نظرة في الحضور السياسي للمرأة العربية

منتدى المرأة الخليجية/ خاص

 

لا تزال المرأة العربية حتى اليوم حبيسة لقرارات دولية تمكنها سياسياً من بعض المناصب التي يتضح في نهاية المطاف أنها أدوار شكلية أكثر من كونها أدوار حقيقة ذات تأثير فاعل على أرض الواقع، ويشير بعض الخبراء إلى أن السبب في هذا التفاوت بين الحضور العددي للمرأة في المجتمع وبين حضورها الفاعل في الجانب السياسي يعود إلى عدم حضورها في الفعل الاجتماعي، ويقصد بالحضور هنا مشاركتها الفاعلة في مختلف المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والمنظمات وغيرها من المؤسسات الفاعلة التي تحرك المجتمع في مختلف الاتجاهات الاقتصادية والسياسية والثقافية.

رغم التفاوت الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه المرأة اليوم في مختلف الدول العربية لا زالت تتشارك واقع الغياب عن الفعل السياسي، صحيح أن بعض الدول العربية كان لها السبق الحقيقي في تمكين المرأة اجتماعياً وسياسياً من خلال تكريس حضورها في الوعي المجتمعي من جهة، وتمكينها من مناصب عليا سياسياَ من جهة أخرى، لكن بسبب الأوضاع السياسية والأمنية التي طالت بعض تلك البلدان أصبحت تجاربها الرائدة أثراً بعد عين، أما الواقع الحالي الذي يرصد أراقاماً لتعينات وزارية وسياسية للمرأة في بعض الدول العربية فهو في الواقع مجرد إجراء شكلي يتماشى مع الرغبة الدولية في تمكين المرأة سياسياً في المجتمعات العربية.

لكن هل يمكن أن تصبح المرأة-حقاً- وزيرة وسفيرة وقادرة على التأثير السياسي والاجتماعي بمجرد أن يتم تعيينها بمرسوم رئاسي أو ملكي؟! أم أن الأمر يتطلب جهداً ذاتياً من قبل المرأة نفسها، وجهداً مجتمعياً من قبل المؤسسات الفاعلة في المجتمع من أجل تعزيز حضور المرأة في الوعي المجتمعي لتصبح قادرة على خلق تأثيرها وحضورها؟

وما هو السبب الذي يجعل من المرأة العربية محط أنظار على مستوى التأثير السياسي في الدول الغربية في حين أنها لم تستطع أن تحقق أي شيء في دولها العربية؟!

هل الأمر يتعلق بالبيئة الثقافية نفسها؟ أم بالواقع السياسي لتلك الدول؟! أم بقدرة المرأة على تمكين نفسها بنفسها في الصعيدين السياسي والمجتمعي؟

تتطلب هذه الأسئلة جملة من الدراسات والأبحاث من أجل الأجابة عنها، لكننا في من خلال هذا التقرير نحاول أن نثير التساؤل والتفكير حيال هذه القضية في أوساط النساء أنفسهن من جهة، وفي أوساط المهتمين بتفعيل دورها مجتمعياً وسياسياَ من جهة أخرى.

 

نظرة حول مفهوم السياسية

لا تزال النظرة المجتمعية حيال مفهوم السياسة سلبية بسبب التراكم السلبي للتجارب التاريخية التي صاحبت هذا المفهوم في الدول العربية من جهة، ومن جهة أخرى يلعب الجهل المعرفي دوراً كبيراً في تضليل الوعي المجتمعي بأهمية الانشغال بالسياسة واعتبارها الوسيلة الأنجع لتقديم البدائل الأفضل في إدارة مختلف المشاريع التي تخدم المجتمع.

وينظر لدور المرأة في الجانب السياسي على أنه ترف ولا حاجة للمجتمع به، بينما على العكس يعتبر دور المرأة فيه محورياً وأساسياً ليس لأنها جزء من المجتمع وحسب، بل لأنها تمثل وجهة النظر الأخرى التي تقوم عليها الأسرة، وبالتالي يقوم عليها المجتمع.

وحضور المرأة العربية سياسياً ليس مطلباً معاصراً، بل هو مطلب تاريخي تم تحقيقة مسبقاً وفق ما تشير إليه الحقائق التاريخية ، ففي بيعة العقبة الثانية شاركت امرأتان، كما أن الحضور النسائي في الفعل السياسي كان موجوداً وبقوة من خلال مشاركتها في العمل على مستوى المدينة من جهة، ومن خلال مشاركتها في بناء الدولة وتحقيق الأمن عبر مشاركتها في المعارك بمختلف الأدوار، وهذا إن دل على شيء فأنما يدل على أن الحضور السياسي للمرأة في الواقع ليس وليد العصر الراهن والاتفاقات الدولية كما يشاع حالياً بل هو من صلب التجارب الإنسانية القديمة التي مهدت لقيام مختلف الحضارات في وقت سابق.

 

بين التمثيل السياسي والمشاركة الحقيقية

بسبب التفاوت والازدواج الذي انتشر مؤخرا في الكثير من المجتمعات العربية وغير العربية بسبب التعينات العشوائية للمرأة من مناصب سياسية لا تمكنها من الحضور الفعلي في القرارات الاجتماعية والسياسية نشأ جدل بيزنطي حيال قضية، فنشأ تساؤل حول: أيهما أهم التمثيل السياسي القائم على تطبيق قوانين الكوتا والتعينات الإلزامية من قبل الحكومات، أم التمكين الاجتماعي الذي يمكن المراة من تحقيق حضورها في الوعي المجتمعي ليصبح حضورها السياسي تحصيل حاصل بمرور الوقت؟

بالطبع لكل سؤال إجابته النموذجية، ولا يمكن الاعتماد على إجابة دون أخرى، فالتمكين المجتمعي يحتاج لقرارات رئاسية الزامية، كما أن التمكين السياسي من خلال الكوتا والتعينات مهم لكنه لا يكفي، وفي هذا الصدد نستشهد بالنتائج البحثية التي توصلت إليها الباحثة الإيرلندية جان ساره ليو، إذ قامت بعمل مسح بحثي لتدرس العلاقة بين الوجود التشريعي للنساء والزيادة في المشاركة السياسية للمرأة، وعملت في بحثها على دراسة التجربة السياسية للمرأة وتمثليها تشريعياً في مختلف المناصب السياسية في ثلاثة عشر دولة هي: كمبوديا، الصين، هونج كونج، إندونيسيا، اليابان، ماليزيا، منغوليا، الفلبين، سنغافورة، كوريا الجنوبية، تايوان، تايلاند وفيتنام، ووجدت أن الوجود التشريعي للنساء لا يقابل زيادة في المشاركة السياسية للمرأة، بل على العكس، من خلال ملاحظتها وجدت أن هذه التجارب تخلق نتائج عكسية، إذ أنها وجدت أنه مع زيادة وجود النساء كعضوات في البرلمان، تقل احتمالات قيام النساء بمناقشة السياسة مع العائلة والأصدقاء، والحضور للتصويت، والمشاركة في الحملات الانتخابية للمرشحات، أو الاحتجاج، وحتى مع زيادة التمثيل السياسي للنساء، يستمرّ بقاء الفجوة بين الجنسين في هذه النشاطات السياسية المختلفة.

ومن خلال بحثها وجدت أن السبب الرئيسي في انقطاع المرأة عن المشاركة الفاعلة في الجانبين الاقتصادي والاجتماعي يعود إلى أن مجتمعات  شرق آسيا وجنوب شرق آسيا يتسم بتناقض بين الحقوق السياسية والاجتماعية للنساء، أكبر من أي جزء آخر في العالم. وطالما ظل هذا التفاوت قائماً، فليس هنالك ما يحفز النساء فجأة إلى الانخراط في السياسة.

كما أنها أشارت في بحثها إلى أن بعض القيادات النسائية عندما تصل إلى منصب رئاسي فإن جدول أعمالها لا يهتم كثيراً بالتحديات التي تواجه المرأة وهذا بالطبع يخلق آثاره السلبية على دور المرأة في تلك المجتمعات في مختلف الجوانب.

قد تختلف طبيعة المجتمعات العربية عن المجتمعات الآسيوية التي تناولتها الباحثة، لكن الجدير بالذكر هو أن هذه المجتمعات كسرت عقدة غياب المرأة سياسياَ من خلال التعينات المركزية عبر الكوتا والتعينات الرئاسية، ومع ذلك لم تنجح في تفعيل دور المرأة اجتماعياً، بل بقي دور المرأة في المناصب السياسية رمزياَ أكثر من كونه فاعلاً وحقيقياً على أرض الواقع، ومعظم الدول العربية اليوم تسير على نفس السيناريو المتعلق بالتعينات وتطبيق الكوتا، وبدلاً من أن يتم إجترار الفشل في وقت لاحق، ينبغي أن يتم الاستفادة من التجارب المحيطة من أجل الاستفادة منها.

  

عربيات في مناصب قيادية خارجياً

من يتتبع الواقع السياسي للمرأة العربية في الوقت الراهن يرى أن خارطة المشاركة السياسية لا تزال ضعيفة في كثير من الدول العربية بسبب الحروب والفقر وعدم استتباب الأمن، أما بالنسبة لبعض الدول المستقرة فإن الأمر يتعلق بغياب الوعي المجتمعي بأهمية المشاركة السياسية للمرأة، وغياب الوعي هذا أثر بشكل سلبي على التجربة السياسية للمرأة ككل، ونشير في هذا الجانب الى التجربة السياسية للمراة الكويتية التي حققت في وقت سابق حضوراً عددياً، ثم غاب تماماَ في تجارب انتخابية لاحقة، وحتى يتم التفصيل في هذه المسألة يتطلب أن نقوم براسات منهجية واعية تناقش هذا الموضوع، لكن في هذه العجالة نشير إلى أبرز ملامح هذه القضية.

من جانب آخر برزت جملة من الاسماء العربية على الساحة الدولية من خلال تعينهن في مناصب قيادية سياسياً في دول ليست عربية، ومن تلك الاسماء:

– نجوى ألبا، سياسية إسبانية من أصل مصري فازت بعضوية البرلمان الإسباني لتصبح أصغر النواب سناً في عمر 25.

– رشيدة داتي، سياسية فرنسية من أصل مغربي وأم جزائرية، تولت منصب رئيسة العدل في فرنسا عام 2007 حتى عام 2009، وتعتبر أول أمرأة من أصل عربي تتولى حقيبة وزارية في الحكومة الفرنسية.

– خديجة عريب، سياسية هولندية من أصول مغربية، تم انتخابها في 13 يناير الحالي لمنصب رئاسة البرلمان الهولندي حتى عام 2017.

– سوسن شبلي، سياسية ألمانية من أصول فلسطينية، أصبحت سوسن أول مستشارة عربية في حكومة ولاية برلين في 2010 ،  كما أصبحت أول أمرأة من أصول أجنبية تتولى رئاسة قسم حوار الثقافات لدى وزير داخلية الحكومة المحلية في برلين.

  • نجاة فالو بالقاسم ، سياسية فرنسية مغربية، شغلت منصب وزيرة لحقوق المرأة في فرنسا عام 2014.

بالطبع ينبغي الإشارة إلى أن الحضور السياسي لهاؤلاء النسوة في المجتمعات الغربية له ارتباط وثيق بالوعي المجتمعي لأهمية المشاركة السياسية والمجتمعية للمرأة في تلك المجتمعات، والأمر ليس حكراً على السياسيات المتجذرات من أصول أجنبية، بل هو أمر متاح للمرأة بشكل عام في تلك المجتمعات، الأمر الآخر هو أن مستوى التعليم والثقافة إضافة إلى سقف الحريات المتاحة في الواقعين السياسي والثقافي في تلك المجتمعات له أثره الإيجابي في تمكين المرأة اجتماعياً وسياسياً.

وفي الظروف الراهنة في كثير من المجتمعات العربية يعتبر الحديث عن موضوع المشاركة السياسية ترفاً لا قيمة له على أرض الواقع، كون المرأة محرومة من حقوقها الأساسية من صحة وغذاء وأمن، لكن يجدر الإشارة إلى أن الواقع الذي تعيشه المرأة العربية اليوم ليس وضعاً طبيعياً بل هو وضع استثنائي تمر به كثير من دول المنطقة، والسؤال الذي يضع نفسه في هذا السياق: هل إذا استتب الأمن ستتمكن المرأة العربية من المساهمة الحقيقية والفاعلة على الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية؟ أم أن أمر مشاركتها يتعلق بقضية أكبر من قضية غياب الأمن؟!

 

خاتمة

في الواقع غياب المشاركة الفاعلة للمرأة العربية سياسياً واجتماعياً لا يتعلق بغياب الأمن وحسب، بل له علاقة بقضية أكبر وهي غياب مفهوم الدور الحضاري للمجتمع ككل وليس للمرأة فقط، ومن أجل مناقشة هذا الموضوع ومعرفة أبعاده وآثاره على واقع المجتمع بشكل عام والمراة بشكل خاص، يتطلب الأمر كما أشرنا إلى جملة من الدراسات الفكرية والاجتماعية التي تسهم في تحديد أسباب الخلل الاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات العربية في الوقت الراهن، وسبل حل هذه الاشكاليات ببعدها التاريخي والمعاصر والمستقبلي، وما هذا التقرير إلا لبنة في بنية فضاءات التساؤل والاستفهام حول سبل حل هذه الاشكاليات وآليات تفعيل دور المرأة في إيجاد هذه الحلول

 

مصادر/

رصيف

موقع العربي

جريدة الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *