حليمة بن بوزة: عالمة لا تكل عن السعي

في زمن العلم والتكنولوجيا نفتقد لدور العالمة التي تحقق إنجازات عالمية، وفي زمن المادة نفتقد العالمة التي تحمل رسالة إنسانية ومجتمعية، إذ أصبحت الانجازات الشكلية هي الديدن الذي ينتهجه كثير من الناس بسبب تأثير الثقافة المادية التي حصرت قيمة الإنجاز بالكم لا بالكيف.

 

في زمن العلم والتكنولوجيا نفتقد لدور العالمة التي  تحقق إنجازات عالمية، وفي زمن المادة نفتقد العالمة التي تحمل رسالة إنسانية ومجتمعية، إذ أصبحت الانجازات الشكلية هي الديدن الذي ينتهجه كثير من الناس بسبب تأثير الثقافة المادية التي حصرت قيمة الإنجاز بالكم لا بالكيف.

في كثير من المجتمعات الغربية اليوم يصبح تعليم المرأة أمراً غير ذا أهمية بسبب تأثير الثقافة الدارجة التي ترى أن تعليم الفتاة يعد أمراً ثانوياً كونها يجب أن تعد لتكون أم لا عالمة، لم تظهر هذه الثقافة الدارجة فجأة بل أخذت حقباً ومراحل حتى تتحور بهذا الشكل، بحيث ينظر إلى تعليم المرأة على أنه يتعارض مع فطرتها، ويصبح الطموح العالي في جانب العلم بالنسبة لأي فتاة أقرب للحلم منه للواقع، في الثقافة الإسلامية لا يوجد تعارض بين دور المرأة الفطري والمجتمعي، فالقضية مرتبطة بشكل أساسي بترتيب الأولويات، لكن لا يوجد أي قاعدة دينية تحصر التعليم في الرجال دون النساء أو العكس، لكنها الثقافة الدارجة التي خلقت آثاراً سلبية على مستوى واقع المرأة والمجتمع.

ثمة نساء تمكنّ من المواءمة بين الدور الفطري والدور المجتمعي في حياتهن الشخصية، ومنهن عالمة البيوتكنولوجيا حليمة بن بوزة، التي بدأت رحلة التعليم مبكراً، ثم واصلته حتى بلغت درجة مشرفة ليس على مستوى أسرتها، أو مجتمعها بل على مستوى الوطن العربي ككل.

 

التعليم والنشأة

تؤثر البيئة المجتمعية وتشجيع الأسرة بشكل كبير في أي تجربة نجاح، وإن بحثنا في قصص النجاح والتميز لكثير من الشخصيات سنجد أحد عاملين، دعم الأسرة، أو إرادة التحدي، وفي تجربة الدكتورة حليمة بن بوزة توفر دعم الأسرة وإرادتها في تحقيق نجاح كبير في مجالها العلمي.

ولدت الدكتورة حليمة بن بوزة في مدينة قسطنينة في الشرق الجزائري، عرفت منذ طفولتها بشغفها للعلم والتحصيل الدراسي، إذ تميزت خلال كل مراحل دراستها المدرسية والجامعية، وفي نهاية المطاف  توجت مشوارها الدراسي بشهادة الدكتوراه في دراسة تهجين النبات وعلم الوراثة عام 2004 من جامعة جمبلوكس للتكنولوجيا الحيوية الزراعية.

بالطبع لم تحقق مثل هذه الانجازات من باب الصدفة، بل كان للسعي والبحث والتحمل نصيبه في رحلتها، إذ أن تخصصها العلمي يحتاج إلى الكثير من الجهد الذي تكبدته لتحقق بعدها الكثير من الاكتشافات والانجازات التي حصلت بسببها على تكريمات محلية ودولية.

 

انجازات على ارض الواقع

 لا يمكن لأي جهد منظم عبر فترة زمنية طويلة ألا يؤتي ثماره على أرض الواقع، وهكذا هو حال الدكتورة حليمة بن بوزة التي نظمت جهدها ووقتها، فبعد أن حصلت على شهادة الدكتوراه في دراسة تهجين النبات وعلم الوراثة من جامعة «جمبلوكس» البلجيكية، ترأست مركز البحث في البيوتكنولوجيا الذي يعتبر الأول من نوعه في الجزائر، وتعمل من خلال هذا المركز على تطوير أبحاثها في دراسة النباتات وتطوير لقاحات لمعالجة الأمراض المزمنة.

ويعود الفضل لها في إنشاء مخبر للكشف عن المنتجات المعدّلة وراثيا في التغذية النباتية، و يتمثل دوره في تطبيق التحاليل العلمية من أجل الكشف عن المواد الغذائية المستوردة، وكذا المواد التي لها علاقة بالأغذية ذات المصدر الحيواني، وهو يهدف أساسا لتحليل واختبار البذور المعدّلة عن طريق التدخل البشري والحكم على استعمالها، كما يعمل على تحديد البذور المستوردة ذات المصادر المجهولة وعلى تنمية المؤشرات الحيوية، التي قد تسبب الأمراض من بينها الأمراض السرطانية.

وأمام انجزاتها الكثيرة  في مجال البيوتكنولوجيا تم اختيارها كأفضل عالمة في الوطن العربي لعام 2013 من قبل وزارة الخارجية الأمريكية كمثال يقتدى به في مجال العلوم والتكنولوجيا في إطار برنامج المرأة والعلم “  Women in Science Hall of Fame  ”  ويعتبر هذا البرنامج مبادرة عالمية أطلقتها وزارة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2010، لتشجيع ودعم الكفاءات العلمية والتكنولوجية النسوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

كما تم تكريمها بجائزة ” أونتوان بيشون ”  جراء جهودها في مجال تطوير اللقاحات، وتمنح هذه الجائزة على البحوث التي يتم من خلالها تقديم علاجات لأمراض مزمنة، سيما مرض السرطان، وعلى الصعيد المهني  تقلدت الدكتورة عدة مناصب، حيث عملت كأستاذة محاضرة بجامعة باتنة، وفي سنة 2011 تم تعيينها من طرف الحكومة الجزائرية رئيسة للجنة المشتركة بين قطاعات الصحة وعلوم الحياة، كما انضمت كعضو بالمجلس الوطني الجزائري لتقييم البحث وعضو بالمجلس الدائم القطاعي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، و في العام 2013 قام رئيس الوزراء بتعيينها رئيسة للّجنة التوجيهية لمشروع الصيدلة والتكنولوجيا الحيوية بالجزائر، ثم تولت إدارة أول مركز للتكنولوجيا الحيوية(CRBt) في قسنطينة، تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

 

العالمة في زمن العلم

 ينبغي أن يتم غرس قيمة العلم في نفوس النشء، كما ينبغي أن يتم الاهتمام بتعليم الفتاة لتصبح عضو فاعل في المجتمع، لأن الفتاة إن وجدت البيئة المنابة والتشجيع الكافي ستتمكن من ترتيب أولوياتها وتحقيق انجازات استثنائية على صعيدها الشخصي والمجتمعي، وعندما نتأمل في قصة نجاح الدكتورة حليمة بن بوزة وغيرها من العالمات المتميزات نرى أن الإنجاز لا يتحقق فجأة بل يحتاج لمسيرة طويلة من الجهود والسعي.

ينظر العالم اليوم للمرأة المسلمة على أنها امرأة مسلوبة الإرادة، جاهلة، غير منتجة، وأمام هذه الصورة المشوهة عالمياً نحتاج إلى ظهور عالمات متميزات ليس للرد على هذه النظرة الخاطئة وحسب، بل من أجل أن يثرين واقعهن ويصبحن قدوات ونماذج للنساء الأخريات.

يذكر أن الدكتورة حليمة بن بوزة أم لثلاثة أطفال، ولديها انشغالاتها ومسؤولياتها وعلاقاتها، ورغم انشغالها لا زالت تحافظ على سعيها في طلب العلم والنجاح، وبهذا تستحق أن تكون نموذجاً يقتدى به، ليس على مستوى الوطن العربي وحسب، بل على مستوى العالم.

 

خاتمة

ما يجعل من المرأة عضواً فاعلاً في المجتمع هو تميزها في مجال من المجالات، ولا يمكن لأي امرأة أن تتميز أو تنتج إن لم تجد البيئة المناسبة والمحفزة، فالبيئة المحفزة هي التي تمكن الفتاة من التغلب على القصور الذاتي والنظرة المجتمعية، لكن إن غاب دور الأسرة ستطغى النظرة الضيقة على واقع المرأة الطموحة لتجد أحلامها في نهاية المطاف مجرد أحلام.

ينبغي غرس قيمة المسؤولية، والسعي والبذل في طلب العلم في شخصية المرأة لتتمكن من إعداد أجيال قادرة على بناء حضارة وتغير واقع، ولتتمكن هي في بداية المطاف من تبني رسالة هادفة في حياتها وتتخذ خطوات جدية في سعيها للإنجاز على أرض الواقع.

 

المصادر:

مجلة سيدتي

موقع ناس عين التوتة

السفارة الأمريكية في الأردن

صحيفة النهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *