نظام الولاية في السعودية.. حديث متجدد

منتدى المرأة الخليجية/ خاص

 

أثار هروب فتيات سعوديات مؤخرا ردود أفعال متباينة في السعودية، وعاد الحديث مجددا عن نظام الولاية، فهناك من يراه ضرورة لتماسك الأسرة السعودية، وآخرون يرونه تقييدا للمرأة السعودية وهضم لبعض حقوقها المشروعة.

وبين هذا وذاك، هناك من يرى أهمية مراجعة الكثير من القوانين السعودية المتعلقة بالمرأة واعتماد ما يوافق الشريعة الإسلامية، وإلغاء العراقيل التي تحول دون حصول المرأة على حقوقها، وغيرها نحاول أن نستعرضها في سياق هذا التقرير..

 

* معنى القوامة في الإسلام

ينطلق المؤيدون لمفهوم الولاية من الآية القرآنية في سورة النساء “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ”، حيث يرون أن الشريعة جعلت الولاية للرجل على المرأة، ومنحته حق القوامة عليها.

والقوامة في الشريعة الإسلامية عبارة عن آلية تنظيمية تفرضها ضرورة ضبط بوصلة الأسرة المسلمة القائمة بين الرجل والمرأة، ويؤكد رجال الدين أن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، وأن القوامة لا تعني إلغاء حقوق المرأة وتهميش شخصيتها.

واضطرت السعودية لتعديل بعض القوانين الخاصة بنظام الولاية على المرأة، بحيث مكنت النساء من الحصول على بعض الخدمات دون الرجوع إلى ولي أمرها، إلا الخلاف حول هذه القضية يتجدد باستمرار، وسط مطالبات بالمزيد من الحقوق المشروعة للمرأة السعودية.

ومؤخرا ظهرت حملة إسقاط الولاية، وهي حملة أطلقتها ناشطات وحقوقيات ونساء سعوديات تهدف إلى إلغاء نظام الولاية على المرأة، وسط مفاهيم مغلوطة بأن القوامة تسلط وتعنت وقهر للمرأة وإلغاء لشخصيتها، وساهمت أخطاء بعض الرجال في الجملة ضد مفهوم القوامة.

 

* ملف الولاية وأنصاف الحلول

تقول الكاتبة السعودية مها الشهري، إنه وبالرغم من أن الفتيات أثبتن أنهن أكثر اهتماما وعونا لأسرهن، وأكثر التزاما بدراستهن وانضباطا في أعمالهن، إلا أن النظرة الاتهامية التي تنظر للمرأة على أساس أنها مصدر للفوضى هي المنطلق الذي يؤسس عليه أكثر المعارضين لإلغاء الولاية على المرأة آراءهم، فيسيطر عليهم تصور حالة من التمرد والانحلال ستنعكس على المجتمع بالاضطراب والعشوائية.

وأضافت: هناك نظرة أشد خطرا من ذلك وهي تفسر ضمنيا على أن الود الأسري لا يستقيم إلا بالسيطرة على المرأة وقمع حريتها، وتكمن خطورته في عدم البناء على ركيزة العلاقات الإنسانية بوصف عام وصحة العلاقات الأسرية بوصف خاص، لأن الأمر في هذه الحالة يعني عدم الثقة بالمرأة وأن تقييدها هو الطريقة الوحيدة التي يستقيم عليها الوئام في الأسر.

وأكدت مها أننا أصبحنا نفند هذا الحق المشروع دينيا وإنسانيا وأخلاقيا بقائمة تطول ولا تنتهي من التعقيدات غير المبررة حتى عند بحثنا عن المخارج والحلول، والتي لا تتشكل إلا من انعدام الثقة بالنساء الذي يتضمن اتهامهن بالانحراف الأخلاقي من جانب، والاعتراف الضمني بسوء التربية الأسرية من جانب آخر.

واستطردت بالقول: لكل امرأة حق التمتع بالأهلية المدنية دون شروط أو قيود، والأمر يتطلب إعادة النظر في الطرق التي تحمي المرأة وتقر بحقها الكامل نظاميا واجتماعيا بالخروج عن مزاجية الولي، لأن الأمر أكبر من أن يدار بأفكار تدور في ذات الحلقة المفرغة، أكبر من تناوله بأنصاف الحلول.

وتقول مها إن الدفاع عن حقوق المرأة كقضايا إنسانية لا يتطلب تحريف الأفكار أو تضخيم الفوارق الواقعية بين المرأة والرجل على أسس تربوية واجتماعية، مضيفة: ليس من الجيد أن يتمخض جدل السنوات الطويل عن حقوق النساء وحدود الرجال إلى حالة من العصبوية انحرفت أفكارها عن المسار الأساسي في تكوين علاقات تكاملية إلى الدرجة التي تحاول قلب الأدوار أو إلغاء الآخر.

 

* أهم محاور نزع الولاية

بينما ترى الكاتبة السعودية فوزية الشهري، أنه لا يوجد شيء اسمه حرية مطلقة، فكل حرية لا قيد لها هي انفلات أخلاقي، ولكل مجتمع خصوصية وقيم ومن غير المعقول اتخاذ نموذج وجعله مفروضًا على الجميع، هذا يسمى إلغاء ثقافي ودمج تعسفي وعدم إيمان بالاختلاف وتقبله.

وتضيف: الحرية ليست حجاباً يرمى ولا دينًا يشتم ولا أخلاقًا تخلع، هي رقي فكر واحترام عقل وبناء مستقبل جميل.

وتقول الكاتبة السعودية سمر المقرن، إنها ليست ضد المطالبة بحقوق النساء أبداً، “وكنت وما زلت إلى اليوم أطالب بحق المرأة ولا أقبل أن يقع عليها أي نوع من أنواع الظلم، لكن الأساس الذي ينبغي أن ينطلق منه من يدافع عن أي حق أن يكون صادقاً، لا أن ينطلق في حديثه بالكذب”.

وتورد الكاتبة مجموعة الأكاذيب التي يروج لها البعض ومنها، أن المرأة السعودية لا تتعالج ولا تقوم بإجراء عملية جراحية إلا بموافقة وتوقيع ولي الأمر، وأن المرأة لا تدرس إلا بموافقة ولي أمرها، وأن المرأة لا تتوظف إلا بموافقة ولي الأمر.

وتضيف سمر قائلة: “عند المطالبة بحقوق المرأة يجب أن نكون منطقيين، وأن تكون المطالب وفق أمور ومظالم فعلاً حقيقية وواقعية، أما الكذب والافتراء فهو ليس إلا هراء لا يصدقه إلا من يريد ذلك”.

وتضيف: سنوات طويلة ونحن نواجه حروباً وفوهات مفتوحة بسبب منع قيادة المرأة للسيارة، واليوم المرأة تقود سيارتها، وأغلقت هذه النوافذ، ولم يتبقَ سوى الولاية على المرأة في التصريح لها بالسفر واستخراج الجواز فقط.

وتتوقع الكاتبة أن هذا الأمر سيتم علاجه في القريب العاجل، مضيفة: “في تصوري الشخصي، أن البيوت السعودية لديها من الحصانة الأخلاقية والتربوية التي لن تجعل المرأة تسافر أو تخرج بدون إذن وإبلاغ أهلها حتى لو تم إلغاء شرط تصريح ولي الأمر لها بالسفر واستخراج أو تجديد الجواز، كما هو الحال مع من لديهن تصاريح سفر”.

وتستطرد سمر بالقول: أنا وغيري كأمثلة نمتلك تصاريح سفر مفتوحة من أولياء أمورنا، لكن من المستحيل أن تسافر الواحدة منّا دون أخذ الإذن من ولي أمرها، كما هو حال الرجل الذي له تصريح بالسفر مع ذلك لا يسافر دون إذن وإبلاغ أهله وأسرته.

وتؤمن الكاتبة بأن هناك نساء وفتيات لديهن معاناة تسلط حقيقية من قِبل أولياء أمورهن، وهذه تظل مشاكل أسرية ينبغي أن تبتعد عنها القوانين، ويظل هذا القانون داخل الأسرة نفسها.

وذكرت المقرن أن ثمة “أنظمة وقوانين مجحفة في حق المرأة في مجتمعنا، ومع فقداننا لأنظمة واضحة تحفظ حق المرأة التي تعاني من تسلط ولي أمرها، فقد اختلط الحابل بالنابل”.

وتعترف الكاتبة السعودية عروبة المنيف بالقول: “نحن لا ننكر أن الطريق ما زال شائكاً أمام النساء في الحصول على حقوقهن”.

وتقول إن السماح بالسفر بدون إذن الولي هو من أهم محاور نزع الولاية التي ينادون بها، فقد أصبح حق حرية السفر للخارج قضية محورية، لأنها أهم ورقة مستغلة الآن في قضية الولاية من قبل بعض الفتيات. وتؤكد المنيف أن هناك الكثيرات ممن تضررن بتقييد حريتهن في السفر سواء للدراسة أو غيره.

 

* يتطلعن للمزيد من الحقوق

بينما تقول الكاتبة السعودية سحر أبو شاهين، إن نظام الولاية في الإسلام لم ينص عليها بالشكل الذي تطبق به الآن في السعودية.

وأضافت أن نظام الولاية بشكله الحالي، والذي يتوقع تعديله في المدى القريب، يجعل حصول المرأة على حقها في السفر والزواج والدراسة والعمل رهن مستوى وعي وتفتح وثقافة ولي أمرها، وإن كان لهذا الولي نصيب من هذا الوعي، سمح لها بالحصول على حقوقها وشجعها وساندها ودعم نجاحها.

وتابعت “أما إذا كان خلاف ذلك فسيكون تأثيره بالسلب على النساء تحت وصايته، وقد يفقدن ويخسرن بسببه، حقهن في اختيار شكل الحياة الذي يطمحن له، وبالتالي يخسر المجتمع طاقة إنتاجيه فاعلة”.

واستطردت، أن النساء في السعودية يتطلعن لكسب المزيد من الحقوق لصالحهن، إلا أنهن في الوقت ذاته يرفضن المتاجرة بهذه الحقوق واستغلالها، واتخاذ البعض المطالبة بها ذريعة لتحقيق مكاسب شخصية.

فيما قالت السعودية لمياء عبدالمحسن، استشارية طبيب أسرة ومجتمع، إن هناك بعض العادات والتقاليد التي تحكم المجتمع السعودي وتتعلق بخصوصيته كما هو الأمر بالنسبة لخصوصية أي مجتمع في العالم العربي، وأن مراحل التغير التي تعيشها المجتمعات تتطور من مرحلة لأخرى.

وأوضحت أن الجوانب القانونية بشأن بالولاية في الوقت الراهن تتعلق بالزواج واستخراج جواز السفر والسفر، وأن المرأة في حالة الزواج يمكنها الذهاب إلى القاضي وإخباره بتعنت ولي الأمر، وحال ثبوت الأمر يملك القاضي أن يزوجها.

وتابعت أن استخراج جواز السفر يستلزم موافقة ولي الأمر، وكذلك فيما يتعلق بالسفر، وأن هناك بعض الفتيات والنساء يعانين بالفعل من هذه العملية،  إلا أنه في الوقت الراهن لا يمثل مشكلة كبير للغالبية.

 

* هل فشلت حملة إسقاط الولاية؟

تحت هذا العنوان، تشير الكاتبة السعودية أريج الجهني، إلى هاشتاق «إسقاط الولاية»، كأكثر الهاشتاقات جدلاً في تاريخ تويتر بالنسبة للسعوديين والمهتمين بالشأن السعودي.

وأضافت الكاتبة أن حملة إسقاط الولاية حملت أطواراً عدة وأسماء مختلفة وعديدة، وأنها بشكل أو بآخر ساهمت في رفع الوعي بشكل ملحوظ بقضايا المرأة وقدمت معلومات كثيرة ومتنوعة للمتلقي، وأظهرت هذه الحملة فتيات مجتهدات أثبتن جدارتهن وقدرتهن في النقاش بعقلانية ورقي وقدمن أفكاراً مقدرة في تحسين حياة النساء.

وتتساءل أريج: لكن أين كان الخلل الذي حدث وجعل البعض يطلق عبارات نابية ضد الحملة ومؤيدها، وهل أثرت هذه الحركة بشكل مباشر أو غير مباشر على الصورة الذهنية للفكر النسوي؟

وتقول إن الخلل الرئيسي في هذه الحملة من ناحية تحليلية هو اللغة، فالعبارة التي وضعت لهذه الحملة أو الحركة «إسقاط الولاية» جعلت الملف يقع ضمن قائمة المشبوهات، وبالتالي يصعب معالجته أو حتى تبني أفكاره بشكل معلن، بل الكثير حسب ما قرأت انسحبن من الحملة، فقط لتجنب الشبهة.

وهذا أمر مفهوم من ناحية منطقية، فلا أحد يريد أن يخسر مكتسباته بسبب مفردة «إسقاط الولاية» مثل هذه المفردة تقفز على ثقافة مجتمع نتربى فيه بداخل أسر ممتدة (الجد والجدة والأخوال والأعمام) فتجعل البعض يرتاب من هذه الفكرة ومن ورائها.

وأضافت الكاتبة أن مفردة كإسقاط مفردة حادة وغير واقعية، كان من الأسلم على الأقل في بدايتها أن تستبدل بمفردة أكثر عملية وتهذيباً، كالنهوض بالفتيات أو معا للتمكين، وغير ذلك، فكلمة الولاية أيضا كفيلة باستفزاز الأسرة، والولاية الحقيقية التي يفهمها السعوديون هي ولاية الحب والتقدير والاحترام.

ورغم ذلك تؤكد أريج أن الحملة حققت مكتسبات مختلفة ومن المعيب الانتقاص من هذا، وتطالب الفتاة أن تعي هويتها كفتاة مستقلة وكفتاة سعودية وكفتاة منتجة، أنتِ ثروة وذات قيمة.

وتؤكد الكاتبة السعودية أفنان محمد حياة، أن قضايا المرأة لا زالت تثير الكثير من الجدل في الأوساط الداخلية، وآخرها كانت موجة المطالبات بإسقاط الولاية.

وتضيف: وباختلاف حجج البعض لضرورة إسقاط الولاية إلا أن هذا الأمر لا يمكن اتخاذه بصورة غير مدروسة أو بدون شروط وأسباب يسقط فيها حق ولي الأمر.

وتقول إن إلصاق إسقاط الولاية بقضايا فردية ومحاولة الضغط من خلالها أصبح موضة نشاهدها من خلال القضايا التي تظهر بين فترة وأخرى.

 

* الخاتمة:

الفهم الخاطئ لقضية القوامة، تسبب في مشكلات في المجتمع، ومنع الظلم من الرجل مهم جداً لإغلاق الثغرات التي قد يستغلها البعض، فهناك حدود وضوابط لولاية الرجل على المرأة والتي يجب فهمها وتطبيقها لحماية الأسرة والمجتمع.

ولا بد من الحفاظ على شخصية المرأة وكيانها، وعدم إلغاء وجودها أو التعدي عليها، وتطوير الأنظمة الرادعة التي تكفل حق المرأة فيما لا يتنافى مع الشرع ويرفع عنها الظلم وتكثيف الوعي لدى المرأة وتبصيرها بحقوقها الشرعية والحفاظ عليها.

 

* المراجع:

عكاظ

الجزيرة

مكة

سبوتنيك

ويكيبيديا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *