هنادي.. أول محامية عربية كفيفة

منتدى المرأة الخليجية/خاص

 

فقدت نعمة البصر وهي في الرابعة عشرة من عمرها نتيجة انفصال بشبكية العين، ولم تقف إعاقتها حائلا للتوقف عن العطاء بل أصبحت نموذجا يحتذي به المبصرون قبل المكفوفين.

تتعايش مع هموم موكليها المبصرين وأقرانهم من ذوي الإعاقة وتدافع عن حقوقهم ببصيرتها في قاعات المحاكم الكويتية، فلم تثنها إعاقتها البصرية عن إثبات ذاتها وتحقيق هدفها لنشر مفاهيم العدل وإنصاف المظلومين ورد الحقوق.

امرأة أصرّت على مواجهة التحديات وكسر الظلام بإرادتها وعزيمتها أمام منصات القضاء لتنضم إلى قافلة المحاميات وتصبح أول عربية كفيفة حاصلة على رخصة مزاولة مهنة المحاماة بعد 12 عاما من المطالبة والانتظار، وأول كويتية من ذوي الإعاقة البصرية تترافع في محاكم العدل.

إنها قصة كفاح خرجت إلى النور لتصبح تجربتها مثالا للتحدي وحافزا للكثيرين.. إنها المحامية الكويتية هنادي جاسم العماني، من مواليد 24 مارس 1968م، وحاصلة على ليسانس حقوق.. وهذه قصة نجاحها..

 

* الطريق نحو الحلم:

 كانت طفولة هنادي جاسم كباقي الأطفال المبصرين تشع حيوية وبراءة وشقاوة. درست في المدارس الحكومية العادية بدءا بالروضة ومرورا بالمرحلة الابتدائية وحتى المتوسطة، إلا أنها التحقت بمدرسة خاصة بالمكفوفين في المرحلة الثانوية عندما فقدت بصرها، وحافظت على تفوقها في جميع المراحل.

وبعد أن تخرجت من الثانوية العامة بتقدير عال، قررت أن تتجه إلى تخصص لم يلتحق به غيرها من المكفوفين في الكويت، فالتحقت بكلية الحقوق بجامعة الكويت.

عانت كأقرانها من المكفوفين من عدم توفر مراجع مطبوعة بطريقة برايل، ولكنها تغلبت على هذه المشكلة بمساعدة أهلها حيث كانوا يقرؤون الكتب ويسجلونها على أشرطة ومن ثم تقوم هي بكتابتها بطريقة برايل، الأمر الذي انطوى على مشقة عظيمة لكبر وضخامة الكتب، وعدم مراعاة الأساتذة للجهد الذي كانت تبذله وعدم تقديمهم المساعدة أبدا، إلا أنها نجحت في شق طريقها نحو التخرج والتفوق.

بعد التخرج، تدربت في مجال المحاماة لفترة من الزمن، ثم حصلت على وظيفة في إدارة مدارس التربية الخاصة كباحثة إدارية لعدة سنوات، انتقلت بعدها إلى مطبعة للعمل كمدققة برايل، وهناك تم ترشحيها لمنصب رئيسة المطبعة.

التحقت العماني عام 1992 بمكتب محاميين اثنين للتدريب، في البداية رحبا بالفكرة ولكن سرعان ما أظهرا تخوفهما من انضمامها للتدرب معهما. وعام 2011 عاد حلم مزاولة مهنة المحماة إلى العماني فتقدمت إلى جمعية المحامين الذين أبدوا تخوفهم في البداية من السماح لها من مزاولة المهن، ولكن بعد أن رفضت العماني الاستثناء سمحوا لها بخوض التجربة التي ستقودها إلى تحقيق حلمها.

حصلت هنادي على رخصة مزاولة المهنة من جمعية المحامين الكويتية في نوفمبر 2014م، وقد امتزجت مشاعر العماني بالفرح والرهبة بعد تأديتها القسم، وزادت فرحتها بعد استلامها “الروب” الخاص بالمحامين.

وتزاول العماني اليوم مهنتها باستخدام أدوات مساعدة كالحاسوب ونظام بريل، وأجهزة المسح الضوئي بالإضافة إلى السكرتيرة التي تقوم بتنسيق أعمالها. وتخطط لفتح مكتب محاماة خاص بها لتمارس مهنتها المفضلة بشكل مستقل.

ولهنادي قصة في إتقان التعامل مع الحاسب الآلي، ففي العام 1996 ذهبت إلى معهد الكويت للأبحاث العلمية وعملت على جهاز برايل، وهو جهاز يتم اتصاله بالكمبيوتر ويفسر الكلام، ثم توصلت إلى برنامج ناطق يحول النصوص المكتوبة إلى مسموعة وتعلمت عليه بمفردها، ولديها جهاز برايل نوت وهو رفيقها في كل مكان، وتقوم بتخزين ملفاتها عليه وتحويلها إلى برايل عن طريق برنامج إبصار.

تقول العماني: “تعلمت استخدام الكمبيوتر دونما معلم ودخلت عالم الانترنت بأضوائه وألوانه ودائما ما قمت بإصلاح جهازي وتفكيكه قطعة قطعة ثم أعيد تركيبه إذا ما أصابه عطل وأيضا اعمل على إضافة شرائح الذاكرة والبطاقات لتقوية جهازي والآن أخطط لإطلاق موقع خاص لي على الانترنت”.

 

* مناصب وجوائز وتطوع:

 تعتبر هنادي العماني أول محامية كويتية كفيفة تحصل على رخصة مزاولة المهنة من جمعية المحامين الكويتية. وقد انتظرت هنادي أكثر من 12 عاما للحصول على رخصة مزاولة المهنة، لم تتوان خلالها عن مواجهة الصعوبات على طريق تحقيق حلمها. وتعتبر أول كفيفة تتقن تكنولوجيا الكمبيوتر في الكويت.

تعلمت الاعتماد على النفس وحرية إبداء الرأي وإدارة النقاشات والقيادة، وأنشأت العديد من العلاقات مع المكفوفين في شتى الدول العربية وغيرها، ومثلت بلادها الكويت في مؤتمرات عديدة خاصة بالمكفوفين والمرأة في الهند والأردن وسوريا والبحرين، وغيرها من الدول.

وقد تمكنت هنادي من تبوء العديد من المناصب والمراكز القيادية، ومنها: نائبة رئيس لجنة الحاسوب بجمعية المكفوفين الكويتية في الفترة من 2002- 2006، ونائبة رئيس لجنة المرأة بجمعية المكفوفين الكويتية في الفترة من 2004- 2006، رئيس لجنة المرأة للشرق الأوسط في الاتحاد الآسيوي.

وعضو بالهيئة التنفيذية في الاتحاد الآسيوي للمكفوفين ومندوبة دولة الكويت إليه، وممثلة الشرق الأوسط في الاتحاد العالمي للمكفوفين، وعضو اللجنة الفرعية لتقييم الأجهزة التعويضية بالمجلس الأعلى للمعاقين بالكويت، ومدربة دولية في مجال استخدام الحاسوب للمكفوفين.

كما حصدت هنادي العديد من الجوائز، ومنها حصولها مرتين على “جائزة الماس لذوي الاحتياجات الخاصة”، وأخيرا حصولها على المركز الثالث في مسابقة سنوية لحفظ القرآن الكريم بالكويت.

أما بالنسبة للتطوع في حياة العماني، فقد تطوعت بلجنة الحاسوب بجمعية المكفوفين الكويتية عند إنشاءها للعمل كمدرب حاسوب للمكفوفين، وحاليا مدرب حاسوب في مركز للتنمية المعلوماتية تابع لجمعية المكفوفين الكويتية.

وتطوعت قبلها مع عدة شركات داخل وخارج الكويت في مجال برامج المكفوفين، كتطوعها لاختبار الإصدارات الجديدة لبرامج الكمبيوتر الحديثة لعدة شركات عالمية، كما انضمت إلى اتحادات المكفوفين والمعاقين وتطوعت للعمل معهم وأحبت هذا المجال، ودائما ما تشعر بالسعادة عندما تنجح ويستفاد من أي عمل تقدمه، حد قولها.

 

* هنادي تتحدث عن نفسها:

 «إعاقتي لم تكسر ثقة موكليّ وزملاء المهنة»، هكذا عبّرت العماني عن ردود فعل المجتمع في بداية دخولها الميدان، حيث تباينت الآراء ما بين مؤيد ومعارض بسبب ظروف إعاقتها البصرية إلى أن ذاع صيتها في قضايا الأحوال الشخصية وقضايا ذوي الإعاقة، وترأست لجنة ذوي الإعاقة في جمعية المحامين الكويتية لتستلهم من العتمة شعلة أمل وتقود أعضاءها المبصرين لترشدهم وتنير آفاقهم بكفاءتها المعهودة.

تقول: «أصبح هناك وعي لدى المجتمع الخليجي عموما، والكويتي على وجه الخصوص، بشأن تقبل المحامي الكفيف في ساحات القضاء». وتابعت: “في السابق كان هناك تخوّف لدى المجتمع من إسناد القضايا إلى محامين مكفوفين، نظرا إلى عدم قدرتهم على التعامل مع القضايا بمختلف أنواعها، غير أنه وبعد نجاح تجربتي في كسب القضايا أصبحت مثالاً يحتذى به”.

وأضافت العُماني: بعد التخرّج في كلية الحقوق عام 1992 حاولت التدريب في أحد مكاتب المحاماة ولمست ترحيبا من قبل المحامين المدربين في البداية، ولكن بعد فترة تولّد لديهم شعور بالتخوّف من مواصلة مسيرتي معهم، مما دفعني إلى الابتعاد عن المجال لفترة من الزمن.

وأضافت “في 2011م قدّمت على رخصة مزاولة المهنة، وكان هناك تخوف من قبل جمعية المحامين لكوني كفيفة، إلا أن كفاءتي وقدرتي على التعاطي مع القضايا ساهمتا في تغيير الموازين وعززتا ثقتهم في إمكانياتي”.

وتستطرد بالقول: «كأي عاملة في مهنة المحاماة، لم تختلف حياتي العملية عن زملائي المبصرين، حيث أحرص على مناقشة القضية مسبقا مع المستشارين والباحثين القانونين في المكتب، ليتم إعداد ملف القضية المنظورة في اليوم التالي»، مثنية على تعاون القضاة وتفهمهم لظروف إعاقتها، إضافة إلى موافقتهم على دخول مرافقتها إلى القاعة لمساعدتها.

وأوضحت هنادي أن المذكرة التي يتم تقديمها للقضاة تكون مطبوعة بطريقة المبصرين، بخلاف مذكرتها الخاصة المطبوعة بطريقة برايل، مشيرة إلى اعتمادها على ملكة الحفظ والفهم الجيد في المرافعات.

وذكرت العماني أن مسيرتها العملية لم تخلُ من العقبات والصعوبات، مشيرة إلى عدم توفير القوانين والمراجع القانونية المطبوعة بطريقة برايل، فضلا عن عدم تهيئة بيئة المحاكم وظروف ذوي الإعاقة عموما، والمكفوفين على وجه الخصوص، إضافة إلى صعوبة التنقل بين الممرات والأروقة لعدم وجود علامات إرشادية.

وتطمح المحامية هنادي لإتاحة الفرصة لجميع المكفوفين لإثبات وجودهم واستخراج الطاقات المدفونة لديهم، وتتمنى من جميع الدول الاهتمام بالمعاقين والإنفاق على مشاريع تنميتهم خصوصا الدول الغنية، “فالمعاق ليس من فقد أي عضو من أعضائه أو من فقد حاسة من الحواس إنما المعاق هو من لا يطور نفسه وقدراته ولا يستثمر ما أنعمه الله عليه من مواهب وقدرات”.

 

* الخاتمة:

تؤمن المحامية الكويتية هنادي جاسم العماني بالحكمة التي تقول “لا حياة مع اليأس”، وتقول: “رسالتي للجميع الإيمان بالقضاء والقدر والتحلي بالصبر، وإننا ابتلينا بإعاقة من الله ولكن لدينا أحاسيس ومشاعر وطاقات يمكن أن نستغلها في عدة مجالات”.

وتخاطب هنادي أولياء أمور المعاقين بالقول: “واجهوا الدنيا ولا تخجلوا من أبنائكم بل افتخروا بهم”. وتطالب بتأسيس جهة مستقلة للدفاع عن هذه الفئات وتبني مطالبهم.

لم تمنعها إعاقتها البصرية من الإبداع والتألق وتحقيق الانجازات، بل غاصت في أعماق العلم وخرجت بمعرفة واسعة.. قدمت نموذجا مثاليا للكفاح والتغلب على المشاق.. قصة نجاحها تمثل دعما وتشجيعا لكل النساء لإكمال تعليمهن وتحقيق طموحاتهن، وإحداث تغيير في حياتهن والمجتمع.

 

* المراجع:

القبس

الجزيرة

كونا

مجلة سيدات الأعمال

مركز قطر الاجتماعي والثقافي للمكفوفين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *