نادية مصطفى: منظِّرة دور المرأة الحضاري

تسود اليوم نظرة نمطية للمرأة على مستوى العالم، نظرة تكاد تنحصر في الجانب الاستهلاكي ليس إلا، نظرة تختصر دور المرأة ووجودها وكيانها في الجسد، بل تلغي أهمية وجودها وقدراتها العقلية لتصبح بذلك مجرد صورة في إعلان أو اسم تاريخي قديم أو مجرد امرأة تحمل اسمًا ما !

 

تسود اليوم نظرة نمطية للمرأة على مستوى العالم، نظرة تكاد تنحصر في الجانب الاستهلاكي ليس إلا، نظرة تختصر دور المرأة ووجودها وكيانها في الجسد، بل تلغي أهمية وجودها وقدراتها العقلية لتصبح بذلك مجرد صورة في إعلان أو اسم تاريخي قديم أو مجرد امرأة تحمل اسمًا ما !

ما بال العالمات إذًا، والكاتبات، والمخترعات والمتفوقات! ألسن نساءً أيضًا ؟! بلى ولكن إعلام الواقع لا يسلط الضوء على هؤلاء النسوة بالتوازي مع الصورة النمطية التي تكرس عنهن، وبهذا تغيب الصورة الحقيقية للمرأة وقدرتها على التأثير الخلاق والفاعل في الواقع.

وبالنسبة لواقع المرأة العربية فتسود نظرة عامة حول المرأة وتختصر وجودها في أدوار محددة؛ لذا عندما تبرز امرأة عالمة أو منظِّرة أو كاتبة تصبح استثناءً في عالم الواقع الذي اعتاده الناس، لكنْ -رغم أنه ينظر إلى هؤلاء النسوة على أنهن استثناء في واقع غلبت عليه المفاهيم الخاطئة والصور النمطية- لا تتوقف هؤلاء النسوة عن الأخذ بيد غيرهن، وتنوير مجتمعاتهن من أجل أن يُسهمن في رسم طريق نور يُغير من تلك المفاهيم الخاطئة، ومن هذه الشخصيات المشرقة أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتورة نادية مصطفى التي سعت بكل جهدها إلى توصيف واقع المرأة المسلمة بعيداً عن المسلَّمات السياسية التبعية، وبعيداً عن المقاربات القديمة التي فشلت في خلق حلول حقيقية تسهم في تفعيل دور المرأة الحضاري في المجتمع، من خلال السطور القادمة نتعرف على الدكتورة نادية مصطفى.

نادية مصطفى في سطور:

ولدت الدكتورة نادية في القاهرة أغسطس 1951، وبسبب طبيعة عمل والدها تنقلت عائلتها في مختلف مدن مصر (السويس، أسيوط، ثم بورسعيد). خلال هذه الفترة تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي في مدارس فرنسية للبنات، والثانوي في مدارس حكومية للبنات، وأخيرًا استقرت العائلة في القاهرة وهناك دخلت الدكتورة نادية جامعة القاهرة عام 1968.

لعبت عائلتها دورًا محوريًّا، في حياتها؛ إذ حرص والداها على تعليمها وإخوتها بشكل قوي دون أن يدفعوهم إلى اتجاه دون آخر.  وعلى الرغم من أن شقيقتها تزوجت في سنٍّ مبكرة إلى أن والديها تركا لها الفرصة لتكمل تعليمها وفق رغبتها، كما لم يتدخلا في اختيارها لتخصصها الجامعي.

وفي مقابلة لها مع موقع منتدى المرأة الخليجية أكدت الدكتورة نادية مصطفى أن اختيارها لمجال العلوم السياسية لم يكن محض صدفة، بل لعبت الأحداث التي حصلت في ذلك الوقت دوراً كبيراً في دفعها لاختيار هذا التخصص، وتقول: “منذ بداية الدراسة الثانوية تبلورت ميولي للقراءة السياسية (مقالات الصحف والجرائد) ومتابعة ما يحدث من تطورات داخلية وعالمية، وأدهشني اكتشافُ العالم الخارجي حين بدأ البثُّ التليفزيوني في مصر 1961 (وكان لي من العمر عشر سنوات حينها). وشعرت بالرغبة في مزيد من الاكتشاف لهذا العالم وحلمت أن أكون دبلوماسية، عندها قررت أن ألتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. إضافة إلى أن هزيمة يونيو 1976 التي حدثت وأنا في السادسة عشر من عمري أثرت عليّ بشكل كبير ووجهتني لاختيار هذا المجال العلمي”.

وأشارت في مقابلتها لمنتدى المرأة الخليجية إلى أن لزوجها الدكتور حسين سعد (أستاذ الهندسة الفيزيائية بالوكالة المصرية للطاقة الذرية) دورًا كبيرًا في نجاحها الأكاديمي؛ إذ كان ذا رؤية ناقدة لتداعيات الفساد والاستبداد التي تحيط بالواقع، فحرص على دعمها في مسيرتها التعليمية منذ بدأت مسيرتها الأكاديمية كمعيدة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية إلى أن أصبحت مديرة لبرنامج حوار الحضارات ثم مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، وبالتوازي مركز الحضارة الحضارة للدراسات السياسية، ثم في عام 2010 رئيسًا لقسم العلوم السياسية – بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حتى عام 2012.

صعوبات وتحديات

بالطبع لم يكن الطريق معبداً بالورود أمام الدكتورة نادية لتحقق نجاحاتها، بل كابدت الكثير لتحقق رسالتها في المجتمع. وفي هذا السياق تقول: “في جانب التحصيل العلمي لم يكن هناك الكثير من العوائق التي يمكنها أن توقفني بسبب دعم عائلتي لي، لكني فيما بعد بدأت ألحظ تهافت بعض الزملاء والزميلات على المناصب والأدوار العامة، كما أخذت أشعر –بالتدريج- بالفجوة بين ما نقوم على تدريسه من نظريات، نقلًا عن الغرب، وبين ما نعايشه من مشاكل سياسية واجتماعية، وأخذت اتجاهاتي النقدية للوضع القائم في النمو والتزايد فكريا وحركيا.

وكانت رئاستي لفريق البحث الجماعي في مشروع “العلاقات الدولية في الإسلام” منذ عام   1986 نقطة تحول في حياتي الأكاديمية والعلمية، بل ورؤيتي للعالم كله وموضع أمتنا العربية والإسلامية منه، وبدأت مسيرة جديدة علمية مع “الأصل” بعد أن قطعت مسيرة سابقة مع “الوافد”، وهي مسيرة واجهت تحديات مهمة طيلة ثلاثة عقود حتى الآن”

توازن ونجاح

في سؤالنا لها حول كيف تمكنت من تحقيق نجاحها العلمي والعملي في الجانب الأكاديمي مع الحفاظ على التزاماتها الأسرية والاجتماعية أجابت: “التوازن والانسجام والتكامل من سنن الله في خلقه وفي اجتماع البشر، وآفةُ الآفات الثنائياتُ الاستقطابية والتنافر والصراع، ولكن التدافع أيضًا سنة من سنن الله. ووفقني الله سبحانه وتعالى، بفضله وبكرمه عليّ، أن أحقق هذا التوازن بين شخصيتي وشخصية زوجي، ومن قبل بين أحلامي وتقاليد أسرتي ومجتمعي، وكذلك التوازن بين حبي للعلم وحبي لأسرتي الصغرى والممتدة، وبين حبي لوطني مصر وأمتي والعالم، والنظام والالتزام والإرادة في ظل إيمان قوي بالله وتوكّل كامل عليه، يمكن أن تثمر هذه التوازنات ثمارها، بدون أنانية وغرور أو بدون انسحاق وتهافت. الحمد لله وهبني الله أيضًا مجموعة من الزملاء والتلاميذ الذين أعانوني وكان لهم فضل كبير عليّ”.

دراسات وانجازات:

من يتابع مسيرة إنجازات الدكتورة عبر المعلومات المتوفرة في النت يرى أنها أثرت المكتبة العلمية السياسية والفكرية بالعديد من الدراسات والأبحاث في عدة مجالات متعلقة بالسياسة في بعدها النظري، إضافة إلى القضايا المعاصرة المتعلقة بالدول العربية والإسلامية والقضايا المتعلقة بالإسلام وقضايا الإرهاب، وقضايا المرأة وغيرها من القضايا المعاصرة، تعددت مجالات اهتمام د.نادية مصطفى داخل حقل العلوم السياسية ويمكن تصنيفها في المحاور التسعة التالية:

أولاً- دراسات نظرية: 

أ-عن المنظورات المقارنة في العلاقات الدولية.

ب- نحو منظور حضاري إسلامي لدراسة العلاقات الدولية.

ج‌- منهجية في بناء مفاهيم.

د- الفكر السياسي الإسلامي والعلاقات الدولية.

ه_ التاريخ الإسلامي في دراسة النظام الدولي.

ثانياً- العالم العربي والعالم الثالث والقوى الكبرى والنظام العالمي:

أ‌- مصر والقوى الكبرى.

ب-العالم العربي والعالم الثالث والقوى الكبرى.

ج-تفاعلات القوى الكبرى مع الصراع العربي الإسرائيلي.

د- المنطقة المتوسطية.

 ثالثاً- الأمة الإسلامية : دراسات العالم الإسلامي في النظام الدولي الحديث والمعاصر:

أ‌- تطور وضع الأمة الإسلامية في النظام الدولي.

ب‌- الأقليات المسلمة في العالم: بين الاندماج والتبعية والاستقلال.

ج-التفاعلات البينية الإسلامية.

د-العالم الإسلامي والقوى الكبرى.

رابعاً- العلاقات مع الآخر وحوار الحضارات والأديان والثقافات في ظل العولمة : رؤية حضارية إسلامية:

أ‌- العالم الإسلامي بين التحدي والاستجابة في ظل العولمة: بروز الأبعاد الثقافية.

ب-حوار الحضارات والثقافات.

خامسًا- قراءة في أعمال رواد الفكر الحضاري.

سادسًا- قضايا مجتمعية ومدنية:

أ‌- الهوية والمواطنة وحقوق الإنسان.

ب‌- العنف والسلام.

ج‌- قضايا المرأة.

د- التعليم العالي والتطوير من منظور حضاري.

سابعًا- السياسة الخارجية المصرية.

ثامنًا- إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي:

أ-القدس.. دلالات في معنى الصراع.

ب-بين التسوية والحرب والمقاومة.

ج-القوى الدولية والصراع العربي- الإسرائيلي.

د-إسرائيل من الداخل.

تاسعًا- في ثورة 25 يناير 2011:

أ‌- البعد الداخلي.

ب‌- البعد الخارجي.

خاتمة:

أمام هذه القامة العلمية المتميزة ينبغي علينا أن ننهل منها دروس الإصرار والإرادة، والتوازن والطموح والتعايش مع متطلبات الواقع؛ لأن كل هذه القيم هي التي شكلت مسيرة الدكتورة نادية مصطفى خلال سعيها لتحقيق انجازاتها، ويجدر بنا أن نشيد بتجربتها وغيرها من النساء الرائدات اللاتي يحاولن أن يسهمن بكل جهودهن من أجل تجسير الفجوة بين واقع المرأة وواقع المجتمع.

وبعد أن استعرضنا هذه التجربة يمكن أن نتيقن بأن غياب المرأة عن التأثير في الواقع ليس حقيقيًّ، وإنما هو مصطنع بسبب تأثير وسائل الإعلام، فالمرأة المسلمة لازالت موجودة في المجتمع، ولا زالت تسعى بكل طاقتها لتفعّل دورها وتحقّق وجودها ليس من أجل حل قضاياها النوعية فقط وإنما من أجل حل كل الإشكاليات التي تواجه المجتمع في سبيل بنائه. ولا يكون ذلك إلا من خلال خلق نظرة تكاملية للتحديات وتوزيع الأدوار بشكل متكامل من أجل مواجهتها؛ وبذلك يمكن أن يتم تجاوز الإخفاقات السابقة والتي اعتمدت على منطلق جزئي وليس كاملًا. وحتى تتمكن الدكتورة نادية مصطفى _وغيرها من المنظّرين_ من تطبيق مقارباتها ودراساتها على أرض الواقع ينبغي أن تتعاون مختلف أطراف المجتمع لتكمل دور بعضها البعض، بغير ذلك ستبقى الإشكاليات قائمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *