سكينة يعقوبي: أم التعليم

  بين النجاح الفردي والنجاح المجتمعي فرق كبير، إذ من السهل أن يحقق أحدهم نجاحاً فردياً في أي مجال، لكن قلة من الناس من يستطيع تعميم نجاحه الفردي ليكون نجاحاً مجتمعياً، ليحقق الأثر المرجو من نجاحه على مستوى المجتمع. تعتبر…

 

بين النجاح الفردي والنجاح المجتمعي فرق كبير، إذ من السهل أن يحقق أحدهم نجاحاً فردياً في أي مجال، لكن قلة من الناس من يستطيع تعميم نجاحه الفردي ليكون نجاحاً مجتمعياً، ليحقق الأثر المرجو من نجاحه على مستوى المجتمع.

تعتبر هذه المقولة قاعدة أساسية في الظروف العادية كيف إن تم تطبيقها في الظروف الاستثنائية، مثلاً في ظروف الحرب!

في الحرب تكثر حالات النجاح الفردي وتختفي إلى حد كبير حالات النجاح الاجتماعي بسبب الضغط الكبير الذي يحدث في المجتمع نتيجة تهديدات الحرب، لكن ثمة شخصيات تمكنت من التغلب على الاستثناء لتصنع واقعها الفريد، من تلك الشخصيات امرأة أفغانية آثرت حياة الرخاء والراحة في أمريكا لتعود إلى حياة السعي والجد في أتون الحرب في بلدها، امرأة تمكنت من التغلب على قهر الحرب بغرس حب العلم ونشره في صفوف المجتمع.

 

التعليم والنشأة

ولدت سكينة يعقوبي لعائلة أفغانية متوسطة الحال، وكان والدها يعمل بالتجارة، أنجبت والدتها 16 طفل لم ينجوا منهم سوى خمسة كانت هي أحدهم، كما تقول في تصريحاتها لم يميز والدها في تربيته بين الذكور والإناث، بل عمل على دعم الجميع في مواصلة تعليمه المدرسي والجامعي.

ولأن الأمراض كانت منتشرة في المجتمع تسببت في موت الآلاف من النساء والأطفال، الأمر الذي دفعها للتفكير بأن تكون طبيبة عندما تكبر، وعندما تخرجت حصلت على منحة في قسم الطب في بلدها افغانستان، لكنها لم تتمكن من الحصول عليها إذ لم يكن هناك سكن طالبات، الأمر الذي دفع والدها إلى إرسالها إلى أمريكا لتواصل تعليمها الجامعي.

 

التعليم والحرب

أثناء دراستها الجامعية اندلعت الحرب في أفغانستان بعد الغزو الروسي، الأمر الذي صعب عليها العودة لزيارة أهلها، ولم تكن وسائل التواصل حينها متاحة لتتعرف على أحوال أهلها، انتشر الفقر والمرض، وعلمت فيما بعد أن أهلها يسكنون في أحد مخيمات اللاجئين.

بعد أن أنهت تعليمها استقدمت أهلها للعيش معها في أمركيا، حصلت على عمل مكنها من مواصلة حياتها مع عائلتها بشكل جيد، غير أن قلبها وعقلها كان في بلادها، هناك حيث تموت آلاف النساء والأطفال بسبب الجوع والحرب، أرادت العودة إلى بلادها لكن لم يكن لديها أي مشروع أو فكرة أو حافز يدفعها للعودة إلى الديار، إلا أن جاءت لحظة نوعية في حياتها، اللحظة التي تغير بعدها كل شيء في حياتها.

أدركت سكينة أن ما أنقذها من الوضع السيء -الذي ترزح فيه النساء الأخريات من بنات بلدها- هو التعليم، ومن هنا قررت أن السلاح الذي يجب أن تستخدمه لإنقاذ هاؤلاء النسوة هو التعليم، التعليم الذي يجعل من المرأة واعية وقادرة على إدراك التحديات التي تحيط بها وكيفية السبل والوسائل التي تمكنها من التغلب على تلك التحديات، كما أن التوعية الصحية وتعليم المهارات كفيلتان بتغيير واقع ملايين من النساء في أفغانستان.

عادت إلى الديار بمشروعها، ورأت مخيمات اللجوء التي كان يقطنها حوالي 7.5 مليون، 90% منهم من النساء الأرامل أو الأطفال الذين يعيلون أسرهم، بدأت بالبحث عن داعمين لمشروعها التعليمي ولم تجد، لذا قررت أن تبدأ بجهودها الفردية، وبدأت من مسقط رأسها مدينة هرات في أفغانستان، وهناك التقت بشيخ ثمانيني طلبت منه أن تستأجر منزله للتعليم فلم يقبل في بداية الأمر، بعد موافقته قامت بالتدريس من منزله، وقامت بتدريب مجموعة من المعلمين والمعلمات، بعد ذلك تم افتتاح 25 مدرسة تعلم فيها 15000 طالب.

 

العمل المثمر والمستمر

خلال الغزو الروسي امتنعت كثير من الأسر الأفغانية إرسال بناتهم للتعليم خشية عليهم، كما أن تهدم المدارس أسهم في تفشي الجهل بين الذكور والإناث على حد سواء، لكن خلال فترة حكم طالبان تم منع الفتيات من التعليم بشكل رسمي، وكان افتتاح مدرسة للفتيات يعتبر جريمة وفقاً لتصريح سكينة يعقوبي، لذا كان من الصعب عليها إقناع كثير من الأسر بإرسال بناتهم للتعليم، لكن بعد أن انتشرت المدارس الصغيرة في القرى وزاد عدد المعلمين والمعلمات الذين تخرجوا من مدرسة هيرات أصبح من الممكن لكثير من الفتيات االصغيرات الالتحاق بالتعليم.

لكن قبل ذلك اعتمدت آلية المدارس تحت الأرض لتعليم الفتيات، وتم تخريج مجموعة كبيرة من الفتيات المتعلمات، بعد حكم طالبان حرصت سكينة يعقوبي على تطوير منهجية التعليم في مدارسها من خلال اعتماد وسائل وأساليب حديثة بعيدة عن أسلوب التلقين التقليدي، كما أنها حرصت على فتح مراكز تدريب لتأهيل النساء ليعتمدن على أنفسهن ليعلن أسرهن، ليس ذلك وحسب، بل عملت على دعم المتدربات ليفتتحن مشاريعهن التعليمية والتدريبية ليتعلم أكبر قدر ممكن من الناس تلك الحرف والمهارات.

من جهة أخرى حرصت على التركيز على الجانب الصحي من خلال تأهيل النساء الريفيات على مبادئ القبالة، والعناية بالأطفال والحالات المرضية من أجل التقليل من عدد حالات الوفيات خصوصاً في الأرياف، وأمام الجهود الكبيرة التي بذلتها سكينة يعقوبي في واقعها حصلت على ثقة الناس، وانتشر مشروعها بشكل كبير مما مكنها من تحقيق حلمها بأن تسهم في إعادة بناء أفغانستان بجيل مثقف وواعي ومتعلم.

 

تتويج أم التعليم

أثمرت جهودها الدؤوبة وعملها المستمر عن سلسلة من المدارس التعليمية، ومجموعة من المراكز التدريبية التي أسهمت في التاثير الإيجابي على 12 مليون أفغاني معظمهم من النساء، ونتيجة لذلك التأثير الكبير الذي أنتجته جهودها حصلت على جائزة وايز للابتكار في التعليم عام 2015م.

جاءت هذه الجائزة لتتوج هذا الجهد الجبار، وتُعرف بصاحبته الجادة التي لم تلتفت لوسائل الإعلام، بل اتبعت صوت ضميرها الذي حركها صوب حاجة مجتمعها، وبدلاً من أن تقنع بحياة الرفاهية والاستقرار في أمركيا قررت العودة لتعيش واقع الحرب مع النساء الأخريات اللاتي لم يجدن فرصة مناسبة للتعليم، لكن بعد عودتها وافتتاحها لمدارس محو الأمية وللتعليم النظامي تمكنّ من تغيير حياتهن إلى الأفضل من خلال الاعتماد على أنفسهن وإعالة أسرهن.

 

دروس مستفادة

من يتأمل قصة سكينة اليعقوبي سيدرك الكثير من الحكم أبرزها أن العمل الفردي يبقى أثره مقتصراً على صاحبه، بينما العمل الجماعي هو الذي يجعل لصاحبه تأثيراً بارزاً في المجتمع، كما يمكننا من خلال هذه التجربة الناجحة إدراك أن التعليم ليس مجرد وسيلة لتطوير الذات، بل هو أساس لتحويل حياة الإنسان نحو الأفضل، لجعله مسؤولاً عن قراراته وقادراً على تحمل نتائجها.

قد تبدو جائزة وايز التي حصلت عليها سكينة يعقوبي جائزة نوعية، لكن الجائزة الحقيقية التي حصلت عليها سكينة يعقوبي هي التأثير الإيجابي الذي تحقق –جراء جهودها- في المجتمع.

 

خاتمة

ما أجمل أن تكون قصة النجاح ذات تأثير جمعي وليس مجرد تأثير فردي، كيف إن تعلق هذا التأثير بتغيير واقع ملايين النساء والرجال!

اليوم وصل عدد المستفيدين من خدمات يعقوبي إلى 12 مليون إنسان، ورغم الحرب والدمار الذي حل بأفغانستان يقوم هاؤلاء المناضلون بالسعي لإعادة إعمار أفغانستان بتسييد العلم ونشره في صفوف الآخرين، ناهيك عن سعيهم لتطبيق ما تعلموه على أرض الواقع اقتداءاً بمعلمتهم سكينة يعقوبي.

 

مصادر:

تيدكس

الحياة

موقع جائزة وايز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *