أين الإعلام من قضايا المرأة؟

منتدى المرأة الخليجية/ خاص

 

يمثّل الإعلام اليوم، أهم الوسائل الأكثر تأثيرا في تكوين شخصية الإنسان وبلورة ثقافته، وتعتبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، اضافة إلى الإعلام الجديد أو ما يُعرف بـ”السوشيال ميديا” أكثر تأثيرا لقدرتها على توصيل الرسالة المرغوبة لجميع طبقات المجتمع سواء المتعلمين وغير المتعلمين.

وباتت أهمية الإعلام ترتفع بالتزامن مع تعدد وسائله، وانتشار التكنولوجيا بشكل كبير حتى بات الإعلام واحدا من أكثر الوسائل التي تستخدم في تسويق الأفكار، وفي تعبئة الرأي العام، والتأثير فيه، وغرس القيم والمبادئ.

بيد أن الأكثر خطورة من كل ما ذكر، هو الاستخدام السيء للإعلام، خصوصا حين يغفل قضايا ذات أهمية كبيرة، ويتركز اهتماماته على القضايا الدونية أو التافهة؛ كون هذا الأمر يشوه وعي المجتمع، لإغفاله قضايا جوهرية هي من الأهمية بمكان، مثل المرأة ودورها الفاعل في المجتمع، وهو ما سنحاول البحث عنه في ثنايا هذا التقرير.

 

المرأة والإعلام

“الصورة التي رسمتها أغلبية وسائل الإعلام العربية للمرأة كانت في العموم صورة سلبية، واتخذت أشكالاً مختلفة ولكن مضامينها متشابهة؛ فهي إما تظهر كسلعة أو أداة لتسويق سلعة أو مستهلكة أو جاهلة، أو زوجة متسلطة مع الحضور الدائم لصورة المرأة ربة البيت وتجاهل المرأة العاملة”.

هكذا أوضحت الكاتبة ندى أمين، صورة المرأة العربية في وسائل الإعلام. مؤكدة في مقالها المعنون بـ “المرأة العربية إعلامياً وسلطات الثقافة والسياسة والمال، أن “البرامج الموجهة للمرأة فهي في غالبها تهتم بالطبخ والأزياء والجوانب الجمالية مع تسليط الأضواء على المرأة المغنّية أو الممثلة كنموذج مجتمعي ناجح يجب الاحتذاء به”.

وأشارت إلى أن وسائل الإعلام العربية “قد عجزت عن مواكبة الواقع الحقيقي للمرأة العربية، وعن تناول إنجازاتها وقضاياها والتحديات التي تواجهها برسالة إعلامية جادة وهادفة”.

وأكدت ندى أمين، “أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في التركيز على الصورة النمطية للمرأة، ولكن في غياب الصورة الأخرى لها”. موضحة أن “صورة المرأة العاملة في المهن التخصصية المختلفة، وواقع المرأة المكافحة في الريف وأطراف المدن، وما تعانيه من فقر وتهميش والعمل في بيئة صعبة من أجل توفير قوت أسرتها؛ نادراً ما تظهر في وسائل الإعلام”.

وأضافت: أن هذا الأمر يأتي “في الوقت الذي تغيب فيه عن ساحة المعالجة تحدياتٌ حقيقية ما زالت تعانيها المرأة في أغلب البلدان العربية، مثل مشاكل الأمية وتأمين الرعاية الصحية والعنف ضد المرأة، وقوانين الأحوال الشخصية المجحفة بالنساء، وصولاً إلى الحواجز التي تقف في طريق دمجها بفعالية في الحياة العامة وتمكينها اقتصادياً وسياسياً”.

 

الإعلام والمجتمع

قبل عدة شهور ، حلّ موعد مباريات كأس العالم، كان هذا الحدث هو محور حديث الناس ووسائل الإعلام، ما جعل الكاتب الخليجي الدكتور، زكريا خنجي، يتساءل: من الذي أعطى كأس العالم كل هذا الاهتمام العالمي؟

وأشار الدكتور خنجي، في مقال له تحت عنوان “الإعلام والمجتمع”، “إلى تصدر المجتمع من خلال وسائل الإعلام، ما وصفهم بـ”نجوم مجتمع فشنيستا” والتي تتحدث عن القضايا والمشاكل الاجتماعية عبر بعض الوسائل المجتمعية الحديثة، ليس ذلك فحسب، وإنما غدت هذه الشخصيات هي نجوم المجتمع، ليس ذلك مهما، وإنما المهم أن تظهر هذه الشخصيات الهامشية وتبرز في المجتمع، وتصبح قدوات للشباب من الجنسين”.

وأوضح أن “الإعلام هو التعريف بقضايا العصر وبمشاكله، وكيفية معالجة هذه القضايا في ضوء النظريات والمبادئ التي اعتمدت لدى كل نظام أو دولة من خلال وسائل الإعلام المتاحة داخليًا وخارجيًا، وبالأساليب المشروعة أيضًا لدى كل نظام وكل دولة”.

وانتقد الممارسات الإعلامية، التي تقوم بالتركيز على القضايا الهامشية، وإبرازها، وتقزيم القضايا الأساسية التي يواجهها المجتمع. متسائلا: “لماذا التركيز والإصرار على الشتم والقذف والجرائم المجتمعية الصغيرة ومحاولة إبرازها وتحويلها إلى ظواهر وكأن المجتمع كله يعاني من تلك المشاكل؟”.

وسرد بعضا من الأمثلة التي توضح مدى تجاهل وسائل الإعلام لكثير من النجاحات والإنجازات العربية في مختلف المجالات الطبية والهندسية. وقال: لماذا لا تحاول محطات الإعلام “أن تدخل المستشفيات لتصور وتقدم إنجازات الأطباء والمهندسين وعباقرة الوطن العربي”. مؤكدا أن “هؤلاء ليس لهم مكان على الشاشات التلفزيونية الفضائية”. حسب قوله.

وأكد الدكتور خنجي، أن ما نحتاجه اليوم في خضم هذه الأمور هو “إعادة توجيه منظومة الإعلام في الوطن العربي لتخدم قضايانا وحياتنا وفكرنا، وليس فكر وحياة الآخرين”.

 

إعلام المستقبل

في لقاء نظمه مكتب الرؤية المُستقبلية بجامعة السلطان قابوس بعُمان، وفي مبادرة عنوانها “إعلام المُستقبل”، لخَّص الدكتور عبدالله بن خميس الكندي، أستاذ الصحافة المشارك بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، في الورقة التي قدمها، أبرز التحديات التي يواجهها الإعلام في السلطنة.

وقال إن أبرز هذه التحديات تكمن في “استمرار التعامل مع الإعلام باعتباره قوة تابعة وليست قوة مستقلة؛ إذ إنَّ مؤسسات الجهاز التنفيذي تسيطر على مؤسسة الإعلام، وتضيِّق مساحة الاختلاف والنقد في مضامين المواد الإعلامية”.

وأضاف إن من التحديات أيضا: “ضعف الثقة في مؤسسات الإعلام والمبادرات التي يمكن أن تقوم بها، فضلا عن الإصرار على نموذج “القوة التابعة” في التعامل مع المؤسسات الإعلامية”.

وقدم الدكتور الكندي مقترحا لحل هذه المشكلات، وذلك “من خلال التحول التدريجي من “إعلام الحكومة” إلى “إعلام الدولة”، والاستفادة من تجربة مؤسسة القضاء، والاستفادة من مبادى النظام الأساسي للدولة، وتوظيف قيم التعايش والتسامح”. حسب وصفه.

 

توظيف الإعلام

 ثمة برامج إعلامية، لا ينساها المشاهد، تظل محفوظة في ذاكرته، لا تبدلها السنون، ولا يمحوها غبار النسيان، خصوصا تلك البرامج الإعلامية التي تعمل على ملامسة الواقع، ومعالجة قضاياه الراهنة، فضلا عن كونه يعمل على تعزيز القيم لدى أفراد المجتمع.

“كن جميلا”، أبرز مثال على ما ذُكر أعلاه؛ كون هذا البرنامج التلفزيوني، ظل محفورا في ذاكرة كثير من أبناء وبنات الخليج، والذي قدمه الدكتور صالح الفهدي، رئيس مركز قيم والباحث في القيم الإنسانية بسلطنة عمان.

تروي الكاتبة العمانية، منى بنت حمد البلوشي، في مقال لها بعنوان “كن جميلا” في صحيفة الرؤية العمانية، حكايتها مع هذا البرنامج، الذي قالت أنه “ما يزال للآن راسخاً في مخيلتها، وما بين الفينة والأخرى تعود لمشاهدته”. مشيرة إلى أنه برنامج يهتم بعرض القيم وتطوير الذات.

مضيفة: “كم جميل لمثل هذه البرامج أن تُبث في مجتمعنا ونحتاجها في كثير من الأحيان في حياتنا والتي لابد من وجودها وتطويرها في الحياة لمواكبة التطورات التي ألّمت بالأمة وربما التي اختفت وغيّرت البعض منها”.

وقالت البلوشي: “برنامج “كن جميلا “الذي يعرض على قناة الاستقامة، ويحتاجه الكثير في هذا الوقت الذي انتشرت فيه الكثير من المصطلحات وتغيرت فيه الكثير من المعاملات والتعاملات”.

فضلا عن كونه “يحمل في طياته العِبر والمواعظ الكثيرة والتي تتغلغل إلى الروح بطريقة السرد الرائعة وسلاسة الإطراء وطريقة وصولها لمسامع السامع والتي يتبع ويلحق كل حلقة منها بالقصص لمثل أولئك الذين تحدوا الصعاب وطوروا من ذواتهم كم جميل أن تكون أجمل بقيمك وأخلاقك التي لابد وأن تكون بها مختلفاً عمن حولك”.

وأكدت أن “هذا البرنامج يخدم شريحة مجتمعية كبيرة جدا وبه من التحليلات المشوقة للوصول لمكامن الذات الداخلية والتي تعكس روح المرء الخارجية؛ وبه تغييرات كثيرة سيحدثها بالنفوس الطامحة للتغيير بين الناس”.

أن هذا البرنامج يعكس بشكل واضح أهمية توظيف الإعلام في غرس القيم والمبادئ والأخلاق بين الناس، والعمل على تنمية مواهب المجتمع، وتعزيز القيم والأخلاق، في ظل وسائل الإعلام التي تعمل بكل جهد على ردم كل ما له علاقة بعالم القيم والأخلاق.

 

حلول ومبادرات

وإزاء الصورة السلبية التي رسمتها وسائل الإعلام عن المرأة، سعت عدة جهات عربية وأجنبية – معنية بشؤون المرأة أو بالقضايا الإعلامية – بإطلاق الكثير من المبادرات والدراسات التي ترمي إلى تحسين صورة المرأة في وسائل الإعلام العربية.

وبحسب الكاتبة ندى أمين، فقد أطلقت مؤسسة تومسون رويترز في أبريل 2016 برنامجاً جديداً للعمل مع الصحفيين من أجل تغطية إعلامية متميزة لأخبار المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك استجابة للتقرير الصادر عن مشروع مراقبة الإعلام العالمي، والذي جاء فيه أن المرأة بهذه المنطقة غير ممثَّلة في الإعلام بشكل جيد كمّاً ونوعاً.

وأعربت مؤسسة “تومسون”، عن أملها في أن يعمل هذا البرنامج على تعزيز التغطية الإخبارية جيدة المحتوى، والتي يمكن أن تؤدي إلى تغيير الطريقة التي تتعامل بها المجتمعات مع المرأة، كما يمكن أن تقود إلى حصولها على حقوقها.

وحددت ندى أمين، ثلاث سلطات، والتي تمتلك تأثيرا في وضع الصورة النمطية السلبية للمرأة العربية في وسائل الإعلام، وهي “الثقافة والسياسة والمال”.

وأوضحت أنه “من غير الممكن أن نتناول قضية تهميش المرأة في الإعلام بمعزل عن وضعها في المجتمع؛ وذلك لأن وسائل الإعلام عادة ما تكون خاضعة في محتواها للثقافة المجتمعية السائدة، وبالتالي تقوم بتأييد وترسيخ التقاليد والمفاهيم المجتمعية وخاصة تلك المرتبطة بالنساء”.

وتساءلت في هذا الصدد: “هل الإعلام هو مجرد مرآة لثقافة المجتمع كما يقال دائماً؟ أم إن الإعلام هو العجلة التي تحرك المجتمع والقوة التي تؤثر في صياغة ثقافته؟”

وعن سلطة السياسة، قالت ندى أمين: “أن وضع المرأة في الإعلام لا ينفصل عن الظرف الذي تعيشه في الحياة الثقافية؛ فإن وضعيتها في الإعلام مترافقة -إلى حد بعيد- مع السياسات العامة للدولة”.

وتطرقت إلى سلطة المال، حيث نقلت نتائج دراسة أجراها الدكتور جيروم شاهين في لبنان عام 2003 عن “موقع المرأة في المؤسسات الإعلامية”؛ تبين أن المرأة تعمل -في المرتبة الأولى- مذيعة للبرامج الترفيهية، أما موقع المرأة كإدارية تشارك في صنع القرار فجاء في المرتبة ما قبل الأخيرة، وفي المرتبة الأخيرة جاء موقع المرأة كمالكة لوسيلة إعلامية”.

وأكدت في هذا الإطار، على ضرورة “منح النساء أدوراً قيادية في صناعة الإعلام العربي، وملكيتهن للمؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج الفني والإعلاني؛ يمكن أن يؤدي إلى تطوير الوعي داخل هذه المؤسسات بشأن تأثير قرارات ومضامين الإنتاج والإعلان على الكيفية التي تمثل بها المرأة إعلامياً”.

واعتبرت ندى أمين النساء، بأنهن “الأكثر قدرة على التعبير عن قضايا غيرهن من النساء، ويمكن أن يلعبن دوراً حيوياً في زيادة الوعي المجتمعي وتعزيز حقوق المرأة”. حسب قولها.

 

الخاتمة

ما سبق عرضه يوضح بجلاء أهمية إبراز الصور الإيجابيّة للمرأة في وسائل الإعلام، والتي تملك من الخبرة والعلم بحيث تكون قادرةً على إفادة المستمع أو المشاهد.

صورة المرأة التي تشارك الرّجل في نقل معاناة النّاس وتظلّماتهم في أماكن شتّى في العالم وإيصالها إلى المشاهد أو المستمع لتكوين رأي عام اتجاه قضيّةٍ معيّنة تحتاج إلى الحلّ والمعالجة، وكذا صورة المرأة التي تنخرط في النّشاطات التّطوعية والخيريّة التي تستهدف تقديم الخدمات للنّاس.

كما ينبغي الحرص على أن تقدم وسائل الإعلام، صورة عن المرأة تعكس قيمتها، وعظيم دورها في المجتمع؛ فالمرأة هي الأمّ التي تَقع على عاتقها أنبل مهمّة في الأسرة وهي تربية الأبناء وتنشئتهم على الخلق القويم.

 

المراجع

الرؤية الإماراتية

أخبار العصر

موضوع

الخليج أونلاين

أخبار الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *