هبة قاضي: الكتابة كمصدر للتعرف على الذات

في عالم الكتابة تصبح الحروف هواءاً يتنفسه الكاتب، بل تصبح أسلوب حياة يكاد المرء لا يعرف نفسه إلا من خلالها، وبهذا تصبح الحروف صنواً للكاتب، بل وتصبح هي هويته بين الناس فيصفونه بالكاتب أو الكاتبة، وفي واقعنا العربي العديد من الاسماء التي نقشت اسمها في عالم إبداع الحروف، لكن من يتتبع واقع اليوم يرى أن اسم المرأة لا يزال ضعيف الحضور، إما بسبب التهميش وغياب الدعم، وإما بسبب قلة الخبرة وغياب التدريب، وبسبب هذه التحديات التي تواجه المرأة في عالم الكتابة تستمر إشكالية غياب الأسماء النسائية الفاعلة في عالم الأدب.

 

في عالم الكتابة تصبح الحروف هواءاً يتنفسه الكاتب، بل تصبح أسلوب حياة يكاد المرء لا يعرف نفسه إلا من خلالها، وبهذا تصبح الحروف صنواً للكاتب، بل وتصبح هي هويته بين الناس فيصفونه بالكاتب أو الكاتبة، وفي واقعنا العربي العديد من الاسماء التي نقشت اسمها في عالم إبداع الحروف، لكن من يتتبع واقع اليوم يرى أن اسم المرأة لا يزال ضعيف الحضور، إما بسبب التهميش وغياب الدعم، وإما بسبب قلة الخبرة وغياب التدريب، وبسبب هذه التحديات التي تواجه المرأة في عالم الكتابة تستمر إشكالية غياب الأسماء النسائية الفاعلة في عالم الأدب.

لكن منذ أن ظهرت وسائل التواصل الاجاتماعي أتيحت للمرأة فرصة ذهبية لتجتاز أسوار التعريف بالذات، وتفرض نفسها بإبداعها ورسالتها من خلال هذه الوسائل، وفي هذا السياق اخترنا قلماً مبدعاً ومسؤولاً يعكس جانباً من تجربة المرأة في تخطي الصعاب لإيصال رسالة للمجتمع.

هبة قاضي، الكاتبة المثابرة ذات القلم النابض في مختلف المواضيع برزت من خلال عمودها الصحفي في صحيفة مكة، إذ تناولت قضايا وأحداث مختلفة في زاويتها “دبس الرمان” لتناقش من خلاله قضايا المرأة السعودية، وقضايا المجتمع، إضافة إلى جملة من القضايا الإنسانية المتنوعة، كما أنها لم تكتف بتأدية رسالتها في المجتمع من خلال الكتابة، بل انطلقت في عالم التدريب والإدارة لتخدم مجتمعها بشكل فاعل، ولنتعرف على شخصيتها أكثر أجرينا معها هذه المقابلة.

 

هبة قاضي في سطور:

هبة زهير قاضي. ولدت في امريكا ١٩٨١، نشأت في مكة و تخرجت جامعياً من قسم اللغة الانجليزية.

  • من أكثر شخص أثر عليك في تكوينك العام، تكوينك الأدبي بشكل خاص؟

حقيقة أمي و أبي كانا من أكثر الشخصيات التي أثرت علي، فأمي سيدة مكافحة و مثابرة و متقدمة في تفكيرها على وقتها بكثير مما جعلها سيدة أعمال و مثقفة مميزة جدا و ناجحة جدا. فكانت نموذجا للمرأة المتطلعة و المنجزة في وقت لم نكن كفتيات لدينا احتكاك بمجتمع أكبر و قدوات نسائية نتطلع إليها. فكانت أمي لنا خير قدوة.

كما أن أبي رجل حكيم و هاديء جدا و مستمع جيد. فلن أنسى تلك الجلسات التي كنت أقتحم فيها عليه خلوته و أجلس اتحدث اليه لساعات عن أحلامي بأن أكون كاتبة كبيرة و أنشر مع أعظم الكتاب. و كان يستمع اللي بكل تأنٍ و صبر و هو يلوح برأسه في إيحاء بالاستماع. و حين انتهي يقول لي بابتسامة مشجعة ( الله يوفقك و يكتبلك الخير). تلك المساحة من إطلاق العنان لخيالي بدون محاولة لإسقاط الواقع و المنطق عليها كان البداية لمخيلة و طموح صامد في وجه كل العقبات و التحديات التي لحقته.

أما تكويني الأدبي فتشكل كطفلة من خلال القراءة التي بدأتها من عمر صغير لقصص المكتبة الخضراء و القصص المحبوبة و غيرها الكثير من القصص و المجلات  من تلك التي كان الوالد يجلبها لنا بكميات كبيرة من مصر.

أما المرحلة الثانية فتشكلت كمراهقة من خلال روايات آجاثا كريستي، الروايات العالمية مثل ( الكونت دي مونت كريستو، الفرسان الثلاثة، أوليفر تويست، الأمير الصغير ….، روايات لطفي المنفلوطي، يوسف السباعي، إحسان عبدالقدوس.

لدرجة أنه من شدة حماسي و تأثري بما كنت أقرأه قمت بتأليف رواية صغيرة و اسميتها ( حسام اليتيم) و حين أريتها لأمي شجعتني و عرضت أن تريها لإحدى القريبات التي تكتب كتب أطفال و حينها قمت بإخفاء الورق. فحقيقة لم تكن ( حسام اليتيم) إلا النسخة العربية من رواية (دافيد كوبرفيلد) !!

  • ما هو أكبر تحدي في حياتك وكيف تغلبت عليه؟

التحديات كثيرة و لكن حقيقة أبرزها كان التحول لكتابة العمود الصحفي. و من ثم البدأ في طرح مواضيع جريئة و آراء صريحة دون الخوف من النقد أو مخالفة السائد و النمطي.

  • هل أسهمت الكتابة في تحديد هويتك؟ كيف ولماذا؟

كنت أقول و ما زلت أقول أنه رغم ممارستي للعمل و تنوع خبراتي و تحقيقي لعدد من الانجازات التي أفخر بها. لكن لم يكن و لن يكون هناك شيء أعطاني و شكلني و صقلني مثل الكتابة. فالكتابة استفزت أقصى ما في داخلي و معها اكتشفت في نفسي أشياءا لم أكن أدرك أنها موجودة أصلا. كما أن الكتابة سرعت عجلة الفكر لدي و حررت طريقة تفكيري و طورتها. و الأهم أنني أدين للكتابة بأنها أكسبتني ملكة التعاطف و الشعور بالآخرين وعمقت فهمي للحياة و الناس و الذي بالتالي جعلني أقل حكما و أكثر تقبلا لأنماط الحياة المختلفة.

  • ككاتبة سعودية نشيطة، ماذا تعني لك الكتابة؟ وهل تعتبري الكتابة تحدي أم فرصة أم كلاهما أم ماذا؟

لطالما كتبت للمتعة. و لكن الكتابة الصحفية أخذتني في طريق مختلف تماما. فقد وجدتني أشعر بمسؤولية كبيرة من خلال قلمي لأن أكتب شيئا حقيقيا و مؤثرا في وسط هذا الزحام من الكلمات و الكتب. فقد لاحظت ان المكاشفة و الشفافية قليلة جدا في مجتمعاتنا خوفا من الحكم و الشخصنه. فنحن كمجتمع عائلي و عملي نتغير بسرعة شديدة و لا يوجد طرح مواكب يساعدنا على الفهم، التأقلم و الاستمرار فوجدت نفسي أعكس أسلوبي القصصي و حبي للمكاشفة و الشفافية في معالجة مواضيع تكررت كثيرا و لكن الطرح فيها أصبح قديما مثل العنصرية، الحكم على الآخرين، الانصياع و النمطية و غيرها.

  • من خلال دبس الرمان ماهي الرسالة التي أردت إيصالها؟ وهل وصلت؟ إذا وصلت كيف؟ واذا لم تصل لماذا؟

حين بدأت الكتابة كانت هي الوعي. الوعي بأنفسنا و معتقداتنا و كيف ندرك مشاعرنا و ظروفنا و مدى تأثيرها على طريقة حياتنا و مدى نمائنا و تطورنا.

و الآن رسالتي هي التعاطف. نعم أكتب لأعبر عن من لا يستطيعون عن أنفسهم. و أكتب لأُشعر الناس بالتواصل مع ذواتهم و تنمية إحساسهم بغيرهم. لتقل الاختلافات و تزيد مساحة التفاهم و السلام و التعايش.

 

المسار التعليمي:

  • بدأت مجالك التعليمي في مجال اللغة الانجليزية ثم تحولت إلى مجال الإدارة، ما هو أكبر درس استفدتيه من هذه النقلة؟

تعلمت  من الإدارة التدريب وإدارة الأعمال و الاستشارات و ابتكار الأفكار. كما استفدت القدرة على الربط بين المجالات و المواضيع المختلفة للخروج بنقاط التعاون و التشارك و القدرة على بناء الأفكار في مناطق و مجالات استباقية، إضافة إلى اني أصبحت أكثر مرونة و أكثر سرعة في التعامل مع المتغيرات الجديدة و التقليعات الجديدة.

  • سؤالنا في مجال الإدارة، ترى مالذي دفعك لهذا المجال؟ وماهي أبرز الصعوبات التي تواجهك في هذا المجال؟

التدريب و التحدث العام على المسارح و في المحافل هو نشاطات أحقق من خلالها رسالتي في النماء و التأثير الإيجابي. و أعتبرها زكاة علم و عمل تزيدني تطورا و تجعلني دائما على تواصل مع الجانب الإنساني الذي يغذي الابداع في حياتي العملية.

  • حضورك وتفاعلك في مواقع التواصل الاجتماعي غنية وغزيرة ومفيدة، ترى كيف تمكنت من ذلك؟

بالبساطة أولا و بالشجاعة بنشر ما يلامس الناس و يخاطب احتياجاتهم و مشاكلهم الحقيقية ثانيا. و الأهم بالالتزام بالصدق و الشفافية قدر ما أستطيع، في الحقيقة كنت أمتنع عن الكتابة في موضوع ما تماما حين أعجز عنه، لكن من خلال مخالطتي للناس والتحدث بلسانهم وتفكيرهم العادي تمكنت من ذلك.

  • ماهي أبرز الصعوبات التي تعترضك في نشاطك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي؟ وأي وسيلة ضمن مواقع التواصل الاجتماعي تريها هي الأفضل في إيصال فكرتك؟

كانت أبرز الصعوبات ربما هو شخصنة النقد و الهجوم الشخصي في حين أن ما أناقشه أو أكتب فيه مواضيع عامة، و تويتر بالنسبة لي هو الوسيلة الأفضل للتعبير عن أفكاري و نشرها.

  • ضمن كتاباتك هل خصصت مساحة محددة لقضايا واهتمامات المرأة الخليجية بشكل عام والسعودية بشكل خاص؟

نعم بالتأكيد كتبت الكثير للمرأة بصفة عامة. و المرأة في مجتمعي بصفة خاصة. مقالات مثل ( تعالي أوصلك) و (كوني مسرورة في القارورة)، ( سعادة بدون زواج) و ( مجرد أم) و تدوينة ( من مطلقة إلى جميع النساء) كانت مكاشفة صريحة و جريئة لمساعدة نفسي و النساء من حولي على التواصل و تقوية بعضنا بالمشاركة و كأن كل واحدة تقول للثانية ( لست وحدك) مما يشعرنا بالاطمئنان و القوة و العضد.

  • في واقع المرأة الخليجية بشكل عام والسعودية بشكل خاص حدثت تغيرات كثيراً على مدار العقد الأخير، برأيك ما أبرز التغيرات التي انعكست بشكل ايجابي في واقع المرأة؟ وماهي التحديات التي لازالت قائمة من وجهة نظرك؟

هناك الكثير من التغيرات الايجابية بلا شك، اتسعت مساحة الحرية و أصبح للمرأة رأي مؤثر و فكر مستقل و فرصة تكاد تكون مساوية لطرح وجهة نظرها على الساحة.

أما التحديات فكانت و ما زالت هي الحكم الشخصي و توجيه أصابع الاتهام لشخص المرأة في حال كتابتها عن تجاربها الشخصية أو حتى لمجرد السرد أو الطرح. و هذه هي إحدى أكبر مشاكل الأدب و الكتابة في العالم العربي حيث المكاشفة و المصارحة تعتبران محاولة للانتحار الشخصي. في حين أنه في الغرب تعتبر إحدى أقوى وسائل التطور و النماء الإنساني من خلال مشاركة الحقائق و التشكلات الانسانية الحقيقية، مما يساعد إنسان هذه المجتمعات على معرفة نفسه و فهمهما و فهم الاخرين.

و طبعا من أهم التحديات هي الصعوبات في الموائمة ما بين ما نشأنا عليه كواجبات و التزامات و ما بين ما نتوعى به من حقائق إنسانية و أفكار تطويرية جعلتنا ممزقين و مشتتين لوقت طويل.

ليس من السهولة أن يتمكن المرء من المواءمة بين واجباته الأساسية وتطلعاته الطموحة إلا من خلال الموازنة بين قدراته الفعلية واحتياجات المجتمع، أي من خلال توظيف قدراته البسيطة وتفعيلها في واقع المجتمع لتصبح ذات تأثير كبير وحقيقي، ونعتقد أن كاتبتنا من خلال جهودها الشخصية سعت لتحقيق هذه المعادلة، وحتى تثمر وتحقق نتائج هذه المعادلة ينبغي أن تستمر جهود الكتاب والواعين في المجتمع، وفي “دبس الرمان” نشهد استمرار هذه الجهود المباركة التي تخبرنا أن هناك نساءاً يحملن القلم كهوية، وكأسلوب للتعبير عن الذات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *