المرأة المُعلّقة: ظلم مجتمعي مسكوت عنه

منتدى المرأة الخليجية/ خاص

 

“داليا جمال”، شابة خليجية، في الثامنة والعشرين من عمرها تقول: تزوجت وأنا طالبة بالثانوية العامة من شاب يعمل مهندسا. لم أكن أعرف وقتها معنى الزواج الحقيقي، كان ضغط الأسرة قويا لقبوله باعتباره عريسا “لقطة”.

تضيف داليا: استسلمت لقرار أسرتي، وتم الزفاف، ورضيت بحياتي، ومرت الأيام وعشت معه الحياة بحلوها ومرها طيلة عشر سنوات، أنجبنا خلالها طفلتين، وبعد هذه السنوات بدأ في التغير معي، وبدأ تعامله معي يتجه إلى الحدة والعنف.

وتابعت: حاولت التغاضي عن معاملته السيئة أملا في إصلاح حاله من أجل حياة مستقرة، إلا أن الأمور تفاقمت يوما بعد آخر؛ الأمر الذي دفعني لطلب الطلاق، فكان عقابي نتيجة لهذا الطلب أن تركني مُعلّقة، لا أنا زوجة، ولا أنا مطلقة، وزاد في عقابه لي بأن تخلى عن الإنفاق على الطفلتين، وهو ما اضطرني إلى اللجوء لأسرتي لتدبير نفقاتهما المعيشية، ولا أدري إلى متى سأظل معلقة هكذا؟!

داليا، قصة واحدة لآلاف المآسي التي توضح معاناة “الزوجة المعلقة”، التي لا يعيش معها زوجها بالمعروف، ولا يسرحها بالإحسان؛ لتكمل حياتها على الأقل في هدوء نسبي بعيدا عن توتر الأعصاب في ظل استحالة الحياة معه.

إن تعليق الزوجة، واحدة من الجرائم التي ترتكب بحق المرأة؛ إذ تعد إهدارا لكرامتها، وانتقاصا لحقها في الحياة، فضلا عن أُثارها السلبية التي تتعدى المرأة لتشمل الأسرة بأكملها، وهو ما سنحاول معرفته في ثنايا هذا الموضوع.

 

من هي الزوجة المعلقة؟

المرأة المعلقة هي المرأة التي لا هي زوجة ولا هي مطلقة.

أو هي الزوجة التي هجرها زوجها، فلا هو طلقها، ولا عاشرها معاشرة الأزواج، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً)، سورة النساء الآية 129.

وحكمة في الإسلام حرام شرعا، حيث جاءت الشريعة الغراء بتحريم مسألة تعليق المرأة، ووضعت مبدأ : إن لم يكن وفاق فطلاق , قال تعالى: ” الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . سورة البقرة الآية 229.

 

دعوى جاهلية

في مقاله المنشور على موقع “صيد الفوائد”، يصف الدكتور بدر عبد الحميد هميسه، ظاهرة تعليق الزوجات من قبل الأزواج، بأنها من “جرائم الجاهلية، ولا تمت للإسلام بصله، لأنها انتهاكا لحقوق المرأة، وجعلها بلا كرامة”.

ويضيف هميسه، “على الرغم من ظهور الإسلام وحرصه الشديد منذ البداية على حفظه لكرامة المرأة وحقوقها، ودعوته لعدم إيذائها، إلا أن قضية ( الزوجة المعلقة ) تجعلنا نحس أننا عدنا إلى العصر الجاهلي ؛ العصر الذي كانت فيه المرأة لا كرامة لها ويتركها الزوج معلقة بالشهور بل بالسنين”.

وأردف قائلا: “لقد أصبح مرتكب هذه الجريمة ينظر إلى ذلك نظرة مستحبة، فهو يجد في ذلك أحياناً تسلية ولذة، وينسى أنه يرتكب جرماً عظيماً، وأنّ في القرآن آيات تناولت هذه القضية، وأفواه الأئمة ترددها دائماً، بل يرددها هو أحياناً، ولكن القسوة جعلته لا يستشعر معانيها ولا يتدبر دلالاتها”.

 

أسباب تعليق الزوجة

في موقعه على الإنترنت، يسرد الدكتور ماهر السوسي، أستاذ كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بغزة، أسباب تعليق الزوجة والتي منها:

أولا: السبب الذي ذكره القرآن الكريم فهو: الزواج من امرأة أخرى، حيث أشار إلى ذلك بقوله: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُم)، إذاً سياق الآية الكريمة يدل على أن سبب التعليق زواج الرجل بأكثر من زوجة؛ حيث يبيّن أن العدل بين النساء من الصعوبة بمكان، وهذا لا يكون إلا في مثل الصورة التي ذكرت، وعليه يتزوج الرجل بأكثر من زوجة، فيميل إلى إحداهن، ويعلق الأخرى.

ثانيا: إغراء أحدى زوجات الرجل بالميل إليها، وترك غيرها من زوجاته: فقد يكون الزوج على نية العدل، ولا يريد التفرقة بين زوجاته، ولا تغريه إحداهن بشكل أو بآخر على الميل لها دون غيرها.

ثالثا: أن يزهد الرجل في زوجته، ويرى أنه لا مكان لها في قلبه: إما بسبب كبر سنها، أو تغير مزاجه هو، أو بسبب مرضها، أو غير ذلك من الأسباب.

رابعا: الخلاف بين الزوج وأهل زوجته: قد ينشأ خلاف بين الزوج وأهل زوجته، أو أحدهم، فيعاقبهم الزوج بهجر ابنتهم وتعليقها.

خامسا: تحريض أهل الزوج على الزوجة: قد يقوم أهل الزوج بتحريضه على زوجته لأسباب كثيرة، فلا يعلقها الزوج إرضاء لهم، ولا يطلقها خوفاً من تبعات الطلاق المالية.

سادسا: حاجة الزوج إلى من تربي أولاده: إذا ما زهد الزوج في زوجته، وأراد طلاقها، فإنه يجد أمامه عقبة متمثلة في  أبنائه، من أجل ذلك يبقى أمهم عندهم، من أجل خدمتهم فقط، مع تعليقها، وعدم إعطائها حقوقها الزوجية.

سابعا: كثرة الخلافات بين الزوجين: قد تشتد الخلاقات بين الزوجين، ويقرر الزوج عقوبة زوجته على عدم طاعته، فيعلقها.

ثامنا: انشغال الزوج عن زوجته: قد تكون للزوج رفقة يأوي إليهم غالب وقته، ولا يعرف بيته وأهله إلا وقت نومه، أو عند رغبته في تبديل ثيابه فقط.

تاسعا: التعلق بمواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإباحية: حيث أدمن كثير من الأزواج مثل هذه المواقع، وقطعت الحبال ما بينهم وبين أسرهم، وأمسوا يقضون كل ليلهم بصحبتها، ولا يعرفون لأهلهم سبيلا.

 

أثار تعليق الزوجة

 لتعليق المرأة أثار سلبية على الزوجة نفسها، والأسرة والمجتمع ككل، فمن الآثار التي تعود على الزوجة نفسها، شعور الزوجة بالدونية والاحتقار، إضافة إلى ترك الزوجة تصارع غريزتها مما قد يدفعها إلى الحرام، فضلا عن إقدام البعض منهن على الانتحار لتتخلص من الشعور بالوحدة.

وبحسب مختصين، فإن الآثار التي قد تعود على الأسرة جراء تعليق المرأة، تدمير الأسرة وتشتيتها، وتضييع الأولاد، قطيعتها لأرحامها، إذ أن كره المرأة للرجال قد لا يقف عند حد؛ بل قد تكره كل الرجال بما فيهم قرابتها من مثل أبيها وإخوانها وغيرهم.

ومن المخاطر كذلك تعدي تلك الآثار السلبية التي تلقي بظلالها على المجتمع بشكل عام ومنها، زيادة نسبة الجريمة، وكذا زيادة أصحاب الأمراض النفسية، كذلك، فقد ثقة النساء بالرجال، ويكون هذا عند كثرة حالات التعليق في المجتمع، بحيث تفقد النساء ثقتهم بالرجال، وهذا يؤدي إلى: إعراض النساء عن الزواج خوفاً من التعليق: وهذا الأمر يؤدي إلى تعطيل التنمية البشرية، وعدم نمو المجتمع، بحسب الدكتور ماهر السوسي.

 

عجز عن حمايتها

يقول الصحفي البحريني، سلمان الحايكي، “إن المرأة تعيش في بعض المجتمعات الإسلامية العربية وغيرها تحت العديد من المسميات والتصنيفات ولكل اسم وتصنيف قانون يحميه وفق الأحوال الشخصية لتلك المجتمعات، لكن بالبحث والنظر والتحليل المركز نصل إلى تصنيف لا قانون يحميه أو يُدافع عنه هو مفهوم (المرأة المعلقة)”.

ويضيف الحايكي، في مقاله المُعنون بـ “المرأة المعلقة”، “لقد أصبحت المرأة زوجة ويمكن للرجل تطليقها سواء أنجبت أو لم تنجب وتُسمى (مُطلقة) ولها حقوقها الشرعية والقرآن الكريم أوضح ذلك ولا يحتاج منا إلى تفصيل”. مضيفا: “وأيضاً تسمى المرأة (أرملة) إذا مات زوجها عنها لأي سبب من الأسباب ولها حقوقها وبحسب النصوص القرآنية الحكيمة أيضاً”.

وتساءل الحايكي: لماذا المجتمع الإسلامي عامة والعربي خاصة عجز عن علاج التصنيف الثالث للمرأة وهو (المُعَلَّقَة)؟

وأكد “أن المجتمعات الإسلامية بما فيهم المحاكم الشرعية لم تقدم الحل النهائي لمشكلة المرأة (المُعلقة) على الرغم من أن القرآن الكريم وصَّى المسلمين وبوضوح تام ألا يذروهن (مُعلَّقَات) أو يُسرِّحوهن بإحسان ووفقاً للنصوص الشرعية والسنة النبوية المطهرة”.

 

معلقات يناشدن بالتدخل

أواخر شهر يوليو الماضي، انتشر مقطع لسيدة بحرينية، عبر برنامج التواصل الاجتماعي “واتساب”، تناشد رئيس الأوقاف بالبحرين، معضلتها مع زوج تركها طوال 6 سنوات لا مطلقة ولا متزوجة بل معلقة، بالرغم من طرقها أبواب القضاء الشرعي؛ بحجة أنه يملك سكناً وحق العودة.

وتعليقا على هذه المناشدة؛ قالت الكاتبة البحرينية، زهرة حبيب، أن “هذه المناشدة لربما نجهل تفاصيلها والأسباب التي دفعت بتلك المرأة لتطلب الطلاق، والمشاكل الدائرة بين الطرفين”.

وأوضحت زهرة حبيب في مقال لها تحت عنوان ” نساء معلقات كبيت”، أن “الحياة الزوجية باب مغلق لا يعرف زواياه غير الزوجين”. مؤكدة أن “المعضلة أكبر من صوت بث عبر مئات الأرقام من مستخدمي البرنامج”.

وأشارت إلى أن “هذا المقطع الصوتي طرق الباب على ملفات لنساء تركن معلقات لا مطلقات ولا متزوجات، الحالة الاجتماعية لتلك النسوة لا تسجل في الدفاتر الرسمية” معلقة”، لكنها مسجلة على أرض الواقع في المحاكم الشرعية، ففي النهاية تسجل معلقة، محرومة من حقها بالسكن والنفقة والحياة الزوجية الكريمة”.

وأضافت: “الزوجات المعلقات هن نساء لم يستطعن إثبات وقوع الضرر عليهن من قبل الأزواج، وأمامهن طريق واحد لا غير وهو “الخلع” فهو الهدف المنشود لبعض الرجال، فالمرأة تدفع ” المهر” أو ” البذل” وهو مقابل ما دفعه الرجل من تكاليف ومصاريف الزواج لتنال حقها بالطلاق، وباتت حرية المرأة متاجرة يتاجر بها البعض من الذكور، فهناك زوجة دفعت 60 ألف دينار لتنال حقها بالانفصال”.

وعزت مناشدة السيدة البحرينية للأوقاف، ولم تناشد المجلس الأعلى للقضاء كونه جهة الاختصاص، إلى تفاقم هذه المشكلة، فأصبحت النساء معلقات كبيت الوقف، لا مطلقة ولا متزوجة، فهمها بلغت من مكانة إنسانية واجتماعية فهي مملوكة لزوج تركها كالوقف وهو يملك حق التصرف، وهذا أمر بعيد كل البعد عن حقوق المرأة التي كفلها الشرع قبل القانون”.

داعية في هذا الصدد، “إلى ضرورة وضع حد لهذا النوع من المتاجرة بحرية النساء”.

 

مراجعة القوانين

من جهتها، دعت المحامية السعودية هناء الفواز، إلى ضرورة “دراسة كل القوانين التي تتعلق بالمرأة ومن تحت رعايتها، وإعادة هيكلة الأنظمة التي تشير إليها بما يتماشى مع توجه البلاد فيما يخصها”.

وأوضحت في مقال لها في صحيفة الاقتصادية، “أن المرأة المطلقة ما زالت تعاني في الحصول على الطلاق، وما يكفيها من النفقة، وتضطر في كثير من الحالات إلى تقديم التنازلات المضرة بها في سبيل الوصول إلى تسوية مع الرجل لتنال حقها في الطلاق، والحضانة، أو حقها في التنقل بحرية مع أطفالها دون الرجوع إلى أبيهم حتى في صغائر الأمور اليومية، ومثلها المعلقة التي خرجت من بيت الزوجية مع الرغبة في الطلاق وقبل حصوله نظاميا”.

وأكدت أن القوانين المعمول بها حاليا في السعودية لمعالجة أوضاع المرأة المطلقة أو المعلقة، “يفوت عليها وعلى أسرتها كثيرا من المصالح والالتزامات، وهذا ما يتعارض مع إنسانيتها وحقها في العيش بكرامة”.

 

عوامل مؤثرة

وإزاء ذلك، تقول الدكتورة المصرية، بسمة جمال المستشارة الاجتماعية والأسرية: “تمرّ بعض الزّوجات للأسف بتلك المرحلة البائسة في حياتهنّ وتسمى مرحلة الخروج غير الكامل، وهي تتبع مرحلة الملل الزّوجي”، مشيرة إلى أنّ هناك العديد من العوامل المؤثّرة في ذلك ومنها:

ـ عوامل تربويّة وبيئيّة، فقد نشأت معظم الفتيات خاصّة في المجتمعات العربيّة على المفهوم السلبيّ القائل إنّ المرأة كائن ضعيف يحتاج الرّجل سنداً له في الحياة، ما قد يجعلها ذات يوم زوجة مع إيقاف التنفيذ.

ـ عدم وجود الوعي الثقافيّ، والأمر ينطبق على كل من المرأة والرجل، فقد يتزوّج الإنسان من دون هدف، دون أن يتعلّم المهارات الحياتية والمسؤوليات الزّوجية.

ـ عدم تحديد الأولويات، وأحياناً قد يقدِم الإنسان على بعض الأمور دون ترتيب وتفكير، وإذا تعلّق الأمر بالزّواج فالخسائر قد تكون فادحة.

ـ من يلعب دور الضحية، للأسف الثقافة المجتمعية الخاطئة التي تربيّنا عليها تفرض على المرأة أن تضحّي دائماً وأن تغفر الأخطاء والزلّات لزوجها، وأنّ عليها تقبل الأمر الواقع لأنّ البدائل جميعها أفضل من الطلاق.

 

العلاج

ينحصر علاج هذه الجريمة، في تصحيح الثقافة المجتمعية المتعلقة بأحكام الأسرة من حيث الحقوق والواجبات، وشكل العلاقة الصحيحة التي يجب أن تكون بين الزوجين، وكذلك تقوية الوازع الديني عن طريق التربية الصحيحة لأفراد المجتمع، وردهم إلى دينهم الذي هو بمثابة ضابط لسلوكهم وتصرفاتهم.

 

 المراجع

الاقتصادية

الغد الأردني

موقع صيد الفوائد

موقع الدكتور ماهر السوسي عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة

الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *