العمل التطوعي.. إشكاليات معاصرة ومتطلبات متعددة

منتدى المرأة الخليجية

 

تُعد ثقافة التطوع جزء لا يتجزأ من مفهوم الثقافة بالمعني العام لأي بلد، وتساهم انتشار هذه الثقافة في أي مجتمع في تحريكه، ودفعه نحو المزيد من الإنجاز والإنتاج في ميادين ومجالات العمل التطوعي المختلفة.

وتقاس حيوية أي مجتمع أو ركوده بمستوى الثقافة السائدة لديه، فإذا كان المجتمع تسوده ثقافة منتجة ومتحركة وواعية فإنه يكون مجتمعاً حيوياً ومتحركاً ومتقدماً، أما إذا كانت الثقافة السائدة في المجتمع هي ثقافة سلبية ومتخلفة فان المجتمع سيصاب بالركود وانعدام الفاعلية.

 

ما هو التطوع؟

يعرف العمل التطوعي أو ما يُسمى (بالإنجليزيّة: Volunteer Work): بأنه النشاط المعتمد على تطبيق مجموعة من المسؤوليّات التي ينفّذها الفرد من تلقاء نفسه دون وجود أيّ تكليف أو أمر له من أجل تنفيذه.

وأيضاً يُعرَّف العمل التطوعي بأنّه: فعل مجموعة من الأشياء لأشخاص أو منظمات بشكل طوعيّ، ودون وجود أيّ إجبار أو دفع قيمة ماليّة مقابل هذا العمل.

وتعرف ثقافة العمل التطوعي والتي تسمى بالإنجليزيّة: (Culture of Volunteerism) بأنها واحدة من المكونات الثقافيّة للمجتمعات المدنيّة؛ إذ يُعتبر العمل التطوعي من الخدمات الاجتماعيّة.

كما تُعتبر ثقافة التطوع من أهم الوسائل المفيدة لتنمية شخصية الفرد؛ من خلال المساهمة في دعم التنشئة الثقافيّة، والتكوين الاجتماعيّ عند الأفراد. تسعى ثقافة التطوع إلى تحقيق مجموعة من المهارات، والمعارف، والقيم المرتبطة بأفعال الخير المقدمة لتوفير الخدمات للمجتمع.

 

التطوع كمفهوم شرعي

التطوّع مصطلح شرعي تنزّل به الوحي الإلهي على سيدنا محمد _صلى الله عليه وسلم_ في موضعين من القرآن الكريم، وكليهما في سورة البقرة. ((وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)) وقوله تعالى ((فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ)). وهذه الأيات تؤكد أن مصطلح التطوّع له عمق في تاريخ امتنا الإسلامية، وليس وليد حاجة طارئة أو ظرف مؤقت، الأمر الذي يستلزم ضرورة العناية به، دراسة وتأصيلاً، وفق إشكاليات معاصرة ومتطلبات متعددة.

إذ حظي العمل التطوعي في الثقافة الإسلامية بمكانة عالية من الاهتمام؛ فكم نجد الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة التي تحث على كفالة الأيتام، ومساعدة المحتاجين والمعوزين والفقراء، ومد يد المساعدة للعاجزين والمعوقين، والمساهمة في التعليم ونشر العلم، والحفاظ على البيئة، والمشاركة في العمران والتطوير… إلى آخر ما هنالك من مجالات متعددة ومتنوعة للعمل الخيري والتطوعي.

وفي الغرب، يعد من أهم مظاهر التحضر ازدهار العمل التطوعي، وشدة الأخذ والاهتمام به؛ حتى أصبح ثقافة أصيلة تنشأ الأجيال عليها وتتربى. وما كان ذلك إلا للنتائج الرائعة التي حصدها العمل التطوعي في تلك المجتمعات من خلال مؤسسات تطوعية ذات أعمال منظمة ومتخصصة ومجتمع واعٍ.

 

العطاء والتطوع

يعد مفهوم ثقافة التطوع من المفاهيم الحديثة الطرح، نسبياً، في الخطاب الثقافي العربي، مما يجعل من الأهمية بمكان التطرق لمفهوم ثقافة التطوع، التي يقصد بها منظومة القيم والمبادئ والأخلاقيات والمعايير والممارسات التي تحض على المبادرة بعمل الخير الذي يتعدى نفعه إلى الآخرين، إما بدرء مفسدة أو خطر، أو بجلب منفعة وخير لهم، تطوعاً من غير إلزام أو إكراه، وبلا مقابل مادي.

حيث تؤكد بعض الدراسات، إلى وجود جدل حول مفهوم ثقافة التطوع، وقد انصرف جانب من ذلك الجدل إلى ضرورة التمييز بين العطاء والتطوع؛ نتيجة الخلط بينهما، نظراً لأن التطوع لدى بعض الناس لا يقف عند حدود العطاء المادي، بل يتطلب تخصيص وقت وجهد لمساعدة الآخرين، في حين يرى بعضهم أنه لا ضرورة لذلك التمييز نظراً للتداخل بينهما من الناحية العملية.

بينما انصرف جانب من ذلك الجدل إلى ما إذا كان العمل التطوعي يرتبط بمقابل مادي، فهناك من يرى بأن العمل التطوعي غير مرتبط بمقابل كما تؤكد ذلك بعض الدراسات العربية في هذا المجال، بينما يرى بعضهم بأنه قد يتضمن العمل التطوعي مقابلاً مادياً لا يساوي قيمة العمل نفسه وفق ما ورد في بعض الدراسات الغربية. وفقا للدكتورة مريم لوتاه.

 

المرأة والتطوع

لا يخفى على أحد أهمية العمل التطوعي وفوائده ومكتسباته الإيجابية على الفرد والمجتمع والأمة، ولكي يكون العمل التطوعي فاعلاً ومؤثراً يستلزم أن يشارك الجميع في تنمية وإنماء العمل التطوعي والخيري، وأن لا يقتصر على شريحة دون أخرى، أو جنس دون آخر، بل يجب أن يشارك كل فرد في العمل الخيري والتطوعي بما يستطيع، وبما هو متاح.

والمرأة ـ كما الرجل ـ عليها أن تساهم في إنماء عملية التطوع في الأعمال الخيرية، وأن يكون لها دور فاعل وملموس في دفع عجلة التطور الاجتماعي يقول الله تعالى :﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.

ويمكن للمرأة في مجتمعنا أن تقوم بالكثير من الأعمال التطوعية والخيرية على اختلافها وأشكالها، كالمشاركة في التعليم التطوعي، والتمريض، والتثقيف، ومساعدة الأسر المحتاجة، وحل مشكلات الفتيات، والاهتمام بقضايا المرأة.

وقد أصبح للمرأة مشاركة واضحة في مثل هذه الأعمال التطوعية، ويمكن لها أن تساهم بصورة أكبر من خلال المبادرة في فعل الخير، والشعور بالمسؤولية الدينية والاجتماعية، وتطوير المهارات، وتنمية المواهب، وإنماء الثقة بالنفس، والممارسة الفعلية في العمل التطوعي.

يمكن القول بأن هناك بعض مجالات العمل التطوعي الذي يتناسب ومهارات المرأة وطبيعة أنوثتها، كما توجد مجالات لا يصلح للقيام بها إلا الرجل، بينما توجد مجالات للعمل التطوعي يمكن لكل من الرجل والمرأة المساهمة فيها.

 

هل لثقافة التطوع وجود؟

تحت هذا التساؤل، قالت الكاتبة القطرية، مها محمد، إن “العمل التطوعي في الأساس هو صورة من صور الرفاهية الروحية، وما يسد الكثير من القصور والضعف والثغرات في نواحي الحياة المتعددة”.

وأشارت في مقال لها في صحيفة “العرب” القطرية، إلى أهمية التطوع لكافة الفئات العمرية. مشيرة إلى أنه “في سن الشباب، يفتح التطوع آفاقاً واسعة من التجارب والخبرات لمنتسبيه، مع ما يوفره من فرص عمل أفضل، وحياة نفسية سليمة”.

ونوهت إلى أن “الكبار والمتقاعدون، يُعتبر العمل التطوعي ميداناً مثمراً لهم لتحقيق إنجازات دائمة أو شبه دائمة، مستمدة من ثبات ووعي وخبرات هؤلاء الأفراد”. مؤكدة أن “العمل التطوعي يعود على الجميع بالخير؛ لذلك كان العمل الخيري أو التطوعي من دعائم الدين الحنيف”.

وقالت إن “النظام التعليمي في قطر يشترط حصول الطالب على عدد من ساعات التطوع في بعض مؤسسات الدولة والجهات الخيرية المحددة قبل تخرّجه في الثانوية،”. مستدركة ذلك بالتأكيد أن “ما ينقص هذه الخطوة هو جعلها فاعلة وحقيقية؛ حيث لا يوجد تنظيم حقيقي وموجّه يرسّخ ثقافة العمل التطوعي، بل إن الأمر يغشاه كثير من الفوضى والمجاملات، وينتهي في حالات كثيرة إلى مجرد استمارة تُملأ وتُوقّع دون أن يقوم الطالب بأي عمل”.

وأكدت على ضرورة أن تتحول “الأعمال التطوعية إلى ثقافة أولاً يتربى عليها الأفراد، خاصة مع غلبة الأنانية والفردية على صفات هذا الجيل وسماته”. وشددت على ضرورة “أن يكون التطوع أكثر تنظيماً وتخصصاً، ولا يقتصر على مجهودات الإغاثة والمشاركة في الفعاليات، مع استثمار الطاقات البشرية المتفرغة من العمل والراغبة في إدارة العمل التطوعي وإحيائه”.

واعربت مها محمد، عن تطلعها بأن تكون هناك “رؤية أعمال تطوعية تنشأ من قلب المجتمع، تهدف إلى حل مشاكل المراهقين مثلاً؛ الانحرافات الأخلاقية، وغيرها، وألا ننتظر كل شيء من المؤسسات الحكومية، خاصة أن ذلك أبرز ما يعبّر عن إنسانيتنا”. حسب وصفها.

 

معوقات التطوع

خلال المؤتمر السعودي الثاني للتطوع، قدم الاستاذ محمد منصور ورقة علمية تحت عنوان “ثقافة التطوّع.. المعوقات والحلول” تحدث فيها عن تعثّر العديد من برامج ومشاريع خدمة المجتمع، لاعتمادها على جهود فردية، تنقطع بانقطاع الفرد.

وأشار إلى أن غياب ثقافة التطوّع، وطغيان المصلحة الفردية على الصالح العام، حتى وإن لم يكن هناك تعارض بينهما، أدى إلى اندثار سمة التعاون والتعاضد التي كانت تميّز المجتمع العربي.

وأوضح المنصور أن سبب جهل المجتمع بثقافة التطوّع يعود إلى عدة أسباب، أهمها: ندرة قيام الجمعيات ببرامج لتشجيع التطوّع. إضافة إلى غياب مفهوم التطوّع في المدارس والجامعات ومواقع العمل، وقلة الدعم وندرة التشجيع، وكذا عدم التنوّع في مجالات التطوّع في الجمعيات الحالية.

من جهته، أرجع الدكتور الخليجي، عبدالله أحمد اليوسف، تدني مستوى ثقافة التطوع في المجتمع، وكذا ضعف التفاعل مع مجالات العمل التطوعي إلى الأسباب التالية:

1- غياب ثقافة التطوع لدى الكثير من الناس، وعدم إدراك المضامين النبيلة لأهداف الأعمال التطوعية، وعدم وضوح فوائد ومكتسبات العمل الخيري والتطوعي.

2- اهتمام الأفراد بالقضايا الخاصة، وعدم إعطاء أية أهمية لقضايا المجتمع والمصلحة العامة للأمة.

3- وجود معوقات ومشاكل تعترض طريق العاملين في الأعمال التطوعية مما يدفع بالكثير إلى الابتعاد عن المشاركة في الأعمال التطوعية.

4- اختلاف الأولويات حيث يتجلى ذلك في التركيز على قضايا تقليدية للعمل التطوعي وإهمال جوانب مهمة تحتاج إلى المزيد من الرعاية والاهتمام.

5- تقليدية بعض قيادات العمل التطوعي وعدم قدرتها على إنتاج خطاب ثقافي تطوعي قادر على التجديد والفاعلية والتجاوب مع متغيرات العصر.

 

الحلول

وبحسب الدكتور عبد الله اليوسف فإن الحلول لمعالجة عدم التفاعل المجتمعي مع مجالات التطوع، ورفع مستوى الوعي التطوعي في المجتمع يكمن في:

1- صياغة خطاب ثقافة التطوع بأسلوب جديد قادر على التأثير في الأجيال المعاصرة.

2- التركيز على فوائد ومكتسبات العمل التطوعي للأفراد المتطوعين، كي تزداد القناعة بأهمية المشاركة في الأعمال التطوعية.

3- ترتيب الأولويات في العمل التطوعي بما يناسب كل مجتمع وأمة، وبما يساهم في تلبية الحاجات الجديدة للمجتمع، وعدم الاكتفاء بالأعمال التقليدية كدعم الفقراء والمحتاجين؛ وإن كان هذا من صلب الأعمال التطوعية، إلا إنه توجد الآن أيضاً قضايا مهمة ورئيسة كدعم المتفوقين دراسياً، والمساهمة في تشغيل العاطلين عن العمل، ودعم الإنتاج الفكري والثقافي… إلخ.

4- استقطاب عناصر جديدة للأعمال التطوعية لبعث روح جديدة فيها، وإنتاج الأفكار الجديدة، والبرامج الجديدة، وهذا يتطلب منح الفرصة لقيادات جديدة مؤهلة لقيادة المشاريع التطوعية.

5- العمل على تجاوز العقبات والمشاكل التي تعترض طريق العمل الخيري والتطوعي، وتشجيع المتطوعين ودعهم معنوياً ومادياً لكي يزدادوا نشاطاً و إنتاجاً.

 

الخاتمة

وعطفا على ما سبق، فإن على كل امرأة مسلمة في عصرنا أن تقتدي بتلك النماذج المضيئة من سيرة النساء الرائدات في هذا المجال، وكيف تطوعن للأعمال الخيرية، وكيف استثمرت كل واحدة منهن ما لديها من مواهب وقدرات وإمكانات في فعل ما يمكن فعله في مجال الأعمال التطوعية؟.

فلتساهم كل امرأة بما يمكنها في تنمية مسيرة العمل التطوعي في المجتمع، ولا تستقل أي عمل تطوعي فيه خدمة للناس، فالبحر إنما يتكون من قطرات متجمعة، فلو أن كل فرد من أفراد المجتمع ساهم بما يستطيع في مجال الأعمال الخيرية فإن النتيجة ستكون مذهلة ورائعة.

 

المراجع

العرب القطرية

موضوع

مركز الإشعاع الإسلامي للبحوث والدراسات

لها أونلاين

مجلة الواحة

الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *