حليمة يعقوب: أول رئيسة لسنغافورة

نفتقد في عصرنا الحالي إلى مبدأ التعايش، فالتعايش هو الوسيلة الأنجح لتحقيق علاقات ناجحة بين مختلف الثقافات والديانات والهويات، لأن الاختلاف حقيقة كونية لا تقبل الجدل، ومحاولة دمج الاختلاف في نوع واحد عبث يخرب الحياة ولا يقومها، وبسبب تجاهل مبدأ التعايش انتشرت فوضى الحرب واللاتفاهم ونبذ الآخر حتى في إطار المجتمع الواحد المتجانس ثقافياً، لذا يصعب في كثير من المجتمعات تحقيق مبدأ التعايش بسبب كثرة العرقيات والأقليات، لكن هل بالفعل يمكن تحقيق التعايش في مجتمع متعدد ثقافياً ودينياً وعرقياً؟

 

نفتقد في عصرنا الحالي إلى مبدأ التعايش، فالتعايش هو الوسيلة الأنجح لتحقيق علاقات ناجحة بين مختلف الثقافات والديانات والهويات، لأن الاختلاف حقيقة كونية لا تقبل الجدل، ومحاولة دمج الاختلاف في نوع واحد عبث يخرب الحياة ولا يقومها، وبسبب تجاهل مبدأ التعايش انتشرت فوضى الحرب واللاتفاهم ونبذ الآخر حتى في إطار المجتمع الواحد المتجانس ثقافياً، لذا يصعب في كثير من المجتمعات تحقيق مبدأ التعايش بسبب كثرة العرقيات والأقليات، لكن هل بالفعل يمكن تحقيق التعايش في مجتمع متعدد ثقافياً ودينياً وعرقياً؟

من سنغافورة تأتينا الإجابة، فالبلد الذي تعيش فيه عرقيات متعددة يعلم العالم درساً في فنون التعايش، إذ تتمت سنغافورة بالاستقرار الاقتصادي والسياسي وتعد رابع أكبر مركز مالي في العالم، وسبب انتعاشها واستقرارها في حقيقة الأمر يعود إلى تطبيقها لمبدأ التعايش، فوفقاً لهذا المبدأ تم تخصيص منصب رئيس سنغافورة في 2017 لأقلية الملايو حتى يتم نبذ فكرة سيطرة أقلية بعينها المشهد السياسي.

تقدم لمنصب الرئاسة خمسة أشخاص، أربعة رجال وامرأة، لم تنطبق الشروط على أربعتهم وتحققت كافة الشروط في هذه المرأة، لتصبح أول امرأة تحوز على هذا المنصب الفخري، وثاني شخص مسلم ينتمي لأقلية الملايو بعد أن الرئيس يوسف اسحاق  الذي تولى المنصب خلال (1965- 1970)، وثامن رئيس لسنغافورة منذ أن نالت استقلالها في 1965م.

 

النشأة والتعليم

دائماً ما تصنع الشدائد الأشخاص العظماء، كيف إن واجهت هذه الشدائد المرء في طفولته، ولدت حليمة يعقوب في 1954 لأب هندي كان يعمل حارساً في الأمن وأم ملايوية، فقدت حليمة والدها وهي في الثامنة من عمرها، ورأت والدتها وهي تكابد شظف العيش والفقر من أجلها وإخوتها الأربعة الذين تقاسموا معها غرفة واحدة قضت فيها طفولتها.

عملت والدتها في بيع الطعام، ساعدت حليمة أمها في تحمل تلك المسؤولية إلى درجة أن حلمها كان يقتصر على أن تحصل على عمل جيد تساعد به أهلها كما ذكرت في أحد تدويناتها، لكن ليس بالضرورة أن يقتصر حلم المرء على تلبية الحاجة خصوصاً إذا تمكن ال

مرء من تعليمه، وهكذا كان ديدن حليمة يعقوب.

تخرجت من جامعة سنغافورة الوطنية لتحمل شهادة بكالوريوس في القانون بدرجة شرف في عام 1978م، بعد تخرجها بعامين تزوجت من التاجر اليمني عبد الله محمد الحبشي الذي تعرف عليها من الجامعة، ودعمها في مسيرتها العلمية والعملية، وفي عام 2001 حصلت على شهادة ماجستير بالقانون، وفي عام 2016 منحت شهادة دكتوراه فخرية في القانون من نفس الجامعة.

 

حياة حافلة بالإنجاز

منذ أن تخرجت عام 1978 عملت حليمة  كموظفة قانونية في المؤتمر الوطني لاتحاد النقابات المهنية بسنغافورة، وتولت عدة مناصب، منها

مديرة قسم الخدمات القانونية عام 1992، ومديرة معهد سنغافورة لدراسات سوق العمل، ثم عينت مديرة لمعهد سنغافورة للدراسات العمالية عام 1999، كما ترأست عدة مجالس مثل مجلس الإسكان والتنمية، ومجلس التنمية الاقتصادية، ومجلس أمناء جامعة سنغافورة الوطنية، وهي أيضا عضوة في الهيئة الإدارية لمنظمة العمل الدولية التي تتخذ من جنيف مقرا لها.

يذكر أن حليمة يعقوب لم تحصل على منصب الرئيس فجأة بل عملت في الحقل السياسي لأكثر من أربعين عاماً، إذ اقتحمت عالم السياسية عام 2001 بطلب من رئيس الوزراء وقتها غوه تشوك تونغ، و الذي أخبرها بأنها يمكن أن تلعب دورا كبيرا في الحياة السياسية بالبلاد، وكان ذلك قبل الانتخابات العامة.

وانتخبت بعد ذلك نائبة في الدائرة الانتخابية للتمثيل الجماعي “جيورونغ”، وتدرجت في المناصب حتى أصبحت في أعقاب الانتخابات العامة عام 2011 وزيرة للدولة في وزارة التنمية المجتمعية والشباب والرياضة، وبعد تعديل وزاري في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 أصبحت وزيرة دولة في وزارة التنمية الاجتماعية والأسرية.
وفي 14 يناير/كانون الثاني 201

3 عينت حليمة متحدثة باسم البرلمان، وكانت أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ البلاد لتتولى منصب رئيسة البرلمان بين عامي 2013 و2017.

في 6 أغسطس/آب 2017 أعلنت حليمة انها ستستقيل من منصب متحدثة باسم البرلمان لخوض سباق الانتخابات الرئاسية لعام 2017، وفي 13 سبتمبر/أيلول 2017 أعلن عن انتخاب حليمة أول رئيسة للبلاد، وذلك بعدما أعلن مسؤول الانتخابات أنها المرشحة الوحيدة المؤهلة للمنافسة على المنصب الذي يعتبر شرفيا إلى حد بعيد.

 

مبدأ التعايش

 

تعطينا سنغافورة درساً في التعايش من خلال خطوة حصر الانتخابات في أقلية الملايو -لتمكينهم من المشاركة السياسية- ، و تعلمنا درس التعايش

من خلال تجربة حليمة يعقوب نفسها، إذ أنها وفي أول تصريح لها بعد توليها المنصب أعلنت أنها ستكون رئيسة للجميع وليس للأقلية التي تمثلها، وهي بذلك تقر بأهمية تطبيق مبدأ التعايش كوسيلة لتحقيق التفاعل الحضاري والاستفادة من التعددية الثقافية والتعددية العرقية.

يذكر أنها كرست خطاباتها السياسية في التأكيد على دعم البرامج الوطنية التي تساعد ذوي الدخل المحدود، وكأنها بتلك الخطوة تريد أن تضمن دعم اكبر عدد ممكن من المعسرين الذين يعيشون نفس الظروف الصعبة التي عاشتها سابقاً، ومن يدري لعله بسبب البرامج الوطنية التي تتبناها وتطبقها عبر الحكومة يتم دعم مئات النساء االاتي ينتمين لمختلف الأقليات في سنغافورة، ومن خلال ذلك الدعم نرى قصص إنجاز ونجاح على أرض الو

اقع.

 

الحياة كرسالة

يمكن للمرء أن يحقق نجاحاً في أي مجال من مجالات الحياة، لكن من الصعب أن يربط نجاحه برسالة هادفة في الحياة، لكن ليس من المستحيل ذلك، وحتى يتمكن المرء من تحويل نجاحه الشخصي إلى رسالة مجتمعية يتطلب منه أن يركز على الواقع واحتياجاته أولاً، ويستفيد من تجربته الشخصية ثانياً، لأن فرص الحياة ليست حكراً على أحد، لكن عندما تأتي الفرصة لشخص ناجح لا يحمل رسالة لن يتمكن من تحقيق قصة نجاح مجتمعي، بل مجرد قصة نجاح شخصي متواضع، أما إن كان حاملاً لرسالة سامية ستأتي تلك الفرصة لتحمله ورسالته وتضعه في مصاف العظماء والمؤثرين.

 

خاتمة

ينبغي أن يتم التركيز على قصص النجاح التي تحققها النسوة في مختلف المجالات، ليتم غرس فكرة الممكن في عقل المرأة التي أوهمت لفترات طويلة على أنها لا تستطيع شيء، فبمجرد أن تنظر إلى هذه الانجازات التي حققتها نسوة مثلها ستتمكن من كسر حاجز الخوف والرهبة من تجاوز خط المحاولة، لتبدأ في التعلم والسعي لتحقيق أهدافها.

وبما أن فتاة بسيطة تقاسمت غرفة واحدة هي وأشقاءها الأربعة- ولم تكن تحلم سوى بمنزل متواضع- تمكنت من القفز فوق كل التوقعات لتصبح أول امرأة تحكم البلاد، ففي إمكان أي امرأة أن تصنع واقعها وإنجازها المستحيل بخطوات من المثابرة والسعي والمحاولة، فليس ثمة مستحيل ولكن ثمة صعب يحتاج الكثير من الجهد والمثابرة.

المصادر:

الجزيرة نت

موقع سواء

موقع المواطن

موقع متع عقلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *