عزيزة وان: من طبيبة عيون إلى نائب رئيس وزراء

  هل يمكن للمرأة أن تجمع بين أمومتها وفاعليتها على أرض الواقع؟ سؤال يثيره الواقع والنظرة المجتمعية لدور المرأة، إذ عادة ما يحصر دور المرأة في جوانب محددة مع إهمال دورها في الجوانب الأخرى، الأمر الذي يؤصل الصورة النمطية السائدة…

 

هل يمكن للمرأة أن تجمع بين أمومتها وفاعليتها على أرض الواقع؟ سؤال يثيره الواقع والنظرة المجتمعية لدور المرأة، إذ عادة ما يحصر دور المرأة في جوانب محددة مع إهمال دورها في الجوانب الأخرى، الأمر الذي يؤصل الصورة النمطية السائدة حول المرأة.

على الرغم من أن تلك الصورة النمطية هي السائدة تطل علينا في الواقع نماذج مشرقة تحاول زعزعة تلك الصورة المغلوطة، لتوضح للمجتمع أن الجمع بين الأمومة والواجب الاجتماعي ليس أمراً مستحيلاً، بل أمر يتطلب الكثير من التدبير والحكمة.

السيدة عزيزة وان هي أول  نائبة لرئيس الوزراء في ماليزيا، وأشهر معارضة قادت حزبها، وأسهمت بشكل فاعل في دمج المعارضة لتنظيم وتكثيف جهودها على أرض الواقع، وقبل أن تكون رئيسة وزراء هي أم لخمس بنات وولد، وجدة لتسعة أحفاد، من خلال هذا العرض نحاول أن نستكشف أسباب وتفاصيل قدرتها على المواءمة بين واجباتها الأسرية والمجتمعية، لتكون نموذجاَ للنساء اللاتي يرغبن في تحقيق رسالة في المجتمع دون الإخلال بواجباتهن الأسرية.

 

المولد والنشأة

ولدت عزيزة وان في 3 ديسمبر/كانون الأول 1952، في سنغافورة وترعرت بين الملايو المسلمين، لكنها تلقَّت تعليمها المبكر في مدرسة دير القديس نيكولاس، ألور سيتار، وواصلت تعليمها في كلية تونكو كورسيا، بعد ذلك ذهبت لدراسة الطب في الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا، وتخرجت كطبيبة عيون في 1978م.

عرف عن عائلتها التفوق والنبوغ، وكان والدها يشغل منصباً في وزارة الداخلية، الأمر الذي عزز حضورها في وقت لاحق في العمل السياسي على مستوى الولايات الماليزية.

 

شخصية فريدة

بعد ان انتهت من دراسة الطب في أيرلندا ذهبت للعمل في أحد المستشفيات الحكومية كطبيبة للعيون، وأثناء اشرافها على حالة أخت زوجة مهاتير رئيس الوزراء قابلت لأول مرة الناشط السياسي أنور ابراهيم، والذي كان في زيارة لتلك المريضة، بعد ذلك تقدم لخطبتها لكن أسرتها رفضت بسبب الفارق الاجتماعي بينهما، فأنور أبراهيم لم يكن سوى معارض تعرض للاعتقال أكثر من مرة، اضافة إلى أن وظيفته الرسمية كانت معلم ابتدائية، بينما تنتمي وان إلى أسرة مرموقة، ناهيك عن مكانتها العلمية والوظيفية في المجتمع.

رغم معارضة أهلها أصرت هي على رأيها وتم القران، كانت حينها في 25 من عمرها، وأنور في 32 من عمره، واصلت عملها في مجال الطب حوالي 14 عام، وعملت على رعاية أسرتها المكونة من خمسة فتيات وابن إلى أن تم تعيين أنور ابراهيم كنائب لرئيس الوزراء من قبل مهاتير محمد في 1993، قررت الطبيبة بعدها التخلي عن حياة الطب لتعيش بالقرب من زوجها، ولتتفرغ للمسؤوليات الجديدة التي طرأت على حياتهما، وخلال تلك الفترة نشطت بشكل كبير في مجال العمل الطوعي.

لكن عندما نشب الخلاف بين زوجها ورئيس الوزراء حينها مهاتير محمد، تم اتهام زوجها بقضايا أخلاقية، وتم اعتقاله أثناء تنظيمه لاحتجاجات شعبية ضد الفقر 1998، وبعد أن أودع زوجها السجن حاولت تخليصه من التهم الباطلة عبر تنظيم احتجاجات شعبية قادتها إلى تزعم المعارضة، لتصبح زعيمة للحركة الإصلاحية الوليدة في ذلك الوقت (حركة العدالة الاجتماعية)، وهي منظمة غير حكومية مدافعة عن الحقوق المدنية.

 

من المعارضة إلى القيادة

لم تكتفي عزيوة وان بالدفاع عن زوجها، بل تبنت الكثير من القضايا الاجتماعية وعلى رأسها محاربة تفشي الفساد وانتشار الفقر، الأمر الذي أسس لقبول شعبي مكنها من دمج المعارضة في حزب لتترأسه وتقوده من داخل البرلمان، إذ أسهمت في تأسيس حزب (كابلان ناسيونال) المعارض في 4/4/1999م وتولت رئاسته، وفي 3/8/2005 عملت على دمج حزبها مع (حزب الشعب الماليزي) لينشأ حزب جديد (حزب العدالة الشعبية) وأصبحت هي رئيسته.

انتخبت كعضوة في البرلمان من 1999 إلى 2008، قادت المعارضة في البرلمان من 2015 إلى 2018، ولم تتوقف إلى أن تم إصدار عفو ملكي عن زوجها ليخرج من السجن ويستأنف نشاطه السياسي.

 

بين السياسة والعمل الاجتماعي

فازت وان عزيزة بمقعدها البرلماني في بيرماتانج باوه، في الانتخابات العامة الماليزية الثانية عشرة بأغلبية، وكانت مدعومةً من قِبَل جميع الأحزاب المكوّنة من Pakatan Rakyat لقيادة المعارضة، في مجلس النواب، في البرلمان، وتعتبر هذه هي المرة الثانية التي تتولى فيها وان عزيزة، البالغة من العمر 62 عاماً، قيادة كتلة المعارضة في البرلمان، الذي عادت إليه بعد سبع سنوات.

وعلى الرغم من فوزها بأغلبية كبيرة استقالت وان عزيزة من مقعدها البرلماني في بيرماتانج باوه، في 31 يوليو/تموز 2008، لإفساح الطريق لزوجها، الذي فاز في الانتخابات الفرعية اللاحقة، في 26 أغسطس/آب 2008 بأغلبية كبيرة.

ورغم انشغالاتها بالأعمال السياسية والطوعية لم تهمل وان عزيزة بيتها وأسرتها، بل وكما تقول ابنتها نوورل أنها كانت تحرص على أن تجمعهم في سفرة واحدة كل أسبوع.

 

العودة إلى السياسة

في مايو/أيار 2018 اشتركت وان عزيزة مع مهاتير محمد في تحالف “الأمل” السياسي المعارض الذي نجح في الفوز بالانتخابات البرلمانية التي جرت في التاسع من الشهر نفسه، وأطاحت بحكومة نجيب عبد الرزاق، إذ حصل تحالف “الأمل” على 113 مقعدا بالبرلمان من إجمالي 222، وهو ما كفل له تشكيل الحكومة، والعودة بمهاتير إلى المنصب الذي سبق أن شغله على مدى 22 عاما، بعد ذلك تم تعيين وان عزيزة في منصب نائبة رئيس الوزراء بموجب اتفاق مع مهاتير.

يذكر أن وان عزيزة لم تتخلى عن الدفاع عن زوجها طيلة فترة سجنه، ناهيك عن قيامها بكل مسؤولياته الأسرية والسياسية، الأمر الذي يؤكد على أن المرأة قادرة على القيام بكل شيء إن أتيحت لها الفرصة.

 

انجازات ودروس

 من يتتبع قصة وان عزيزة يجد فيها الكثير من الدروس والفوائد، نستعرض منها التالي:

  • تستطيع المرأة المشاركة في مختلف المجالات إذا ما حصلت على الفرصة المناسبة.
  • يتوجب على المرأة أن توازن بين أدوارها الاجتماعية، إذ ينبغي على الأم أن تهتم بأبنائها أولاً، أما إذا طرأ عارض ما فينبغي أن توازن بين مسؤلياتها بحيث تعطي كل ذي حق حقه.
  • قوة الشخصية لا تعني التمسك بالرأي إن كان خاطئاً، بل النظر إلى الرأي الأصوب واتباعه.
  • العلم هو السلاح الأنجع الذي يجعل من المرأة انساناً يجدر الثقة به.

 

خاتمة

قد تبدو شخصية وان عزيزة استثنائية إلى حد ما، لكن الأمر ليس فريداً بهذا القدر، فهناك مئات الشخصيات النسائية التي تمكنت من اثبات حضورها بشكل متوازن وواعي على أرض الواقع، والفيصل بين المرأة التي تستطيع والمرأة التي لا تستطيع ليس الظروف وحسب، بل تلعب الإرادة دوراً محورياً في رسم كل قصة نجاح لأي امرأة.

لذا ليس من المستبعد أن نسمع عن قصص معلمات أثرن بشكل قوي على تلاميذهن، كما أنه ليس من المستبعد أن نرى نساءاً لم يحصلن على العمل الذي يتوافق مع تخصصاتهن الجامعية ورغم ذلك أثبتن جدارتهن في مشاريع مختلفة، وليس من المستحيل أن نرى طبيبات يعالجن أمراض المجتمع ويدن فعله السياسي نحو التقدم والنهضة.

 

مصادر

الجزيرة

الحياة

موقع إرم

موقع عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *