إلهام بدر: طموح الكلمة

بمجرد أن تفتح أي امرأة طموحة عينها على الواقع العربي تفضل أن تخبئ ذلك الطموح حتى موسم قادم تعرف أنه لن يأتي، الدكتورة إلهام بدر لم تُخَبِئ بذور طموحها حتى ذلك الموسم، بل صنعت موسمها بنفسها لتتفتح أزهار إنجازاتها وحضورها الإيجابي على مستوى الواقع الخليجي والعربي، كنساء عربيات لا ينبغي لنا أن نتوقف عن الطموح لحظة، كما لا ينبغي علينا أن ننتظر مواسم الحظ، الواقع والمجتمع يحتاج إلى جهودنا وإنجازاتنا، لذا لا بد من أن نصنع ذلك الموسم، وليس من المستحيل فعل ذلك، فمنا امرأة صنعت ذلك الموسم ونجحت

 

أحياناً يصطدم الطموح بصخرة الواقع ويتفتت إلى العدم، وأحياناً يتحدى ذلك الطموح كل العوائق لتولد الكلمة.

لم يكن من السهل عليها أن تبدأ طريق النجاح في المجال الإعلامي، هي كافحت وآمنت برسالتها، ووقفت مباشرة أمام كل التحديات لتصنع قصتها، لتخلق إنجازها وتضع بصمتها المتميزة الجانب الإعلامي، إلهام بدر من أوائل الإذاعيين في قناة الجزيرة، ومن أوائل الأقلام الإعلامية في دول الخليج، لم تظهر قصة نجاحها من العدم، بل يقف خلف ذلك النجاح الكثير من السعي والمثابرة، والكثير من الصبر والطموح، كل تلك المفردات اجتمعت لترسم اسمها بشكل مميز في عالم الإعلام الخليجي والعربي.

بدايات مشرقة

بدأت إلهام طموحاتها الإعلامية من سن مبكرة، فقد نشطت في مجال الإذاعة المدرسية، وكما تقول  إلهام بدر عن بداياتها: “أثناء اللقاء الاذاعي في برنامج أوائل الطلبة قالت لي المقدمة ناديه الجندي:” لماذا لا تتقدمين للإذاعة، صوتك جميل” ، جملة لطالما رددتها من قبل مديرة مدرستي السيدة موزة فخرو التي كانت تصر على حضوري أمام ميكروفون المدرسة في كل صباح وتطلق أمامي جملتها المعتادة : إلهام لازم تكوني إعلامية، كان المذياع الذى يرافقني جل وقتي يعلن من حين إلى آخر عن حاجة إذاعة قطر لأصوات من الجنسين، وبعد عامين وفى عام 1983م تحديدا كنت قد اطلقت حلمي من أَسْرِه بالعمل في مجال الإعلام وفي الإذاعة تحديدا في مغامرة احتفظ بتفاصيلها وتداعياتها وشخوصها إلى مقام التوثيق التاريخي لاحقاً.
كانت خطواتي الأولى تسير بي في معترك بين مؤيدين فرحين بها مباركين وداعمين.. وبين رافضين مستهجنين، لم تكن أفكاري قد تشكلت بعد، بدأت برغبة عامة وطموح غير محدد الشكل لخوض التجربة مدفوعة بهاجس التميز واسماع صوتي الذي لم تكن رسالته قد نضجت بعد، وسط عدد من الزملاء القطريين والعرب العمالقة الذين كانت خبراتهم رافدا مهما لتجربتي”

مسيرة حافلة بالعطاء

بدأت الدكتورة الهام بدر مسيرتها الإعلامية في الإعلام القطري منذ 1983م من خلال برنامجها المباشر “اليوم المفتوح”، حيث التحقت سنة 1982م بالجامعة وصاحبتها فكرة الانضمام إلى إذاعة قطر، خضعت لامتحان المذيعين، الذى اجتازته بامتياز مُتَحدية الفكر السائد بأن المرأة القطرية لا يسمح لها بأن تكون إعلامية بل وغير قادرة على ذلك، وكانت معها ثلة من الناجحات اللاتى لم يصمدن أمام التيار وانسحبن بهدوء
وذكر موقع “المرأة العربية والإعلام” أنَّ خوفها فى ذلك الوقت من ردة فعل أسرتها بسبب التحاقها بالاذاعة حدا بها الى الاستنجاد بخالها، فقد كانت محقة فى تخوفها إذ ثارت ثائرة والدتها بسبب قرارها، لكن إصرارها مكنها من التغلب على ذلك، فكانت أول إطلالة لها عبر أثير إذاعة قطر من خلال برنامجها المباشر “اليوم المفتوح”
وذكر الموقع أن إنتاجها الإعلامي قد تنوع منذ ذلك الحين وكانت العلامة الفارقة فى حياتها العملية هو برنامج (وطني الحبيب صباح الخير) الذى بدأت بالمشاركة في تقديمه منذ 1986م، إلى أن غادرت إلى المملكة الاردنية الهاشمية فى عام 1990م لإكمال دراساتها العليا ثم عادت بعدها بعام ونصف لاذاعة قطر ثم إلى الأردن من جديد، أُوْقِف مشروع الدكتوراة على إثْر دعوة قناة الجزيرة لها لتكون أول إعلامية قطرية تقرأ نشرة الأخبار من قناة الجزيرة الفضائية التى عملت بها لفترة، ثم عادت إلى محراب رسالة الدكتوراه فانقطعت عن العمل الإعلامي
تدرجت الدكتورة الهام بدر السادة فى مناصب عدة أهمها عضو مجلس إدارة بقناة الجزيرة الفضائية، والجزيرة للأطفال التابعة لمؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وكان العشق والهوى يأخذانها دوما إلى الإذاعة، عشقها الأول فواصلت ‘عداد وتقديم البرنامج الصباحى الشهير ( وطنى الحبيب صباح الخير) حتى عام 2007م

انجازات

نتيجة الجهود التوعوية والإعلامية التي قدمتها الدكتورة إلهام بدر خلال مسيرتها تم اختيارها في عام  2011م من بين 23 شخصية قطرية نموذجا ضمن برنامج (المرأة النموذج) الذى يأتى ضمن حملة الأيادي البيضاء (إعلام من أجل المرأة) وحازت لقب (المرأة الملهمة)، وذلك نظراً لجهودها المتنوعة في التأثير الإيجابي على مسيرة الإعلام عبر مطالبتها بصدور قانون إعلامي شامل يتحدث بلغة العصر ويمكن الإعلاميين من ممارسة  أدوارهم بشكل كامل، وفي حفل التكريم علقت قائلة: رغم شكري للقائمين على منحى هذا اللقب، مما يدلل على أن هناك من يتتبع بحرص ووعى ما نقوم به، لكن الحقيقة أن الألقاب ليست أهدافاً مقصودة فى ثقافتي، بل تأتى تحصيلاً ناتجاً للعمل الجاد، وما يشدنى أكثر هو هذا الحراك فى قطر على كافة مستوياته، وأحرص على تفعيل استجابتى لذاك الحراك المحموم بداخلى فى القيام بدورى المجتمعي، ففى المجتمعات النامية هناك مكان لكل واحد للقيام بدوره وفق قدراته ودرجة إيمانه بما يفعل، ببساطة أنا امرأة يسكنني وطني وأهله، مشغولة به وبقضاياه وطموح إنسانه، يعنينى شبابه الذين أتعرف كل يوم على طاقاتهم المذهلة، لذلك أتحرك، وأضافت قائلة : “انا أنتمى لجيل حَلُمَ بالكثير مما نراه اليوم يتبلور، وليست هذه نهاية الحلم، بل هى بداية رعايته وتَمْتِين جذوره فى الوعى والثقافة المجتمعية، هذا ما أعمل لأجله وهو ما أستطيع الحفاظ عليه، علينا أن نستمر فى العمل بجد

وإخلاص، أما الألقاب فعليها أن تدركنا”.

التغيير والمجتمع

عاصرت الدكتورة إلهام بدر الكثير من التغيرات على المستوى العربي والإقليمي خلال مسيرتها الإعلامية، وثَمْنت التغيرات الإيجابية التي حدثت على مستوى واقع المرأة العربية بشكل عام، والمرأة القطرية بشكل خاص، غير أنها أكدت بأن تلك التغيرات ليست كافية، بل يجب أن تطمح النساء إلى إحداث الكثير من المنجزات في الجانب الإعلامي وغيره من الجوانب، وتحكي عن مسيرتها الشخصية وكيف تأثرت بتلك التغيرات أثناء مسيرة إنجازها: كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية قبل عام 1995م تقف عائقا حقيقيا أمام حرية الإعلام ومنتسبيه  ، وعلى الصعيد الاجتماعي لم يكن ثَمْت مرحب بانخراط فتاة ذات امتداد قبلي في المجال الإعلامي، فكيف يمكن قبول اختلاطها بالرجال والمجاهرة باسمها و كشف عورة صوتها وفكرها وأن تجاهر بالرأي وتناقش الرأي الآخر، كان الوجود النسائي في برامج الاتصال الجماهيري يقتصر على أشكال محددة كالترفيه وما يسمى بالبرامج الخفيفة ذات الايقاع الغنائي والتي لا تسمح بطبيعتها ببلورة حركة فكرية أو بتناول موضوعات ذات علاقة بالسياق السياسي والاجتماعي، فهذا النوع من البرامج حكراً على الرجال من الإعلاميين إضافة إلى ندرته وضيق المساحة المخصصة له
تقول الدكتورة إلهام : “كان الخطاب المتاح  في الأغلب للإعلاميات هو خطاب المعلومة الخفيفة كأن تشرق الشمس فينتشر الضياء أو ذهبت إلى البحر وكان البحر مالحا أو لابد أن تحافظ على صحتك بغسل يديك  قبل الأكل وبعده، وكان الهروب من هذا الإطار الذي أحاول من حين إلى آخر تغييره ببعض القضايا التي شغلت جيلي كالاختلاط وعمل المرأة مدعاة للغضب الشديد تليها إنذارات إدارية وتتعداها إلى منعي من قراءة نشرة الأخبار، فصوت المرأة لا يصلح للسياسة حتى في أدنى درجاتها – قراءة اخبارها –  وأن سمح لها تطاولت وتحدثت فيما لا يسمح لها الحديث حوله
وقد كانت هذه التجاوزات من وجهة نظرهم التقليدية هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير فما عاد هناك قدرة على احتمال هذا الشطط الذي أمارسه فتم حجبي عن برامج البث المباشر مع تحويلي إلى البرامج المعلبة التي أزهقت روحي أو كادت، لكنها في الوقت ذاته كانت مفصلا تاريخيا في حياتي المهنية فبدأت أتساءل
من أجل ماذا خطوت نحو الإعلام ؟؟
من أجل أن أعلن عن مشرق الشمس ومغيبها وأن أوثق حقيقة أن البحر مالح؟
أو أن أصبح جزءا من شريط معلب يحمل رقما على أرفف المكتبات؟؟
هل يستحق  ذلك كله ما دفعته من قيمة فاتورة مجتمعية قاسية ؟؟
كم هائل من الأسئلة تفجرت في رأسي، فقررت أن أخرج إلى أُفق آخر في استراحة محارب لاستكمال دراستي العليا، زوادتي في الرحلة علاقة قد توطدت عراها بيني وبين مجتمعي الذي بارك وجودي في الساحة الإعلامية بعد أن اختبر جوهر وشكل ظهور احدى بناته في واجهتها ،كما أننا لا نولد كبارا كذلك لا تولد تجاربنا كبيرة ،تبدل المشهد كليا بعد 1995م ، كانت الإرادة السياسية على قدر كبير من التقدم والنهج الديمقراطي  فانفرجت الأوضاع السياسية والاجتماعية فما كان محرماً أصبح مطلوبا وما كان ممنوعاً صبح مسموحا وتنحت الكثير من التابوهات.
كان اطلاق الحريات الاعلامية التي عززتها اجراءات رفع الرقابة عن الصحف والغاء وزارة الاعلام واطلاق قناة الجزيرة الانعطافة  التاريخية الأهم في الإعلام العربي ،ومعها انعطفت إرادتي  نحو اختبار اتسم بالعنف، فإن كانت معركة صوتي قد هدأ وقعها، فإن معركة الصورة والوجه السافر ألقت بي إلى مهالك من العنف أشد وقعاً وأكثر ضجيجاً، كانت تجربة انتقالي لشاشة الجزيرة مفصلا تاريخيا آخر أكسب تجربتي الإعلامية أبعادا جديدة على المستوى المهني، فهي المرة الأولى التي أواجه فيها الكاميرا بدلا من،الميكرفون وكأول إعلامية قطرية إلى جوار خبرات عربية خبرت الشاشة من قبل، لاحقاً، أخذت تجربتي مع الجزيرة شكلا آخر حيث أصبحت فيما بعد عضوا في مجلس إدارتها لمدة عام تأكيدا من القيادة على دور الإعلامية في عملية المشاركة الفاعلة في صنع القرار.

إلهام  بدر كدرس نستفيد منه

بمجرد أن تفتح أي امرأة طموحة عينها على الواقع العربي تفضل أن تخبئ ذلك الطموح حتى موسم قادم تعرف أنه لن يأتي، الدكتورة إلهام بدر لم تُخَبِئ بذور طموحها حتى ذلك الموسم، بل صنعت موسمها بنفسها لتتفتح أزهار إنجازاتها وحضورها الإيجابي على مستوى الواقع الخليجي والعربي، كنساء عربيات لا ينبغي لنا أن نتوقف عن الطموح لحظة، كما لا ينبغي علينا أن ننتظر مواسم الحظ، الواقع والمجتمع يحتاج إلى جهودنا وإنجازاتنا، لذا لا بد من أن نصنع ذلك الموسم، وليس من المستحيل فعل ذلك، فمنا امرأة صنعت ذلك الموسم ونجحت.

 

المصادر:

صحيفة الوطن

صحيفة الرأي

صحيفة العرب

جريدة الشرق