النسوية وتفكيك الأسرة في المجتمعات الغربية {1}

بسام حسن المسلماني

 

تجاوزت الحركة النسوية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فكرة أنها حركة حقوقية، تطالب بحرية المرأة ومساواتها مع الرجل، إلى مفهوم أعم وأوسع، يحاول إعادة تفكيك كل شيء وصياغته من جديد ـ المفاهيم، التاريخ واللغة والرموز والفن والفلسفة والأدب – استنادا إلى رؤية أنثوية تتم في إطار الفكر النسوي، وتستفيد من فرضياته وتصوراته، وكانت أبرز ما قام به الفكر النسوي في هذا الإطار هو محاولة تفكيك مفهوم الأسرة، وإعادة صياغته من جديد.

خلال هذه السلسلة من المقالات سنحاول رصد النظرة النسوية للأسرة بالشرح والتحليل وجذور هذه النظرة في الفكر الغربي، وبيان تأثير الفكر النسوي في تغيير مفهوم ووظيفة الأسرة في المجتمعات الغربية، وموقف المواثيق الدولية الخاصة بالمرأة من مفهوم الأسرة، وتيار مناهضة النسوية في الغرب.

 

النظرة النسوية للأسرة (1):

في عام 1955م انطلقت في الولايات المتحدة الأمريكية حركة الحقوق المدنية للسود، حينما رفضت امرأة سوداء في الثانية والأربعين من العمر تدعى روزا باركس Rosa Parks أن تترك مقعدها لرجل أبيض صعد الباص، وأدى ذلك إلى محاكمتها بتهمة عصيان قانون التمييز العنصري؛ مما أدى إلى إشعال ثورة ضد التمييز العنصري، وفي الوقت ذاته كانت هناك مظاهرات طلابية عامة يقودها اليساريون ضد الحرب في فيتنام.

في ظل هذه الأوضاع ظهرت مجموعات نسوية تطالب بحق المرأة في المساواة بالرجل، وقد تجاوب الرئيس جون كنيدي مع هذه المطالب، وقام بتكوين لجنة الفرص المتساوية في العمل، للتصدي لمشكلات المرأة، وقد أدى فشل هذه اللجنة إلى ظهور (المنظمة الوطنية للمرأة) التي أسستها بيتي فريدان، واستقطبت هذه المنظمة غالبية المجموعات النسوية، خاصة اليسارية.

بعد اتساع عضويتها غيرت المنظمة الوطنية للمرأة اسمها إلى حركة تحرير المرأة، ثم عرفت فيما بعد بالحركة الأنثوية، وأعلنت الحركة عن وجودها من خلال تظاهرة حاشدة في مدينة نيويورك، ومنذ ذلك الوقت بدأت تأخذ الحركات النسوية منحى أكثر تطرفا، وتنتشر خارج الولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا، بل وبلدان آسيا وإفريقيا.

وفي هذا الإطار قامت منظرات النسوية بما أسمينه (عملية التفكيك) وإعادة تركيب الأطر الأساسية لقمع المرأة واسترقاقها وبحسب النظرة النسوية فإن الأطر التي ساهمت في قمع المرأة هي الدين، اللغة، الفن الأسرة، وقد سعت الحركة لتفكيك هذه الأطر وإعادة صياغتها من جديد. ما يهمنا في هذا الصدد هو الإطار الأسري.

 

تفكيك مفهوم الأسرة:

بحسب رأي النسويات فإن الزواج يمثل النظام القانوني الذي يسوغ حبس المرأة فيما يسمى الأسرة، فالنسويات يرون أن الزواج والأسرة هما التجسيد العملي لتصورات الرجل والميدان الذي يمارس فيه نزعته الاستعبادية المشروعة دينا وعرفا.

وتعد بيتي فريدان مؤسسة الحركة النسوية هي المنظرة الرئيسة لهذه الآراء، من خلال كتابها “الغموض الأنثوي” (Betty Friedan, The Feminine Mystique) (2)، والذي صدر عام 1963م، والذي طرحت فيه أن تحرر النساء يبنى على تحريرهن من فكاك الأسرة، والتخلي عن  أدوارهن الإنجابية والخدمية، وانتقالهن إلى المجال العام.

كما شنت بيتي فردان هجوما عنيفا على مفهوم الأسرة وأسمتها بمؤسسة إخضاع المرأة، وطرحت في المقابل مفهوم العمل المرن، والتمييز الإيجابي. وعقدت مقارنة بين موقف النساء الممنوعات من التصويت والانتخاب، وبين الأمريكيين من أصول أفريقية. مؤكدة على أنه من خلال مشاركة النساء في منظمات مناهضة العبودية، أدركن أنهن أيضا يعانين من نوع من العبودية، وأنهن أيضا يحتجن إلى التحرر.

مهدت فريدان بكتابها “الغموض الأنثوي” الطريق للنسويات للسير على خطاها في تفكيك مفهوم الأسرة، حيث قامت الكاتبة النسوية شولاميث فايرستون في كتابها “جدلية الجنس”  بنقض مفهوم الأسرة، والدعوة إلى تحرير المرأة والثورة ضد سيطرة الرجل، “وبذلك يصبح الطريق ممهدا لانهيار البنيات الاجتماعية والثقافية وهي الأسرة، والزواج، والأمومة. وهي البنيات التي تقدم الدعم الأيديولوجي لهذا التقسيم الجنسي”.

وتدعو الكاتبة النسوية “مونيك ويتق” إلى ثورة أنثوية لا لتغيير النظام السياسي والاجتماعي فحسب، وإنما لتغيير نظام الأسرة والعلاقات الشخصية. وترى أن أول عوامل نجاح هذه الثورة، هو توعية النساء أي أن يترسخ في وعيهن أنهن موضوع الهيمنة والاحتكار.

واعتبرت  ويتق أن العلاقات السحاقية هي البديل للنظام الأسري حيث تقول: “حاليا يتيج السحاق النمط الاجتماعي الوحيد الذي يمكن أن نعيش فيه بحرية، فالسحاقية هي المفهوم الوحيد الذي أعلم أنه يقع خارج نطاق التقسيم الجنسي (رجل – امرأة)، لأن من تسمي سحاقية ليست امرأة، لا اقتصاديا ولا سياسيا ولا أيدلوجيا).

وشهد العقد السابع من القرن العشرين ظهور كثير من الكاتبات الأنثويات اللائي يدعمن آراء فريدان وفايرستون، منهن على سبيل المثال “جيرمن جرير” والتي دعت للتحرر الجنسي كوسيلة للحرية الكاملة من الأسرة، كما طالبت النساء برفض الزواج.

كما اشتهرت شارلوت بانش التي رأت في الشذوذ قمة تحرر المرأة ورفضها لهيمنة الرجل، كما رأته رمزا لتحدي المرأة للأنظمة القمعية الأبوية والاجتماعية والإيديولوجية.

وكتبت شارلوت قائلة في “السّحاق والحركة النّسائيّة 1975”: “إنّ المرأة السّحاقيّة ترفض الهيمنة الجنسيّة/ السّياسيّة الّتي يُمارسها الذّكر، وتتحدّى عالمه وتنظيمه الاجتماعيّ، وأيديولوجيّته وتعريفه لها على أنّها أدنى منه”(3).

حتى وصل الأمر بأحد الناشطات النسويات (تي غريس أتكينسون) للقول: “لو كان الفيمينيزم النظرية، فالسحاق هو التطبيق”،  if feminism is theory , lesbianism is the practice”” (4).

تبنت الحرة الأنثوية البريطانية دعوة الأنثويات الأمريكيات، فخلال المؤتمر التأسيسي الأول للحركة النسوية البريطانية دعت المؤتمرات إلى: “التغيير الكامل للمجتمع من القاعدة إلى القمة، ليس فقط تغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي، ولكن تغيير نظام الأسرة والعلاقات الشخصية”. وظهر أول تنظيم يدعو لاعتماد الشذوذ بديلا للأسرة في مدينة ليدز البريطانية عام 1979م(5)، باعتباره الهوية الصحيحة للمرأة. كما سارت النسوية الفرنسية على النهج نفسه.

ولضمان نجاح هذه الحملة ضد الأسرة، تقلل النسويات من شأن مفهوم الأمومة الذي يتشكل في إطار مفهوم الوظيفة الطبيعية والبيولوجية، وتدعو النسوية إلى الاستفادة من تقنيات الأجنة الحديثة لوضع حد لهيمنة نظام الزوجية باعتباره سبيل التكاثر الطبيعي، وتحلم بعض الكاتبات النسويات من أمثال شارلوت جيلمان بتطوير وسيلة التكاثر اللاجنسي (6).

كما ترتب على الدعوة لنقض النظام الأسري الدعوة النسوية لتحديد النسل، وإتاحة موانع الحمل للجميع وإباحة الإجهاض، ونشطت كتابات النسويات التي تحث على دفع البحوث العلمية الخاصة بموانع الحمل؛ دعما للحرية الجنسية، والإباحية وإلغاء الأسرة.

نلاحظ أن هذه الدعوات في بدايتها لم تحظ بقبول مجتمعي، بل شهدت حالة من الرفض، لكنها بمرور الوقت ومن خلال النشاط والمثابرة أصبحت كلها محاور رئيسة في معظم الوثائق الأممية التي تتناول قضايا المرأة، كما سنرى في الحلقات القادمة       (يتبع).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الإحالات:

(1)اعتمدنا بشكل رئيس في هذه الفقرة على كتاب “الأسرة في الغرب، أسباب تغيير مفاهيمها ووظيفتها، د.خديجة كرار الشيخ، دار الفكر دمشق، ص289-299.

(2) انظر مقالنا قراءة تاريخية لحركة تحرير المرأة الأمريكية (الحلقة الخامسة)، موقع لها أون لاين، على الرابط التالي:

 

http://www.lahaonline.com/articles/view/49581.htm

(3) كتاب: الحركة النّسويّة وخلخة المجتمعات الإسلاميّة، الهيثم زعفان، كتاب البيان ، ص279.

(4).انظر مقال Lesbianism and Feminism، للكاتبة ANNE KOEDT، على الرابط التالي: https://www.uic.edu/orgs/cwluherstory/CWLUArchive/lesbianfeminism.html

(5) الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات، مرجع سابق ، ص279.

(6) مصطلح يستخدم للإشارة إلى عملية الإنجاب دون أن يكون للرجل أي دور فيها، وهذا يفسر الاهتمام بعمليات التلقيح الخارجي المعروف بطفل الأنابيب، وكذلك الاهتمام الملحوظ بالاستنساخ البشري.

 

المصدر: لها أون لاين