غياب دور المرأة في المجتمع : إشكالات وحلول

زكي الميلاد

لا يمكن أن تحضر المرأة، ولا أن يؤسس فكرياً لحضورها، ومن ثم فستبقى غائبة عن المشهد المحلي والعالمي، ولا حل إلا بأن تُفكك الإشكالات ونُوجد الحلول، لابد أن يتم ذلك متواقتاً مع عرض صادق لمنجزات المرأة عالمياً بحيث ينغرس في وجدان وعقل المرأة أنها تمتلك من حريتها مثل ما يملكه الرجل تماماً، وأن من حقها أن يكون لها حضور في المشهد الإنساني، لا أن تكون من سقط المتاع.

يناقش الدكتور زكي الميلاد في ورقة بحثية معنونة بـ المرأة في المشروع الإسلامي المعاصر من منظور نقدي، ويستعرض فيه أهم النقاط المرتبطة بقضية المرأة حالياً، يناقش مختلف الجوانب المتعلقة بدور المرأة في الحركات الإسلامية، وأسباب قصورها، كما يستعرض أحد التجارب الرائدة لعمل المرأة في الحركة الإسلامية في السودان، ويفند أهم النقاط التي أدت إلى نضوج دور المرأة في الحركة الإسلامية في السودان ومراحلها، كما يقدم مجموعة من الانتقادات الموجهة إلى مختلف الأطراف الفاعلين في قضية المرأة بهدف الخروج بمقترحات واقعية يسهل تطبيقها على أرض الواقع ، لتخلق أثرها الإيجابي.

يرى الدكتور زكي الميلاد أن قضية المرأة تنتمي إلى المصطلحات القلقة، تلك التي تظهر بسبب ظروف معينة وتخلق تأثيراتها المتفاوتة حسب درجة أهميتها، ويشير إلى أن فكرة المصطلحات القلقة ليست ظاهرة غريبة، بل أن الثقافة والموروث الإسلامي قد مر بتجارب أخرى مشابهة، مثل مصطلح (الجبر والضرر) الذي ظهر في القرن الثاني الهجري، ومصطلح (الدين والعلم) الذي ظهر في القرن 9هـ بسبب الاحتكاك بين العالم الإسلامي والغربي، وفي عصرنا الحالي ظهر مصطلح (التراث والمعاصرة) الذي خلق تباينات كثيرة، أثرت على مجمل قضايا منها قضية المرأة التي ناقشها في ورقته البحثية.

ترتبط قضية المرأة بالكثير من نقاط الخلاف النابعة من اختلاف وجهات النظر، ففي حين يرى بعض العلماء ضرورة مشاركة المرأة في كل جوانب الحياة بما في ذلك الحياة السياسية، يصر البعض على أن تلك المشاركة انتهاكاً لحدود الإسلام، إذ أنها تخالف قول الله تعالى (وقرن في بيوتكن) كما يرى الشيخ محمد ناصر الألباني، لكن الشيخ رشيد رضا صاحب كتاب (حقوق النساء في الإسلام) يرى أن تلك الآية لا تلغي حقهن في المشاركة والدليل قوله تعالى (والمؤمنون والمؤومنات بعضهم أولياء بعض) فهذ الولاية ترتبط بولاية النصرة الحربية والسياسية إضافة إلى بقية المجالات الأخرى، إلا أن الإسلام أسقط عن النساء وجوب القتال.

يبتديء الدكتور زكي الميلاد باستعراض أهم الانتقادات التي وجهت إلى الخطاب الإسلامي حول المرأة ، إذ أن معظم تلك الأدبيات التي تتحدث حول المرأة لها سمات معينة منها:

  • طابع الاندفاع، كون تلك الأدبيات ظهرت في فترة اتسمت فيها الثقافة الإسلامية بموقع الدفاع، ويشير إلى أنه على الرغم من تغير تلك الظروف إلى أننا لا زلنا نستخدم نفس الخطاب.
  • معظم تلك الأدبيات كتبت من قبل رجال، وليس من قبل نساء، وفي هذا السياق يستعرض الدكتور دراسة للدكتور الباحث منير شفيق حول أراء العلماء المسلمين في قضية المرأة، ويورد 21 اسم رجل، واسم امرأتان، لا ضير في أن يناقش الرجال قضايا المرأة لكن من المحتم أن تشارك المراة في نقاش قضاياها.
  • الطابع التقليدي الذي تتسم به تلك الأدبيات الدينية التي تناقش قضايا المرأة ، تجعلها بعيدة عن متناول النساء المستهدفات، كما أنها تفقد قيمتها إذ أنها لا تناقش القضايا الحقيقة التي تعاني منها النساء.
  • معظم تلك الأدبيات تركز على الجانب الأخلاقي وتهمل بقية الجوانب رغم أهميتها، لذا يجب أن يتم التركيز بشكل متوازن على جانب الأخلاق وبقية الك الجوانب.
  • لا يوجد في مجال البحوث الدينية بحوث وصفية احصائية رغم أهميتها، وبهذا يبقى البحث العلمي في المجال الديني محصوراً في جانب التنظير.
  • الفجوة المتنامية بين جانب التنظير والتطبيق، إذ أن معظم تلك الأدبيات تناقش القضايا وتنتقدها وتقدم حلولاَ لا ترتبط بالواقع، وبذلك تفقد قيمتها التنفيذية.

 يستعرض الدكتور زكي الميلاد المرأة في الحركة الإسلامية أيضا، وأسباب ضعف وغياب دورها الفاعل، كما يقدم نقد المرأة المسلمة نفسها لواقعها في تلك الحركات عبر استعراض مجموعة من المقولات لمجموعة من المتخصصين في مجال قضايا المرأة في تلك الحركات الإسلامية.

تقول الدكتورة منى يكن (لقد اهتمت الحركة الإسلامية بالمرأة، وكان للأخوات نصيبهن من العمل والنشاط، ولكن يجب أن نعترف بأن القسم النسائي لم يبلغ المستوى الذي ينبغي أن يصل إليه، بالرغم من انتشار الدعوة في صف النساء ولا سيّما الطالبات)

ويعلل الدكتور يوسف القرضاوي هذا الضعف بغياب القيادات النسائية، فيقول: (إن العمل الإسلامي النسوي إنما ينجح ويثبت وجوده في الساحة يوم يفرز زعامات نسائية إسلامية، في ميادين الدعوة والفكر والعلم والأدب والتربية)

وتضيف مهجة قحف: إن عدم وجود أعداد كافية من النساء المؤهلات، هو أنه يحال بين النساء، وبين اكتسابهن لبعض المهارات اللازمة للعمل السياسي. لذلك أعطوا النساء بعض التشجيع، وأفسحوا أمامهن بعض المنافذ كما هو الأمر بالنسبة للرجال عندها سيتخرج نسوة ذوات أهلية)
ويشير الباحث إلى أن هناك أرآء تقول:  (أن المسألة ذات علاقة بالأصول الاجتماعية والثقافية لأبناء الحركة الإسلامية أنفسهم الذين ينحدرون في معظمهم من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، حيث ما يزال دور المرأة محدوداً وثانوياً وتابعاً في معظم الأحوال).

ويخلص إلى مجموعة من الأسباب التي أدت إلى ضعف ذلك الدور:

  • غياب المراة عن مراكز صنع القرار كما ترى الدكتورة منى يكن.
  • هيمنة الرجال على النساء، تأتي من أبرز الأسباب التي تعيق النساء عن الوصول إلى مناصب قيادية.
  • حصر اهتمامات المرأة في قضايا معينة، وتعطيل دورها في جانب الشأن العام.
  • ضعف جانب الرعاية والتأهيل للمرأة في خطط الحركات الإسلامية ككل.
  • عدم تأهيل المرأة لنفسها واقتناعها بظروف الواقع.

 يشير الدكتور زكي الميلاد إلى أن هناك معطيات على أرض الواقع تؤكد على أن ثمة متغيرات قد ظهرت على بنية الخطاب الإسلامي، لكنها لم تصل بعد إلى القدر المطلوب، ومن تلك المعطيات:

  • الانتقال من زاوية التنظير إلى زاوية التطبيق، إذ أنه ظهرت خلال السنوات الأخيرة اتجاهات جادة من قبل بعض الحركات الإسلامية للتطوير الخطاب الديني الذي يناقش قضايا المرأة .
  • كما أنه ظهرت تغييرات إيجابية في واقع المرأة بسبب انتشار التعليم، ونتيجة لظروف أخرى.
  • تعالت أصوات النساء أنفسهن للمطالبة بحقوقهن.
  • تراجع وانحسار التيار التقليدي.
  • الاهتمام العالمي بقضايا المرأة جعل من المحتم الاهتمام بققضيتها من قبل مختلف التيارات الإسلامية.

 ويستعرض الباحث تجربة المرأة في الحركة الإسلامية في السودان، كونها أحد أهم التجارب الرائدة على مستوى الحركات الإسلامية الأخرى بسبب تمكين المرأة من مناصب قيادية، إضافة إلى التأثير الكبير الذي تقدمه النسوة للمجتمع من خلال انخراطهن في الشان العام.

ويشير إلى أن كل تجربة تمر بعدة مراحل حتى تظهر بشكلها الحالي، ففي مرحلة سابقة كانت الحركات الإسلامية في السودان مثل بقية الحركات الاسلامية مرتبطة بشكل كبير بالموروث وتساير المعهود التقليدي، لكن ولظروف عدة أبرزها ظهور الحركات الشيوعية في 1964م ، التي استخدمت دور المرأة بشكل كبير لتوطد وجودها عبر تشكيل الاتحاد النسائي، رأت الحركات الإسلامية ضرورة أن يتم تفعيل دور المرأة فظهر ما يسمى بالجبهة النسوية الوطنية، لكن التجربة لم تنضج إلا في مرحلتها الثالثة، بعد أن دخلت كثير من القيادات الإسلامية إلى السجون، وهناك وجدوا أنفسهم في خلوة مع الأسئلة الحقيقية، وبمجرد أن خرجوا من السجون صاغوا رؤيتهم الجديدة حول واقع المراة وأهمية مشاركتها، وبهذا ظهرت المرحلة الثالثة وهي مرحلة ارتبط الفقه الأصولي بالوعي المجتمعي، مما أثر بشكل كبير وإيجابي على تفعيل دور النساء في مختلف المجالات.

ويؤكد الدكتور زكي الميلاد في خاتمة بحثه: أن أي تطور اجتماعي لا يمكن أن يحصل بمعزل عن المرأة. وأن تطوير المرأة يضيف للمجتمع عاملا أساسيا وحيويا للغاية في إنهاضه، لما تمثله المرأة من كثافة عددية، وموتقع خاصة كزوجة، وأم، ومربية، ومعلمة، وكاتبة … الخ.
والحركة الإسلامية كعامل إحياء وإصلاح ليس على صعيد الرجال فحسب، بل بما يشمل المرأة أيضا. وهنا يكمن الضعف الذي بحاجة إلى أن يأخذ أولويته في الإهتمام عبر مشاريع التأهيل المختلفة.

ويؤكد على أن المرأة هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن الأوضاع التي وصلت إليها، كما أن بيدها القدرة على تحسين تلك الأوضاع، إذ أنه في تجارب عالمية أخرى تمكنت المرأة من تفعيل دورها في المجتمع، بأخذ حقوقها ومشاركتها في مختلف جوانب الحياة.

المصدر:

موقع القلم