية بشكل يؤثر على الرأي العام في تلك الدول، ويوضح في مقابلة له على قناة القدس انه من المستحيل أن تكون حجة القضاء الإسرائيلي منطقية في تبرئة سائق الجرافة، إذ زعم ذلك الحكم أن سائق الجرافة لم يَرَ رايتشل، بينما تؤكد وثائق ضَمْنَها المخرج في الفيلم أخذها من القناة الثانية الإسرائيلية تعرض حوار بين سائق الجرافة والقائد الذي يوجهه، إذ يؤكد السائق رؤيته لجسم أحدهم أمام جرافته، ووصلت له الأوامر بأن يواصل التقدم، إلى أن ارتطم ذلك الجسم بالجرافة، فيما بعد يوضح أن ذلك الجسم قد فارق الحياة، ووفق شهود عيان من الفلسطنين والناشطين الآخرين تم دهس ريتشيل كوري مرتين من قبل نفس الجرافة .

ويؤكد بركات أن عملية دهس ريتشيل ترتبط بشكل وثيق بالتصفية الممنهجة التي يطبقها الاحتلال الاسرائيلي تجاه الناشطين، إذ أنه وفي نفس الفترة قتل الصحفي البريطاني توم هرندل برصاص قناص، ولا يزال الصحفيين والناشطين الحقوقيين الموضوعيين مستهدفين بشكل كبير من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.

رايتشل درس نستفيد منه

أخلصت رايتشيل كوري لقضيتها وهدفها في الحياة، وكافأتها الحياة بأنها لا تزال تعيش بيننا حتى اللحظة بشجاعتها تلك، في كل عام يحتفي الناشطون بقصة رايتشيل وتتوالى المبادرات الإيجابية التي تحي موقفها الصامد في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وعندما انطلق أسطول الحرية الأول ليكسر حصار غزة حملت أحد السفن الإغاثية اسمها تمجيداً لموقفها البطولي، ناهيك عن العديد من المراكز البحثية التي حملت اسمها، وفي هذا العام انطلقت مبادرة شبابية فلسطينية من الضفة الغربية في 16 مارس 2015م  لإحياء ذكرى رحيلها بعمل إيجابي، قامت تلك المبادرة بزرع العديد من أشجار الزيتون ليمنعوا بناء مستوطنات جديدة في الضفة، وكأنهم بخطوتهم تلك يستكملوا مسيرة ريتشيل التي رحلت قبل عقد من الآن .

حافظت رايتشيل على مبدأ أن الحقوق والحريات لا تتجزأ، ودفعت حياتها ثمناً لنصرة قضية لا تعنيها في الظاهر، لكنها في حقيقة الأمر ترتبط بشكل وثيق بمبادئها، وفي واقعنا العربي يوجد الف قضية وقضية تتعلق بجانب اجتزاء الحقوق والحريات، ونحتاج لتصحيح مسار تلك القضايا إلى ألف رايتشيل في شتى المجالات، لم ينضب واقعنا من أولئك النسوة اللواتي يُعلق عليهن الكثير من الآمال والطموحات، فلم لا تطمحي عزيزتي القارئة أن تكوني إحداهن ؟!الحياة لأجل قضية أفضل من الحياة بدون قضية.

 

المصادر

قناة الجزيرة

سكاي نيوز

أفلام وثائقية

قناة القدس

ويكبيديا