العنف ضد المرأة.. وباء عالمي وخطوة للوراء

منتدى المرأة الخليجية/ خاص

 

العنف ضد المرأة مصطلح يشير إلى أي أفعال عنيفة تمارس بشكل متعمد أو بشكل استثنائي تجاه النساء. وهناك مجموعة برامج من أجل مكافحة العنف ضد النساء، وقرار أممي ينص على اتخاذ يوم 25 نوفمبر من كل عام كيوم عالمي للقضاء على العنف ضد النساء، وتستمر الحملة 16 يوما، بهدف تسليط المزيد من الضوء على قضايا ومعاناة المرأة.

وتشير الإحصائيات إلى تعرض امرأة من بين كل ثلاث نساء حول العالم للعنف ولمرة واحدة على الأقل في حياتها. ودول الخليج ليست بعيدة عن هذه الظاهرة، ففي السعودية يؤكد المختصون في شؤون المرأة ارتفاع معدل العنف ضد المرأة بنسبة تصل إلى 87.6%.

وفي قطر، قالت دراسة مسحية إن ثلث القطريات يتعرضن للإيذاء البدني والنفسي والمعنوي. وفي البحرين تقول الإحصائيات إن العنف الواقع على البحرينية بنسبة 0.39%. وفي الكويت كشفت مذكرة حكومية أن عدد حالات العنف ضد المرأة المبلغ عنه بلغ 368 حالة سنويا، وكذلك الحال في الإمارات وعمان، فهل عجزت الحكومات والمنظمات عن وضع حد لهذه الظاهرة التي باتت تؤرق المجتمعات؟

 

* انتهاك لحقوق الإنسان

تنشط الأمم المتحدة سنويا في الفترة الممتدة من يوم الخامس والعشرين من شهر نوفمبر الذي يوافق اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة إلى العاشر من شهر ديسمبر لرفع الوعي العام وحشد الناس لإحداث تغيير لصالح النساء والفتيات. ويتم استخدام اللون البرتقالي والذي يرمز إلى مستقبل أكثر إشراقاً من دون عنف موجه ضد النساء والفتيات.

ويؤكد مدير مركز الأمم المتحدة للإعلام لبلدان الخليج العربية سمير الدرابيع أن “العنف ضد المرأة والفتيات من القضايا الضرورية التي تتطلب تضافر الجهود لمكافحته في الوقت الحاضر، بوصفه وباءً عالمياً”.

ويقول إن أي تحرك لرفض العنف ضد المرأة لابد أن يكون مؤثرا لأن العنف ضد المرأة هو انتهاك لحقوق المرأة وحقوق الإنسان والسلم الاجتماعي، معتبرا أن العنف ضد المرأة بمنأى عن أسبابه أو أشكاله يبقى عنفا مرفوضا ويجب مناهضته.

وأكد الدرابيع أن الحملة العالمية تستهدف أن يكون الرجل شريكا أصيلا برفض العنف ضد المرأة من أجل بناء مجتمع أفضل. ويرى أن الموروث الثقافي قد يشكل عاملا مساعدا في ظاهرة العنف ضد المرأة.

ودعا الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي د. يوسف العثيمين، الدول الأعضاء في المنظمة إلى مواجهة العنف ضد المرأة، بالاستمرار في اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لمنع وتجريم تلك الممارسات التي لا تتماشى مع مبادئ الدين الإسلامي وقيم الرحمة والمودة، إضافة إلى تعزيز دور العلماء للقيام بدور فعال في نشر الوعي من أجل القضاء على تلك الممارسات.

ويؤكد الأكاديمي القطري د. عبدالحميد الأنصاري أن المجتمع الخليجي، تطور كمؤسسات ونظم واتصال وتقنية وتعليم، بفعل الانفتاح الحضاري، وما أفرزه من مظاهر تحديث ووعي بأهمية حقوق الإنسان.

ويستدرك بالقول: إلا أن المنظومة الاجتماعية والتربوية والتشريعية والثقافية والإعلامية، لازالت تستبطن النظرة المنتقصة من المرأة، ولازالت ترى في المرأة كائناً قاصراً.

ويعدد الأنصاري بعض مصادر للعنف، ومنها الفهم المغلوط للقوامة، ونمط التربية السائد، والنظام التعليمي الذي يكرس عاطفية المرأة مقابل عقلانية الرجل، والدراما حين ترسخ تسيد الرجل، والتشريعات المتحيزة، حد قوله.

 

* تجريم العنف ضرورة

فلان ضرب زوجته وآخر حبس ابنته، أحداث متكررة يجب ألا يستسيغها المجتمع وأن ينظر إليها بعين التجريم إضافة إلى أهمية دعم الأنظمة لسن القوانين التي تخرج الفكرة من إطار المِلْكية للمرأة وحق التصرف في شؤونها حتى ولو كان بالعنف.

تقول الكاتبة السعودية مها الشهري، “سنوات مضت ونحن نتحدث عن الإيذاء والعنف الأسري فيما أنها لم توضع إطار قانوني يفرض فيه الواجب وتتحدد فيه العقوبة حتى الآن”.

مضيفة: “لا تزال المرأة عرضة للعنف دون أن تجد قانونا يكفل حقها أو ملجأ حماية آمنا في حال عدم مساعدة الأهل لبناتهم اللاتي يؤذيهن أزواجهن، أو اللاتي يتعرضن للعنف داخل محيط الأسرة”.

وأكدت مها أن ضعف دور الشرطة في هذا الملف وعدم تناول قضايا العنف كقضايا أمنية؛ يفضي إلى عدم تقدم المرأة بالشكوى عندما تتعرض للعنف والإيذاء، ويعكس أيضا مدى التراخي في إيجاد حل جذري لهذه القضية.

بالإضافة إلى ضعف العملية التوعوية في الجانب الحقوقي مما يجعلها تتنازل عن حقها عندما تتعرض للعنف أو تنكر حدوث ذلك من الأصل، ربما لأن الحل المقابل هو الرمي بها في دور الحماية التي هي بدورها عاجزة عن التأهيل النفسي أو الاجتماعي، قد يجبرها أيضا الخوف من السمعة والوقوع في سلسلة طويلة من التوقعات السيئة.

وتستطرد مها بالقول: “إن كان من المفترض ألا يكون الرجل مسئولا عن تصرفاته مع المرأة في مجتمع لا تحكمه القوانين، فإن هذا نمط واضح يعكس مستوى العدالة الاجتماعية، وهذا شكل من أشكال الجرائم العلنية التي لا يوضع لها رادع، والمفترض أن يعامل من يتورط في قضايا العنف كمجرم”.

وأكدت وجود إغفال لقضايا العنف، فبقي العنف في المجتمع أمرا عائليا لا يتم التبليغ عن معظم حالاته ولا يتم التعامل مع تلك الحالات كقضايا جنائية، وإن لم تتم تهيئة المجتمع ومؤسساته فعليا على محاربة هذه الظاهرة فسنشهد كثيرا من الحالات التي تستنجد وتستجدي باحثة عن الإنصاف.

وترى مها أن تطبيق القانون كفيل بأن يأخذ الفرد في حسبانه عقوبة للتصرف الذي يقدم على فعله، ويصبح مسئولا عنه بدلا من أن يتصرف دون أن يحاسب نفسه ثم يتسبب في إيذاء الآخرين.

بدورها، تقول الكاتبة السعودية رقية سليمان إن كافة البشر في جميع أنحاء العالم يضبطون أعصابهم ويفكرون ملياً ولا يتهورون أمام العسكري ورجل الأمن، ويذعنون لما يقرره خوفاً من مغبة عدم الامتثال، إلا أن الأمر يختلف عند بعض الرجال حين يكون النقاش مع الزوجة.

وتؤكد أن تفعيل العقوبة ووقف التنازل ممن وقع عليه العنف، ورفع مكانة المرأة ودعمها معنوياً ومنحها الثقة كفيل بتقليل مظاهر العنف المتفشي في المجتمع، ودون ذلك سيستمر العنف ويبقى المعنِف حراً طليقاً.

بالمقابل، يتساءل الأكاديمي الكويتي د. شملان يوسف: هل القوانين المقبلة التي سيتم تشريعها ستحمي المرأة العربية أو الخليجية من تنامي ظاهرة العنف ضدها؟

ويضيف: “نعرف أن قوانين حماية المرأة من العنف الأسري في معظم بلدان العالم العربي غائبة أو غير فعالة، وبالتالي يتم التعامل معها كحالة اعتداء فردية أو إساءة، وما دام مجتمع الرجل هو المهيمن فلا عزاء للمرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية”.

 

* خطورة العنف الجسدي

ثقافة راسخة منذ قرون عدة، وتتمدد رغم عشرات الإثباتات عن أنه – صلى الله عليه وسلم- لم يضرب أحدا، رغم ارتكاب زوجاته الأخطاء، لكنه بقي رجلا حقيقيا، يوقن في داخله «ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم»، كما تقول الكاتبة السعودية عزة السبيعي.

وتضيف: لم نتخذ خطوة حقيقية تتضمن أولوية تعريف العنفَ بكل أنواعه، وأنه ليس مقبولا دينيا، ولا يوجد مبرر شرعي لقبوله، لعدم فعل النبي له، والفعل أقوى الأدلة، خاصة مع اختلاف العلماء في تعريف الضرب بالآية.

وتؤكد عزة: “لا بد من تعريف وتحديد عقوبات مرتكبه، ثم تشجيع الفتيات على المقاضاة لكل من يمارس العنف تجاههن، دون توجيه اللوم إليهن، أو تهديدهن بالحبس في وحدات الحماية الاجتماعية”.

وترى أستاذة علم النفس وعضو الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية الكويتية د. فاطمة عياد، أن «خطورة العنف الجسدي أن هناك من يوجد له مبررات غير صحيحة مما يدّعون بأنه قواعد دينية»، مشيرة إلى حوادث عنف جسدي مرت عليها مثل «اقتلاع الأعين والحرق واقتلاع الشعر».

وتتساءل فاطمة: كيف تربي المرأة أبنائها وهي تتعرض للعنف والضرب وتهان؟

مضيفة: هذا العنف ليس موجهاً فقط ضد المرأة بل أيضاً ضد الطفل الذي يرى أمه وهي تعنف ويصبح لديه صراع نفسي، وتصبح حياته غير مستقرة، وينسى الأب أن الولد سيكسر حاجز الأبوة عند الكبر وسيكون لديه عنف ضد والدته ووالده مستقبلا.

وتعتقد الكاتبة القطرية سحر ناصر، أن أقسى أنواع العنف الذي تواجهه المرأة في عصرنا يكمن في إجبارها على الخضوع لقيود اجتماعية ظاهرية في مجتمعات معينة ومخفاة في مجتمعات مغلقة؛ حيث يترتب عليها التنازل عن حريتها في التفكير والتعبير واختيار الشريك، بسبب قيود نفسية واجتماعية وأُسرية.

 

* الخط الساخن للمعنفات

هناك نساء صنعن من معاناتهن مع العنف الأسري قضايا رأي عام، ويتضح ذلك مما يتداوله الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي حول قضايا العنف والحالات التي يضطر أصحابها إلى الإعلان عن أنفسهم لتكون محط اهتمام المجتمع وسبيلا للخروج بحل.

وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي الخط الساخن للمعنفات كأسرع طريقة، وأكثرها فعالية في إيصال صوتهن للمسئول، حيث تعد المنصة الاجتماعية الأكبر، التي تجمع بين المسئول والمواطن، الذي غالبا تعثر في إيصال صوته بسبب الإجراءات الإدارية، أو إهمال المتلقي للشكوى.

واحتلت قضايا العنف والتعنيف للمرأة على مواقع التواصل الاجتماعي حيزًا لا يستهان به في التوجه للمسئول مباشرة، أو للجمهور الذي يتفاعل ويساعد بإيصال صوت المحتاج، وطلب الحماية من المعنف الذي يكون غالباً زوجاً أو أخاً أو أباً.

وتقول الكاتبة السعودية ماجدة السويِّح، إن من شرع للمرأة أن تسكت عن حقها في العيش بكرامة واحترام، هو خليط من عادات وتقاليد تثني على المرأة الضعيفة مقابل الظلم والعنف من قبل معنفها، الذي يعرف جيداً أن المجتمع والنظام يحميه.

وأكدت أن المرأة قد تحجم عن إنهاء العنف عبر الطرق الرسمية خوفاً من المستقبل، ومواجهة الجاني أو المجرم في حال أخذ تعهد عليه أو بعد انتهاء محكوميته، كذلك الخوف من النبذ الاجتماعي من المحيط العائلي، وخوف الزوجة الأم من حرمانها من أبنائها، كل تلك الأسباب قد تمنعها من طلب المساعدة.

وتضيف: لذا قراءة سريعة للواقع تظهر أن دائرة العنف لن تنتهي، ما دامت القوانين لا تعترف بأهلية المرأة كاملة، ولا تعينها على الاستقلال في مواجهة معنفها ومهدر كرامتها، وتمكينها من الابتعاد عن البيئة المريضة التي قد تُبتلى بها النساء.

وأكدت الكاتبة ماجدة أن القوانين هي التي تشجع على استمرار دائرة العنف باستمرارها بمعاملة المرأة كتابع يتبع للمعنف، ويملك حق التصرف في شؤونها، على الرغم من عدم أهليته لإدارة شؤون نفسه!

وترى الحل بكل بساطة يكمن في استقلالية وتمكين المرأة المعنفة، عبر الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي عن المعنف، وفي حال تنازل الضحية عن حقها الخاص يجب ألا يتم التنازل عن الحق العام في قضايا التعنيف.

ويقول الكاتب الخليجي علي القاسمي إن الجرح الأكبر في قصص العنف لدينا أن تقاليد اجتماعية بالية وأنظمة مطاطية هي التي تتصدى لأي حالة بوح جريئة، فلا يزال بيننا من يعتبر هذه القصص شأناً اجتماعياً خاصاً أكثر من كونها مواجع ومآسي تطحن القلوب وتقتل مشاعر الإنسان الحي النبيل.

ويؤكد أن جرائم العنف الأسري موجودة وإن كانت تعرض في البدء بحماسة وحرقة من أي جهة وقفت عليها، إلا أن الحماسة تتوقف بعد وقت قصير وتدفن القصص برمتها، وقد تدفن معها أجساداً مظلومة ذنبها الوحيد أنها لم تجد من يستمع إليها ويتأكد من احتراقها.

وتؤكد الكاتبة السعودية سمر المقرن أن المجتمع كان يخجل من إظهار قضايا العنف ضد المرأة، وأن دور جمعيات العنف ضد المرأة ضعيف، مضيفة: “الإعلام كان أول من علق الجرس وناقش قضايا العنف، ثم ظهرت دور الإيواء بعد تحرك الإعلام الذي أحدث نقلة نوعية في قضايا المرأة قبل عشر سنوات”.

 

* أهمية التوعية الشاملة

يرى خبراء ضرورة إجراء توعية شاملة لجميع أفراد المجتمع بحقوق وواجبات المرأة والحفاظ عليها من دون نقصان، لافتين إلى قصور لدى بعض مؤسسات ووزارات الدولة في تسليط الضوء على أسباب العنف ضدها وطرق علاجها.

وتقول المحامية الكويتية حور محمد، إن على المرأة المتضررة اللجوء إلى المستشفى أولاً لإثبات حالة الضرر وفق تقرير طبي لاستكمال الإجراءات القانونية، وضماناً لحقوقها من الضياع.

وتقول المستشارة القانونية السعودية أسماء العجلان أن “المرأة المعنفة غالبا ما تكون في لحظة العنف تجهل كيفية إثباته، لكن سرعة البديهة تساعدها في معالجة المشكلة وتثبيت العنف، مثل اللجوء للمستشفيات الحكومية لأخذ تقرير طبي يثبت حالة العنف، وهناك شهادة الشهود”.

وتشدد الأكاديمية السعودية د. موضي الزهراني، على أن المرأة يجب أن تكون غير مترددة وتجزم في الشكوى ورفع الظلم، مشيرة في نفس الوقت إلى أن التدخل في قضايا العنف الأسري خطير ويصل الأمر إلى التهديد.

وترى الكاتبة الكويتية أروى الوقيان أن وجود مركز الإيواء لهؤلاء المعنفات ضرورة في الوقت الراهن، لأن المعنفة لا تعرف لمن وأين تلجأ، على أن تتوافر به خدمة الاستشارات النفسية والصحية.

وتضيف: رغم تحريم العنف شرعيا ضد المرأة إلا أنه ما زال يمارس وبشكل مخيف، وهذا الأمر بحد ذاته يدعو للقلق، لاسيما أننا في العام 2018 حيث العالم يسعى لأن تكون المرأة شريكة للرجل في جميع المراكز القيادية، والتعنيف الممارس ضدها يعتبر خطوة للوراء في أي مجتمع.

 

* الخاتمة

العنف ضد المرأة قضية تمس الأمن الاجتماعي، ومن غير المعقول أن نسمع عن اعتداء جسدي أو لفظي على النساء وهن النصف الآخر من المجتمع. ولا بد من وضع نظام متكامل تشارك فيه كل الجهات المعنية بقضايا الإساءة والعنف ضد المرأة، ويقدم وقاية وحماية متكاملة لحالات العنف ضد المرأة.

 

* المراجع:

عكاظ

الوطن

الجزيرة

الحياة

الرأي

الأيام

القبس

الأنباء

العرب

الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *