المرأة الخليجية والعمل: طموح وتحديات

في الواقع المعاصر ترتبط قضايا المرأة بالكثير من الجدل، والسبب في ذلك تعدد الآراء الدينية حول تلك القضايا، إضافة إلى دور العادات والتقاليد في صبغ معظم تلك القضايا بشكل واحد من التفكير يجعلها من المسلمات، ومن تلك القضايا قضية عمل المرأة، ففي حين يرى البعض أنه من الواجب أن يتم إشراك المرأة في مختلف جوانب الحياة، لتفعيل دورها في بناء المجتمع، يوجد آراء أخرى تجرم خروجها، بل وتراه انتهاكاً لحقوق المجتمع، لما قد يترتب عليه من آثار سلبية على المجتمع نتيجة خروجها للعمل

 

في الواقع المعاصر ترتبط قضايا المرأة بالكثير من الجدل، والسبب في ذلك تعدد الآراء الدينية حول تلك القضايا، إضافة إلى دور العادات والتقاليد في صبغ معظم تلك القضايا بشكل واحد من التفكير يجعلها من المسلمات، ومن تلك القضايا قضية عمل المرأة، ففي حين يرى البعض أنه من الواجب أن يتم إشراك المرأة في مختلف جوانب الحياة، لتفعيل دورها في بناء المجتمع، يوجد آراء أخرى تجرم خروجها، بل وتراه انتهاكاً لحقوق المجتمع، لما قد يترتب عليه من آثار سلبية على المجتمع نتيجة خروجها للعمل.

ورغم هذا الجدل القائم لازالت المرأة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص تحاول أن تضع لنفسها دوراً في بناء المجتمع، من خلال مشاركتها المختلفة في شتى مجالات العمل، من خلال هذا التقرير نحاول أن نسلط الضوء على بعض الجاوانب في هذه القضية.

تحديات اجتماعية

لعل من أكثر التحديات التي تواجه المرأة في رحلة البحث عن العمل والتقدم لها، النظرة المجتمعية لجانب عمل المرأة، فالرأي السائد يرتبط بحرمة خروج المرأة تحت ذريعة الاختلاط، أو بحجة حمايتها، أو بسبب عدم الثقة بقدرتها كونها لا تملك خبرة في هذا المجال أو ذاك، تتعدد الأسباب والحجج أمام المرأة العاملة التي تجد نفسها بمرور الوقت ضمن صفوف العاطلين، أو الغير منتجين، ويوجد رأي آخر يحذر من مغبة خروج المرأة للعمل كون ذلك سيخلق الكثير من الأضرار الاجتماعية والأسرية التي سيتضرر منها الأطفال والمجتمع على حد سواء، وهنا ينبغي التأكيد على أهمية دور المرأة في الأسرة، وفي حال رغبت في العمل يبنغي أن يتم المواءمة بين أدوارها في المنزل وأدوارها في العمل، أما بخصوص النساء اللاتي لا ترتبط أدوارهن في مرحلة ما بالمنزل لماذا لا يزال دورهن في مجال العمل هامشي، أو لا يكاد يذكر؟!

تلعب العادات والتقاليد كما قلنا سابقاً دوراً كبيراً في تضييع تلك الجهود، والسيء في الأمر أن بعض تلك العادات والتقاليد تصيغ بصبغة شرعية تجعلها مسوغة اجتماعياً، وغير قابلة للنقد أو التغيير، وفي هذا السياق يعلق الدكتور جمال الدين محمد حمود بأنه لا يوجد نص قرآني أو ديني يحرم مهنة ما على النساء، غير أنه تم وضع شروط من قبل المجتهدين بشكل يتواءم مع رسالة الإسلام التي وضعت من أهدافها الأساسية تكريم المرأة، فالعمل كله متاح للمرأة، لكن ينبغي أن يتناسب ذلك العمل مع قدرات المرأة ، وبما يكفل حمايتها ويصون كرامتها، ويحقق وجودها ويفعل دورها بشكل كامل دون أن يضر بها، ويضيف أنه نتيجة للتغيرات الكبيرة التي طرأت على المجتمعات العربية جراء الانفتاح بين الحضارات والتقدم التكنولوجي، ظهرت تحديات جمة فيما يتعلق بقضايا المرأة، ووُجِدت أراء تدعوا إلى تضييق أي مجال ق يخلق مشاكل في المجتمع، وكان من بين تلك المجالات التي ضيق عليها هو مجال حقوق المرأة بدعوة سد الذرائع، وأكد على أن الحلال بين والحرام بين، وأن إغلاق أي مجال لم يرد فيه تحريم صريح يخلق مشاكل أخرى في المجتمع.

وفي هذا السياق يتساءل الدكتور ليون برخو مدير مركز دراسات ممارسات الإعلام وتأثيرها على المجتمع في جامعة يونشوبنك-السويدية، حول السبب الذي يجعل المرأة السويدية تنتج وتعمل أكثر من المرأة الخليجية؟!

ويعلق: مع الأسف لقد تم وضع مسألة تحرُّر المرأة في قالب ثقافي أو ديني تقليدي، أقول تقليدي ليس نقداً؛ لأن التقليد قد تكون له فضائل حميدة، والمرأة العربية ومعها الرجل مدعوان إلى الحفاظ على كثير من التقاليد الحميدة التي تحافظ على لحمة وتناسق المجتمع انطلاقاً من الأخلاق الإسلامية الحميدة، فأين الإشكال إذاً؟ الإشكال هو في جعل مسألة انعتاق المرأة برمتها مرتبطة بالمحافظة على التقليد، والإشكال هو عندما يربط الرجل انعتاق المرأة برمته بالمحافظة على ما يراه هو سليم وحميد وحسن.

العادات والتقاليد ليس بالضرورة أن ترتبط بالإسلام، فالإسلام فكر وحضارة وتمدن ونمو وتطور وتفوق وسؤدد وازدهار بل سراج ونور يبدد الظلمات، وإن لم يكن كذلك لما دخلت الأمم فيه أفواجاً وأغلبيتها الساحقة طوعاً، كما في جنوب شرق آسيا مثلاً، حيث تقطن أغلبية المسلمين ولم تطأها أقدام جندي عربي مسلم، ويضيف:المرأة تعمل كي تديم الاقتصاد والرخاء، وتعمل في كل القطاعات، وفي سياق حديثه للتوضيح عمد إلى المقارنة بين وضع المرأة السويدية والخليجية ، إذ يرى أنه لو لم تكن تعمل المرأة في السويد لاضطرت السويد إلى استيراد العمالة الأجنبية وعندئذ ستكون خسارة كبيرة، وهذا كان سيعني جيشاً من العاطلين قد يصل إلى ثلاثة ملايين نسمة ، كما سيعني تحويل مبالغ هائلة من العملة الصعبة خارج البلد، كما قد يتسبب ذلك في  تزاحم شديد على الخدمات العامة التي تقدمها الدولة وزيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي على البضائع المدعومة، وضغطاً هائلاً على السكن والتعليم وغيره، ويتساءل : كم هي نسبة المرأة العاملة في دول الخليج العربية نسبة إلى مجمل القوى العاملة وكم تشكل نسبة العمالة المستوردة فيها ومتى سيتخذ أصحاب الشأن فيها قرارات حاسمة لتصحيح الخلل التركيبي في بنية الاقتصاد والمجتمع وكل ما يتعلق بحاضره ومستقبله؟

آثار مجتمعية واقتصادية

يترتب على ذلك العديد من المشاكل التي تلقي بظلالها على الجانب الاقتصادي، فتعطيل دور المرأة يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد، إذ أنه يتم تعطيل نصف طاقات المجتمع، وفي دراسة  أصدرتها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي حول التركيبة السكانية وأثرها في أمن دول الخليج،  كشفت عن تدني مشاركة المرأة الخليجية في سوق العمل الخليجي، حيث لم تتجاوز هذه النسبة 2% في الإمارات و12.3% في البحرين و8.1% في السعودية و7.1% في عمان و2.6% في قطر و6.5% في الكويت عام 2008، إضافة إلى أن تلك الدراسة عرضت مؤشرات خطيرة حول  تلك ظاهرة، أنه مقارنة بنمو قوة العمل النسائية الوطنية في سوق العمل الخليجي على امتداد عشرة أعوام، فقد تبين مراوحة تلك النسب عند معدلاتها دون تغيير يذكر على مدى عقد كامل، وهناك أسباب كثيرة لذلك التدني منها أن كثير من الوظائف غير مقبولة من قبل المواطنين، وذلك يؤدي استقدام اليد العاملة الأجنبية التي باتت تشكل نحو 70% من قوة العمل في الأسواق الخليجية، وهذا بالطبع يؤثر بشكل كبير على الجانب الاقتصادي، إضافة إلى أنه يؤثر على التركيبة السكانية على المدى الطويل.

في مقال نشرته وكالة أخبار المرأة تم التطرق إلى جانب آخر في هذه القضية، إذ أنه يوجد نسبة كبيرة من النساء اللاتي لا يرغبن في العمل، وذلك إما بسبب التحديات التي تكتنف مجالا العمل، وإما بسبب العادات والتقاليد التي اعتادت عليها معظم النساء في دول الخليج، وتوضح الكاتبة سعاد العريفي ضمن الاستطلاع أن عدد السعوديين في سن العمل حوالي 14 مليون يعمل منهم (أو يرغب في العمل) خمسة ونصف مليون فقط يمثلون نسبة 40 % من السعوديين في سن العمل، نسبة 62% من الرجال السعوديين يعملون أو يرغبون في العمل (هم محسوبون في قوة العمل)، ونسبة 17 % من السيدات السعوديات يعملن أو يرغبن في العمل (محسوبات في قوة العمل)، أي أن من بين كل 100 سيدة سعودية 73 لا يعملن ولا يرغبن في العمل أصلا!

تجارب ناجحة

حتى يتم حل هذه الاشكالية عمدت بعض الحكومات في دول الخليج على تقديم تسهيلا للمرأة في جانب سوق العمل، كما أنها شجعت على دخول النساء في بعض المجالات التي لم تكن متاحة لها من قبل، مثل مجال التشييد والبناء، لكن الجهود الحكومية لم تشمل الجميع، إذ أن مشكلة البطالة لازالت قائمة بشكل عام، ومنشرة بشكل كبير في صفوف النساء، غير أن هناك نساء رفضن أن يستسلمن للقيود التقاليد، أو الحلول الحكومية التي قد تتأخر،تلك النماذج حاولت أن تستفيد من الإمكانات المتاحة لها لتصنع فرصتها، وتساهم في تنمية المجتمع بالقدر الذي تستطيعه، ومن خلال الدور الذي صنعته، ومن تلك التجارب قصة فادية منشي التي استفادات من مجال دراستها وموهبتها في حرفة المشغولات وفي صناعات اللوحات بالاستفادة من محتويات البيئة وإعادة تدويرها وتحويلها إلى تحف فنية تحاكي التراث، وتعلق بأن الحرف المتواضعة لا تعيق المرأة عن مواصلة نجاحها وطموحها في بناء عمل خاص بها، بعيدا عن رتابة بعض الوظائف وجمودها، أو أنتظار الفرص الوظيفية التي قد لا تأتي، لتستطيع تحقيق مبتغاها ورغبتها في العيش بكرامة والاعتماد على نفسها بدلا من العوز والحاجة، إضافة إلى أن كسر حاجز الخجل والخوف من نظرة البعض يعطي نجاحا إضافيا للفتاة، ولابد أن يتقبل المجتمع تلك المهن، فلا عيب مع العمل.

من جانبها ترى نادية باماقوس التي اتخذت مجال صناعة الإكسسورات وتجميل الأثاث والأواني المنزلية مهنة لها: أن نظرة المجتمع للمهن الحرفية تغيرت كثيرا عن السابق، في ظل قلة الوظائف الحكومية والأهلية، ومضي أعمار كثير من الشباب والفتيات في انتظار الفرص الوظيفية، ما جعل كثيرا منهم يتجهون إلى الأعمال الحرفية أو العمل في المهن الأخرى التي لم تكن مقبولة في السابق، كالطهي وفي المطاعم والكافتريات والعمل في حمل الحقائب في الفنادق والكاشيرات أو الورش وغيرها من الحرف اليدوية، خاصة بعد تبني المعاهد ومراكز الأعمال هذه المهن والمشاريع، وتطويرها بالشكل الملائم مع وضع حاجة المجتمع.

حلول ومقترحات

الجدل القائم بين أهمية مشاركة المرأة في العمل من عدمه يرتبط  بعدة جوانب مجتمعية ودينية ومعرفية، لكن العادات والتقاليد تلعب دوراً كبيراً في تلك الإشكالية، التي ترتبط بشكل أساسي بالجدل القائم بين العرف والدين، وتعلق دكتورة الدراسات الإسلامية  رقية العلواني  أن الأيات القرآنية واضحة، والخلاف القائم بين بعض الأعراف والدين يتطلب بشكل أساسي بناء الوعي القادر على فهم نصوص الدين ليربطها بالواقع، القوانين تعمل على تنظيم تلك العلاقة لكن القانون لوحده لا يكفي القانون كتطبيق إذا لم تأتي من الإنسان إرادة وفهم في الحقيقة ووعي ليقوم بدوره على أكمل وجه.

من جانبها ترى الكاتبة ليلى محمود إن تصحيح المنظور الخاطئ و اللاّعلمي للعمل بشكل عام وعمل المرأة بشكل خاص يضعنا أمام مهمتين رئيسيتين :

  • العمل على تذليل كل الصعوبات والعوائق التي قد تواجه المرأة العاملة، من خلال التأكيد على أهمية دورها بمختلف الوسائل، وإشراك كافة الجهات المجتمعية في تفعيل هذه المهمة كالمنابر العلمية والثقافية والدينية.
  • العمل على سن قوانين تحمي حقوق المرأة أثناء العمل، وتتناسب مع قدراتها واحتياجاتها، لان ذلك سيشجع الكثير من النساء على النزول للسوق العمل، كما أنه سيحافظ على دور المرأة وبينة المجتمع.

 

خاتمة

التحديات القائمة في مجال العمل لا تواجه المرأة الخليجية وحسب، بل تواجه المرأة في كل مكان في العالم، غير أن العادات والتقاليد تعتبر من أكبر التحديات التي تواجه المرأة في الوطن العربي بشكل عام، والمرأة في دول الخليج بشكل خاص، وهنا تأتي أهمية التأكيد على قضية الوعي، ليس بناء وعي المرأة وحسب، بل بناء وعي المجتع أيضاً، لأن ذلك سيخلق تغيير حقيقي في مجال واقع المرأة ، تغيير يخلق استقرار ومشاركة فاعلة للمرأة في المجتمع، بحيث تكون أدوارها أساسية وفاعلة وليست مجرد أدوار ثانوية أو هامشية في جانب العمل.

 

 

مصادر

وكالة اخبار المرأة

الحوار المتمدن

العربية

الجزيرة

الكومبس

عكاظ