“أبغض الحلال”.. ظاهرة تؤرق دول الخليج

منتدى المرأة الخليجية/ خاص

 

تتصاعد ظاهرة الطلاق في المجتمع الخليجي بشكل لافت، حتى باتت رياحا عاتية تهدد الاستقرار الأسري، ومن ورائه النسيج الاجتماعي بأكمله، الأمر الذي يستدعي وقفة جادة وتضافر الجهود للحد من هذه الظاهرة المخيفة.

ظاهرة الطلاق في أي مجتمع تشكل خطرا يهدد استقراره وتقدمه؛ لأن الأسرة هي أساس المجتمع، والمحافظة عليها من التصدع والانهيار يصلح المجتمع، والإحصاءات المتزايدة لهذه الظاهرة في الخليج تؤكد بشكل واضح أن هناك خللا كبيرا، وهو ما سنحاول التعرف عليه في هذا التقرير..

 

* إحصائيات مخيفة

الإحصائيات الرسمية في دول الخليج تقول إن هناك خطرا كبيرا على المجتمع في الحاضر وخطرا أكبر في المستقبل. فهناك ما يزيد على 75 ألف مطلقة في الكويت، منهن 5641 حالة طلاق سجلت سنة 2017 بمعدل 22 حالة يوميا.

وسجلت المحاكم السعودية ٥٣ ألف حكم طلاق في عام ٢٠١٧، بمعدل ١٤٩ حالة طلاق في اليوم، إضافة إلى مئات الحالات التي وقعت دون اللجوء إلى المحاكم، وبيّنت إحدى الدراسات الاجتماعية أن كل 10 حالات زواج يقابلها 3 حالات طلاق يعني أن ثلث المتزوجين الجدد مطلق أو في طور إجراءات الطلاق.

وسجل العام 2017 مصادقة المحاكم الشرعية في البحرين على 5 حالات طلاق يوميا مقابل 18 حالة زواج تم اعتمادها خلال اليوم الواحد. وتعتبر معدلات الطلاق في الإمارات من بين أعلى المعدلات في المنطقة حيث أن متوسط نسبة الطلاق تصل إلى 34%.

وارتفعت حالات الطلاق بين القطريين من 471 حالة عام 2000 إلى 807 حالات بين الذكور القطريين في 2015، بنسبة 71 في المائة، وارتفاع حالات الطلاق من 446 حالة إلى 706 حالات للإناث، بنسبة 52 في المائة، خلال الفترة نفسها.

وفي عمان، بلغ عدد حالات الطلاق خلال الثلث الأول من العام الحالي 2018م 1343 حالة، في حين بلغت حالات الزواج 7156 حالة. وتشير الإحصاءات إلى أن 0.8% هو معدل حالات الطلاق لكل ألف من السكان خلال سنة 2017م. وارتفعت حالات الطلاق في عام 2016م بنسبة 3.2%، لتصل إلى 3 آلاف و736 وثيقة، بمعدل 10 حالات يوميا.

وتعليقا على هذه الإحصائيات الرسمية خلال الأعوام الأخيرة والتي تظهر ارتفاعاً ملحوظاً في نسب الطلاق، يقول الكاتب السعودي خالد الدوس إنها تؤكد وجود خلل واضح في المنظومة الأسرية ومشكلة مجتمعية بحاجة إلى وضع الحلول المناسبة لها.

وتؤكد أيضا مدى خطورة ظاهرة الطلاق على البناء الاجتماعي ووظائفه لارتباطها بأكثر النظم الاجتماعية تأثيراً في حياة الأفراد والمجتمع بشكل عام، ولذلك ينبغي إيجاد الحلول العلمية والعلاجية التي تحد من انتشارها وتضبط توازنها، حد قوله.

 

* الطلاق لغة وشرعا

 الطلاق شرعا هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين، ولغويًا من فعل طَلَق ويُقال طٌلقت الزوجة “أي خرجت من عصمة الزوج وتحررت”.

ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط مناسبة مع الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي “المرأة” إلا أن المجتمع لا يرحم ويحكم على المطلقة بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه.

ويؤكد الكاتب العربي باسم محمد حسن أن المجتمع يتطرف في نظرته تجاه المرأة المطلقة فيراها في صورة “الأرملة السوداء” التي تغزل شباكها العنكبوتية على الرجال المتزوجون طمعًا في الفوز بأحدهم ولتسترد في نفسها الثقة المفقودة الناتجة عن الانفصال الأول ولذلك تقع “المُطلقة” فريسة سهلة للضغوط النفسية والاجتماعية وتنطوي على ذاتها رغم أنها في أمس الحاجة للتعافي من آثار العلاقة القديمة.

مضيفا: رغم أن الإحصائيات تشير إلى أن 95% من حالات الطلاق السبب الرئيس بها هو “الرجل” إلا أن المـجتمع مستعد بكامل طاقته وقوته وعاداته وتقاليده أن يتفهم مشكلة الرجل حتى أنه يرفض إطلاق لفظ “الرجل المطلق” عليه ويكتفون بأنه رجل والرجل لا يعيبه سوى جيبه، أما المطلقة مذنبة وإن كانت على حق!

ويرفض الكاتب باسم أن تدُعى المرأة المطلقة بالمسكينة أو يُنظر لها بعين الشفقة والرحمة لكونها تطبق شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما، ويطالب بالمساواة في النظرة المجتمعية سواء كان المخطئ هو الرجل أو المرأة.

ويشير إلى أن المـجتمع يري الكثير من السلبيات في الزواج من مطلقة إلا أن المطلقة لديها الكثير لتقدمه فهي الأجدر الآن على إنجاح العلاقة وتدارك أخطاء الماضي.

ويعتقد باسم أن حادث الطلاق أحيانا يزيد من قيمة هذه المرأة ولأن الطلاق يكسر في نفسها الغرور والكبر يبقى فيها جمالها وتظهر روحها الطيبة بشكل أوضح، كما أن الضغوط النفسية التي عانتها ورؤية المجتمع القاصرة أضافت لخبراتها الحياتية وأصبحت قادرة على حماية أسرتها وزوجها من هذه التقلبات على المدى البعيد.

 

* الأسرة هي الضحية

يؤكد الأكاديمي القطري د. خالد عثمان، على أهمية حصول الشباب المقبلين على الزواج على جرعات كافية من التوعية والمعرفة والمهارات التي تهيؤهم للزواج، وتضمن لهم حياة زوجية مستقرة، وتقيهم من الوقوع في الطلاق.

ويطالب بضرورة معرفة ومراعاة الحقوق الزوجية؛ حيث إن هذه الحقوق هي أساس الأسرة في الإسلام، والجهل بها وعدم مراعاتها يهدم قوامها، وغالب المشاكل الأسرية وقضايا الطلاق يعود السبب الرئيس فيها إلى الجهل بهذه الحقوق والواجبات وعدم مراعاتها.

ويضيف عثمان: باستقراء سريع لمحتوى بعض تقارير التحكيم نجد أن الجهل بهذه الحقوق وعدم مراعاتها كان السبب الرئيس في حصول الشقاق والنزاع بين الزوجين بما يمثل نسبة 90% منها.

ويحذر إمام وخطيب المسجد النبوي الدكتور علي الحذيفي من انتشار الطلاق وتفكك الأسرة وتشرد الأبناء والفتن العظيمة التي تلحق بالزوجين ومواجهة الأبناء لحياة شديدة الوطأة يفقدون معها السعادة ويتعرضون للانحراف.

وأضاف: عقد الزواج ميثاق عظيم ورباط قوي وصلة شديدة وهذا العقد اشتمل على مصالح ومنافع للزوجين ومصالح ومنافع للأولاد ولأقرباء الزوجين وللمجتمع وللدنيا والآخرة. وأكد الحذيفي على أن نقض هذا العقد وقطع حبل الزوجية بالطلاق يوقع الزوج في فتنة عظيمة تضره في دينه ودنياه وكذلك المرأة، ويتشرد الأولاد.

 

* الأسباب متعددة

يعتبر رئيس رابطة الاجتماعيين في الكويت عبدالله الرضوان أن الأسرة هي الأساس الأول في بناء المجتمع، فإذا كان الأساس قويا وبناء كان المجتمع قويا ومتماسكا، وإذا كانت ضعيفة سقط من أول ريح تعتريه.

ويقول الأكاديمي السعودي د. عبدالله الجفن، إن براءة الذمة عند المفتي في حالات الطلاق، هو بقاء العقد؛ إذ يجب على من يصدر فتوى الطلاق، أن يؤكد أن الأصل فيه هو بقاؤه، وليس إيقاع الطلاق؛ حتى لا يستسهل البعض هذا الشيء.

ويشدد الجفن على أن براءة الذمة ببقاء العقد، وعدم تفعيل الطلاق إلا في أضيق الحدود؛ لذلك يجب عدم استعمال رخصة الطلاق، دون سبب، أو محاولة جادة للإصلاح.

ووضع أسبابًا عدة للطلاق، منها: عدم قيام الزوج بواجباته الدينية تجاه زوجته، وإهمال بعض الزوجات لواجباتهن الزوجية، واختيار الزوجة على أساس الشكل والجمال فقط، دون مراعاة الخلق والدين، والاستجابة لدواعي الغضب ووساوس الشيطان، واستخدام وسائل الاتصالات الحديثة التي تسبب الشك بين الزوجين.

وطالب الجفن الهيئات التعليمية بكل مؤسساتها وأطيافها، بتوعية الطلاب والطالبات بمنهج فقه الطلاق، حسب تعاليم الشريعة، وحذر من أن عدم اهتمام المجتمع بجميع أطيافه، بموضوع الطلاق، سيترتب عليه آثار سلبية.

وتضيف المحامية السعودية أحلام الشهراني، أسبابا أخرى، بالقول: «هناك الكثير من المشكلات الشائعة التي تسبب الطلاق، منها عدم التوافق الفكري، وحب الذات، وعدم تحمل المسؤولية، كما أن هناك نقصًا كبيرًا في مفهوم الحياة الزوجية والاحترام المتبادل، وكيفية التعايش مع الطرف الآخر، ودور كل طرف في ظل ظروف الحياة».

أما عن كيفية الحد من ظاهرة الطلاق، فتقول الشهراني: «هناك كثير من الدورات التي بدأت تظهر حاليًا حول تثقيف كلٍّ من الزوجين بدوره في الحياة الزوجية، وكيفية التعامل مع الطرف الآخر، كذلك التوعية والتثقيف لكل مقبل ومقبلة على الزواج، وفهم شخصية كل طرف للآخر».

بالمقابل، يرى الكاتب السعودي عقل العقل، أن هناك نقصا واضحا، خاصة من الجامعات لدراسة هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها الحقيقية وتقديم الحلول الواقعية لها، إذ لم أسمع يوما عن وجود كراسي علمية متخصصة لمثل هذه القضايا الملحة لما لها انعكاسات خطرة على المجتمع.

 

* حماية حقوق المطلقة

 الطلاق انفصال بين طرفين كان يجمعهما عقد تترتب عليه حقوق وواجبات، فكيف يعقل أن يتم فض شراكة مقدسة كالنكاح بطريقة لا تليق بقداسة العقد والرباط؟!

ولهذا تطالب الكاتبة السعودية هناء الفواز، بنص بالقانون على أن لا يتم الطلاق غيابيا، بل لا بد من حضور طرفي العقد، الزوج والزوجة، وأن يتم جمع كل القضايا المتعلقة بالطلاق والمترتبة عليه في ذات الملف، وأن يُسمع إلى المرأة لو كان لها حقوق مالية عند الزوج، ويتم البت في تلك القضايا في ذات الجلسة وبآلية محددة.

وتضيف: خطوات بسيطة تحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها وتقيها من مشوار طويل قد يمتد لسنوات جريا في المحاكم خلف ما فاتها بعد طلاقها، وتُخرج الزوجين من الزواج بلا ضرر ولا ضرار.

وتتفق معها الكاتبة السعودية مها الشهري، وتقول إن أغرب ما يمكن أن نسمعه عن عقود الشراكة في أنظمة الزواج أن تبدأ العلاقة باتفاق وموافقة وشروط من الطرفين ثم تنتهي بقرار غير مشترك يتوقف عند من يمتلك العصمة، وهي من تعطيه الحق في أن تكون حقوقه مكفولة بحماية النظام.

وتضيف: هناك تمييز واضح في عدم اشتراط حضور الزوجة لتنفيذ حكم الطلاق باعتبارها الجانب الأضعف في القضية، لأن هذه الممارسات تكرس فكرة التبعية وليس الشراكة في الزواج، بينما يستغل الكثير من الأزواج ذلك فيكون الطلاق غيابيا.

وقالت إن حق المرأة لا ينحصر في أن تعلم بطلاقها من خلال إشعار فقط وإنما من حقها أن تُطلب لحضور الجلسة وأن يسمع منها القاضي ما تريد تجنبا لحدوث الكثير من المشكلات المترتبة على الطلاق والتي تتكبدها لوحدها في نهاية المطاف.

وبالأخير، فالطلاق ليس نهاية العالم، وقد يكون بداية حياة جديدة أكثر نجاحاً، لذلك يجب أن تتأقلم المرأة على الحياة الجديدة وتتعايش معها وتبدأ في وضع خطة مستقبلية لحياتها والكف عن التفكير في الماضي وذكرياته.

وتقول الكاتبة السعودية نيفين عباس، إنه ليس بالضرورة كما تتصور الكثيرات أن الطلاق نهاية العالم، أحياناً يمكن أن يكون الطلاق بداية حياة جديدة للمرأة.

وتؤكد أن نظرة المرأة لنفسها هي مرآة الآخرين للتعامل معها، لذا الثقة بالنفس من أهم الأمور التي يجب أن تتحلى بها المرأة حتى تستطيع مواجهة المجتمع دون أن تصبح حياتك أسيرة بين الآخرين وأحكامهم.

وتشير نيفين إلى قضية مهمة وهي وجود نساء لا يستطعن طلب الطلاق بسبب ظروف المجتمع التي فرضت على النساء، ومن بينهن المرأة التي لا تحمل شهادة أو خبرة تؤهلها للنزول إلى سوق العمل، وتضطر على تحمل الطرف الآخر كيفما كان.

 

* الخاتمة:

إذا تعذر استمرار الحياة الزوجية بين الزوجين، واستحالت الحياة بينهما إلى جحيم لا يطاق، فإن الطلاق هو آخر الحلول، وآخر الدواء الكي، لذا عده الإسلام من أبغض الحلال، لكن هذا لا يعفي الجهات المسئولة والحكومات من القيام بدورها في الحد من هذه الظاهرة حفاظا على المجتمع.

 

* المراجع:

العرب

البلاد

القبس

واس

الرياض

الاقتصادية

عكاظ

المدينة

الحياة

مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *