المرأة والصحافة

يناقش هذا البحث إشكالية غياب الطرح الجاد للقضايا النسوية في الصحف والمجلات النسائية،ويدؤس أسباب حدوث تلك الإشكالية، كما يقترح حلولاً تساهم في معالجة هذه المشكلة

أ.د.سارة بنت عبد المحسن بن جلوي آل سعود•

 

يعد الإعلام من أقوي الوسائل وأخطرها في التأثير على الإنسان، وصياغة فكرة، وتوجيه اهتماماته، وبالتالي الإسهام الفعال في بناء شخصيته إيجابا وفاعلية أو سلباً وتدميراً،وقد حظيت المرأة بنصيب وافر من اهتمام القنوات الإعلامية ولعل المتتبع لصفحات المرأة في الصحف اليومية، والمجلات النسائية يستطيع تكوين فكرة واضحة عن الدور الذي يقوم به الإعلام بشكل عام والصحافة بشكل خاص في صياغة الأفكار وتوجيه الحياة.

لقد حاولت الصحافة النسائية طيلة السنوات الماضية خدمة المرأة العربية بما تطرحه من موضوعات اعتقدت أنها تهم المرأة بشكل عام ،وفي الوقت نفسه تخدم الفكرة التي يتبناها القائمون عليها دون إغفال لجوانب الربح المادي الذي يفرض على هذه المجالات طروحات معينة تلبية لرغبات الجهات الممولة من جانب ،والمطلب العام من جانب آخر ،بل الملاحظ على كثير من المجلات النسائية اتسامها بالسطحية والتفاهة والبعد عن العمل الجاد والطرح المفيد، حيث نجدها تركز على جوانب مادية وجمالية بحته ،وكأن المرأة دمية فارغة تتشكل حياتها وهيأتها وفق الصورة التي يرسمها لها صناع الإعلام ،وصناع الموضة العالمية،و لكن هذا لا يعني خلو الساحة من مجلات نسائية جادة،وإنما أنا هنا أحاول تركيز الحديث عن ذلك الصنف من الصحافة الذي يعمل على تدمير المرأة المسلمة ومسخ هويتها.

واقع الصحافة النسائية

وباستعراض أهم الموضوعات التي تتناولها تلك المجلات نجد أنها تتنافى مع الأهداف المدعاة من قبلها ، فعلى الرغم من إدعاء كثير من المجلات النسائية إن من أهم أهدافها:

-السعي إلى تحقيق إرشاد المرأة إلى أفضل الطرق لأداء مهامها في المجتمع

-تزويد المرأة بأحدث المعلومات المتعلقة باهتماماتها

-التعبير عن رأي المرأة في قضايا المجتمع

-زيادة وعي المرأة بحقوقها وواجباتها

-العناية بالمشكلات العاطفية وتربية النشء

-ترشيد العلاقات الزوجية

-الاهتمام بأخبار المرأة بالخارج

إلا أن الواقع العملي يفند هذه الادعاءات ،ذلك أن السمة الغالبة في الصحافة النسائية هي  التركيز في قضايا فرعية مثل وسائل التجميل ،والمكياج ،والأزياء ،والطبخ والديكور ، المقالات الوجدانية المغرقة في الرمزية والتجريد، أخبار الفنانين ، القضايا المثيرة كالجرائم،و العلاقات المحرمة، وغيرها  ، التركيز على صور الفتيات الجميلات ، استغلال المرأة وجسدها في الترويج للبضائع ،الإصرار على تقديم صورة المرأة بأنها شكل لا مضمون له

إشكاليات الصحافة النسائية في الخليج

لعل من أهم أسباب عجز الصحافة النسائية عن القيام بدورها :الحقيقي هي

-معظم القائمين على هذه المجلات والصحف هم من الرجال

-معظم القائمين على هذه المجلات والصحف ممن تأثروا بالثقافة الغربية وأصبحوا دعاة لها ومروجين لأنماط الحياة الغربية

-خضوع الإعلام إلى ضغوط الممولين والمعلنين لتحقيق الربح المادي بقطع النظر عن هموم الأمة

-إحجام المرأة الخليجية عن ممارسة العمل الصحفي الجاد بصورة احترافية مهنية

-اعتماد الترجمة عن الصحف والمجلات الأجنبية فالترجمة الحرفية لا تلبس المجلة ثوبا عربيا ولا صبغة إسلامية

اتسمت كثير من المطبوعات النسائية بضعف المادة التحريرية وبعدها عن الواقعية مع اعتمادها على الأغلفة الملونة والصور الجذابة كمحاولة لتغطية المحتوى غير اللائق ، على الرغم من محاولاتها في بعض الأحيان طرح موضوعات في غاية الأهمية لمساسها :بواقع المجتمعات المحلية إلا أنه وللأسف تأتي معالجة دون المستوى، ويرجع ذلك إلى عوامل عدة منها

-عدم معالجة الموضوعات أو القضايا الاجتماعية المطروحة بصورة حقيقية جادة

-تعمد هذه المجالات إلى طرح القضية وتركها دون حل، ويكتفى فيها ببيان وجهة نظر المجلة

غالبا ما تكون القضايا الاجتماعية المطروحة عبارة عن ترجمات حرفية لما ينشر في المجلات الأجنبية، وهذه بدورها قضايا لا تهم المجتمعات الخليجية، والعربية، والإسلامية.

  • التركيز على القضايا المطروحة على شخصيات غربية لا تعني القارئة الخليجية أو العربية أو المسلمة
  • التكرار الممل في إعادة طرح القضايا والمشكلات نفسها
  • سعي هذه المجلات إلى تنمية روح الاستهلاك المادي وتأصيل القيم الاستهلاكية لمنتجات الغربية وعلى الأخص في مجال الكماليات
  • البعد العلماني الواضح في تبني بعض المجلات للقضايا النسائية ومحاولة الترويج لأفكار تصادم المفهومات الشرعية
  • التبعية الواضحة لسيطرة الإعلام العالمي وهيمنته في طرح الموضوعات
  •  تعاملها مع شريحة خاصة بالمجتمع وهي الطبقة ذات الإمكانات المادية الجيدة
  • عدم اهتمامها بشؤون المرأة في البلاد العربية والإسلامية التي تعاني من الممارسات العنصرية، والحروب، والمجاعة وغيرها
  • فتح الأبواب أمام أقلام الكاتبات الخاضعات لتأثير تيارات التغريب وفي المقابل التضييق على الكاتبات الجادات والحريصات
  • تجاهل الموضوعات التي تعكس تطور المرأة الخليجية والعربية والمسلمة العلمي، والعملي، والاجتماعي
  • التركيز على الجانب العاطفي والعلاقة بين الرجل والمرأة ،وتجاهل القضايا ذات البعد الاجتماعي، والإنساني ،والإسلامي:ويأتي السؤال

ماذا أفرز هذا الواقع المؤلم للصحافة النسائية في المجتمعات النسائية ؟ وما حدود التغيرات التي استطاع أن يحدثها في محيط البيئة الخليجية كماً ونوعاً؟

أولا: إنها أوجدت تيارات ضاغطة تمارس عملية تحد الدين والقيم، والأخلاقيات

ثانياً: استطاعت تغيير كثير من المفهومات الأصلية المرتبطة بالدين وأحكامه

ثالثاً : قامت بعملية تسطيح ثقافي وانهزام نفسي وتفاهة في الاهتمامات

رابعاً : مهدت الطريق لانتشار الأفكار الشاذة ،والممارسات غير الأخلاقية

خامساً : ترسيخ البعد التغريبي في المجتمعات العربية والإسلامية والخليجية

رؤية مستقبلية

لكي تقوم الصحافة النسائية بدورها الحقيقي المرجو منها ،فلابد من :تحقيق الآتي

-دراسة الوضع الحالي للصحافة النسائية وتقويمه

-تحديد الأهداف الإستراتيجية التي تريد الصحافة خدمتها

-الاستناد إلى المرجعية الإسلامية في الرؤية الصحفية

-تلمس مشكلات المرأة الحقيقية، وطرحها بصورة بارزة عميقة مستقصية للجوانب كلها

-الحد من تطرف التوجه العلماني التغريبي الذي يعمل على هز الثوابت الإسلامية وترسيخ التبعية للغرب

-ترسيخ ملامح المرأة الخليجية المسلمة فكراً، واهتماماً، وسلوكاً

-التدقيق في اختيار العاملين في المجال الصحفي النسائي

-تأهيل صحفيات قادرات على المشاركة الفعالة في طرح قضايا المرأة والمجتمع

-وضع ضوابط محددة للعمل الصحفي مستمدة من قيم الدين، وتراث الأمة، ومثلها

-تصحيح النظرة للمرأة ودورها في عملية التغيير الحضاري

-دعم ثقة المرأة بنفسها، وأخلاقها، وقبل ذلك بدينها، وتراثها الحضاري

-التأكيد على الهوية الإسلامية للمرأة

-تفعيل دور المرأة المسلمة حضاريا وأنها شقيقة الرجل في بناء المجتمع والأمة والحياة

-بث الوعي النسائي العام بواقع المرأة ،وبيان دورها في تفعيل هذا الواقع وعملية التغيير

-الاهتمام بالقضايا التربوية المستمدة من الأصول الشرعية ،والعمل على  تطبيقها

-التدقيق في اختيار الأخبار المنشورة ، والعناية بالشخصيات المقدمة ، والبعد عن الصور المبتذلة الخليعة

-اختيار القصص والكتابات ذات البعد الاجتماعي، والأخلاقي، وترسيخ القيم الفاضلة

-التأكيد على ضرورة تطوير الصحافة شكلاً ومضموناً، وفق منظور يناسب القيم الدينية والحضارية للأمة-

-تشجيع العمل الصحفي بين قطاع النساء من خلال تبني المواهب ، والتأكيد على أهمية العمل الإعلامي

-تقديم الدعم المعنوي والمادي للمجلات الجادة لمساعدتها على الوقوف في وجه تيارات الإفساد، والتغريب، والتسطيح

 

*الرئيس العام لمركز الأمير عبد المحسن  بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية

المصدر: موقع باحثات