المرأة والهجرة النبوية.. دور سطره التأريخ

منتدى المرأة الخليجية/ خاص

 

شكلت هجرة نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة هروبا من إيذاء كفار قريش، تأريخاً للمسلمين يتميزون به عن غيرهم من الأمم والشعوب، فالهجرة النبوية المباركة علامةٌ فارقةٌ في تاريخ الأمة الإسلامية بل في تاريخ الإنسانية جميعاً.

كان للمرأة المسلمة دورٌ بارزٌ في هذه الحادثة المباركة، مثبتةً قدرتها على الإنجاز، والمساهمة في صنع التاريخ والحضارة، وأنها قادرةٌ على أن تكون فاعلةً في المجتمع، وأنها ترفض أن تعيش على هامشه، وسجل التأريخ الإسلامي نماذج نسوية سنحاول التعرف عليهن في هذا التقرير باعتبارهن قدوات رائدات لكل النساء اليوم.

 

* دور المرأة في الهجرة

دور المرأة المؤمنة في تحمل أعباء الدعوة والهجرة، دور كبير وعظيم، ففي الهجرة الأولى من الحبشة كان عدد الرجال أحد عشر رجلا وأربع نسوة في رواية، وفي أخرى أن أول عشرة هاجروا إليها كان نصفهم من النساء، وفي نفس الهجرة نجد أن الزوجات لم يفارقن أزواجهن بل صاحبنهم متحملات معهم مفارقة الأهل والعشيرة، وصعوبة الرحلة ومشاق الطريق.

ويصل إصرار المرأة على الهجرة بدينها مداه حين تتكرر الهجرة مرة إلى الحبشة وأخرى إلى المدينة، فأول من قدم المدينة مهاجرا أبو سلمة المخزومي وزوجته أم سلمة، وزوجة عامر بن ربيعة فقد هاجرت مرة إلى الحبشة بصحبته وأخرى إلى المدينة، وجعل النبي أسماء وعائشة رضي الله عنهن محل ثقته وسره ولم يخش منها على أمر الهجرة وهو أعظم حدث في تاريخ الإسلام.

وساهمت الصحابيتان الجليلتان نسيبة بنت كعب “أم عمارة”، وأسماء بنت عمرو السلمية “أم منيع”، في تهيئة أجواء الاستقبال داخل المجتمع اليثربي قبل قدوم النبي إليها، حيث عمدا إلى مشاركة الرجال في التمهيد لتلك الهجرة وتوعية المجتمع بما عليه النبي الخاتم من كرم وأخلاق وصفات تستوجب منهم النصرة والدعم، كما كانتا ممن بايعن النبي في بيعة العقبة الثانية التي كانت حجر الزاوية في التمهيد للهجرة.

وتعتبر الصحابية أسماء بنت أبى بكر الصديق، واحدة من بين أبرز الداعمات لهجرة النبي حيث قامت بدور الإمداد بالتموين ونقل الأخبار إلى النبي ورفيقه أبا بكر بالغار، وحينما أرادت توصيل الطعام لهما شقت نطاقها نصفين فدعا لها النبي قائلاً: “أبدلك الله به نطاقين من الجنة، فعرفت بـ”ذات النطاقين”.

وكان لأم معبد عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم الخزاعية، والملقبة بـ”صاحبة الشاه”، دورها في ضيافة النبي وصاحبه أبا بكر بخيمتها، حيث استأذنها النبي في حلب شاة هزيلة لها لم تكن تملك غيرها ففعلت فإذا بها تدر لبنًا ببركة وجود النبي، ثم كان منها أن وصفت ما حدث لزوجها وتبعت النبي إلي المدينة، كما كان لأم أيوب الأنصارية، بعد قدوم النبي إلى المدينة فكانت سباقة في إكرامه وضيافته.

وعرفت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط الأموية بأنها أول مهاجرة إلى المدينة بعد هجرة النبي إليها، حيث حبست من قبل آل بيتها ومنعت من اللحاق بالمهاجرين وجبرت على ذلك زمناً، حتى أذن الله لها بالهجرة فكانت أول من هاجر من النساء إلى المدينة.

كما كان لأم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة، معاناتها في الهجرة إلى المدينة حيث حبست عن زوجها أثناء الهجرة لتلحق به بعد عام كامل، وكذا فعلت “أم أيمن” بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن الحبشية.

 

* لمحات من دور المسلمة

حين نتحدث عن أبطال الهجرة من النساء تتبادر إلى أدهاننا شخصيات لا يمكن تجاهلها تحت تأثير أي ظرف من الظروف، شخصيات صنعت الهجرة بدمها ومالها وبدنها وولدها مبرهنة على أن المرأة لا تقل عن الرجل في العطاء والتضحية وبدل الغالي والنفيس، بحسب رأي الدكتورة نوال الرمضاني.

ويقول الكاتب العماني أحمد محمد خشبة إننا إذا تتبعنا دور المرأة منذ بداية الوحي فإننا نلمحه واضحًا بلا غموض، بارزًا بلا توهم، فمنذ أن نزل الوحي على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) أول مرة في غار حراء لم تكن المرأة في معزل عنه، ولم تكن مستبعدة على مدى التاريخ الإسلامي المشرق من المبادرة أو المشاركة في مسيرة الأمة بكل أحداثها.

ويرى أن العودة إلى رصد دور المرأة في الهجرة بوجه عام، والهجرة النبوية على وجه الخصوص فإننا ندرك عدة حقائق منها أنه لم يعلم بهجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا علي وأبو بكر وابنتاه أسماء وعائشة – رضي الله عنهم- ومن ذلك نستنتج أنه جعل أسماء وعائشة  محلَّ ثقته وسره ولم يخشَ منهما على أمر الهجرة.

وترى الأكاديمية العربية الدكتورة فتحية الحنفي، أن الهجرة تعد بمثابة تحول في بناء الدولة الإسلامية، شارك فيها من شارك من الرجال، إلا أن مشاركة المرأة كانت واحدة من أبرز الملامح التي غلبت على تلك الفترة، فلم تكتف المرأة بالمشاركة في الهجرة الأولى إلى الحبشة، أو تحقيق البيعة للنبي، فبادرن إلى المشاركة في استقباله صل الله عليه وسلم، حينما قدم المدينة.

وأكدت الحنفي أن مشاركة المرأة إلى جوار الرجل كانت مظهر من مظاهر المشاركة، التي لم تقف عند حد المشاركة دعم الهجرة وترسيخ دعائم الدولة الإسلامية، بل شاركن في كافة مناحي الحياة سواء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

مضيفة: كانت زوجة النبي أم سلمة، واحدة ممن قمن بدور سياسي في صلح الحديبية وقامت بإعطاء النبي المشورة في أمر النحر الذي امتنع الصحابة عن تنفيذه كونهم لم يحجوا فقالت له اذهب وأنحر، فلما فعل اقتدى به الصحابة فكانت رأيها سبباً في الالتزام برأي النبي، كذلك كانت المرأة في الجهاد طبيبة تعمل على معالجة الجرحى والمصابين ولمعت من بينهن الشفاء، فكانت تشارك بدورها في تحقيق النصر على المشركين.

وأضافت: “من الناحية الاجتماعية فإن امرأة عبدالله بن مسعود كانت ذات صنعة، وكانت متزوجة ولديها أولاد وكانت تقوم بتلك الصنعة دعماً ومساندة لزوجها، فكانت المرأة تخرج للعمل وتربى الأبناء وتعمل على واجباتها كزوجة وربة منزل، وكذلك فعلت فاطمة بنت الزبير بن العوام وكانت تدق النوى وتخدم زوجها”.

وتابعت: “أما اليوم فنحن نجد من يتهم المرأة بأنها غير مسئولة وهذا فيه مخالفة للشرع لأن الحياة تقوم على المشاركة، وهناك نماذج تبين ما يجب أن نسير عليه المرأة والرجل وفق مدرسة النبوة التي كان النبي يحث على المشاركة والتعامل مع المرأة وفق هذا المبدأ فكان يخيط ثيابه وكانت كثيرات من النساء تعملن وتقمن بدورهن في البيت الذي هو واجبها الأساسي”.

وأكدت فتحية أن المرأة عليها أن تعلم أن المشاركة تعود بالنفع العام على الأسرة والمجتمع، وهو درس من دروس الهجرة، فلو علمن حقهن الشرعي تجاه الزوج والدولة، لنجح المجتمع، فعليها حقوق ولها حقوق لذا عليها أن تبادر بتنفيذ حقوقها وواجباتها حتى تنجح أسرتها، وتحقق القدوة لأولادها.

 

* نماذج مشرفة يجب الاحتذاء بها

تؤكد الناشطة قمر خليفة هباني أن الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة قد شكلت في تاريخ الإنسانية فتحا جديدا ونصرا مؤزرا للإسلام والمسلمين، وأبانت قدرة المرأة المسلمة على القيامَ بواجباتها والاضطلاع بالمهام التي توكل إليها بتجرد ونكران ذات كسبا لرضاء الله وحبا للوطن وسعيا لحفظه من كيد الكائدين وبطش الحاقدين.

وتقول الداعية منال المسلاوى، إن المرأة لعبت دوراً عظيماً في الهجرة، وأعطت نموذجاً مشرفاً يجب الاحتذاء به، فلعبت دوراً كـ”داعمة، مهاجرة، مجاهدة، ومخلصة لدينها”، مشددة أن مفهوم الجهاد والهجرة لا يتوقفان عند ما قدمته المرأة المسلمة في صدر الإسلام، بل إن الواقع الذي نحياه يتطلب أن نجد نماذج مشرفة تعمل على الإخلاص والإتقان في عملها، وفى تربية وإرشاد أبنائها، والعمل على رفعة الوطن جنباً إلى جنب مع الرجل، دون انتظار أو تردد.

وأضافت منال: علينا مسؤولية كبيرة تتمثل في أن نكون جنباً إلى جنب مع الرجل، وأن نقدم نموذجاً في المرأة المسلمة القادرة على بذل ما تقدر عليه من جهد حتى في مجال النهى عن المنكر والنصح بما يحقق الرقى للمجتمع. مؤكدة أن الفترة الراهنة تتطلب نماذج مشرفة من بين النساء القادرات على دعم الرجل في مسيرة البناء والعطاء والمجتمع.

 

* الخاتمة:

النساء السابقات قدمنا الكثير ولعبنا دورهن في تبليغ الدعوة، والتاريخ الإسلامي حافل بالمواقف الرائعة للمرأة المسلمة، وقد لمعت خلال فترة الرسالة المحمدية عناصر نسائية رائدة سطرت أسمائهن بأحرف من نور، ولعل الهجرة النبوية إلى المدينة التي يحتفل بها المسلمون واحدة من بين تلك المواقف التي خلدت فيها الصحابيات أسمائهن ليمثلن نماذج لكل امرأة مسلمة اليوم.

 

* المراجع:

البوابة نيوز

الوطن العمانية

مبتدا

المحجة

بلادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *