ثقافة الاستهلاك بين السلوك الاجتماعي والثقافة العالمية

تتداخل أسباب وظواهر الاستهلاك في المجتمعات العربية بشكل عام، وفي المجتمعات الخليجية بشكل خاص، لكن أكبر سبب يرتبط بجانب غياب الوعي

 

بمجرد أن يتم الإعلان عن فيروس أو وباء ما تتسلح المجتمعات والأفراد ضد ذلك الوباء بالاستعداد الجيد لمكافحته، عن طريق حملات التوعية، أو عن طريق العلاج المباشر للحد من نفشي ذلك الوباء من أجل القضاء عليه، يحدث هذا بالنسبة للأوبئة الواضحة، لكن بالنسبة للأمراض والأوبئة التي لا تحمل تعريفاً محدداً، أولا تصنف كمرض كونها جزء من ثقافة ما، يختلف الأمر معها، إذ أنها تواصل زحفها وانتشارها في مختلف المجتمعات دون أن تجد أي خطوة رادعة توقفها، من قِبل الفرد ومن قِبل المجتمع، وعلى رأس تلك الأوبئة العصرية الخفية يأتي الاستهلاك، الذي يستنفد طاقتنا وأموالنا، ورغباتنا وصحتنا دون مقابل ذو قيمة.

وفق تقرير نشرته الجزيرة تبلغ نسبة الانفاق السنوي في دول الخليج على الكماليات والأشياء غير المهمة 20%، وتعتبر هذه النسبة مرتفعة على مستوى العالم، لكن الانفاق على الأشياء الكمالية ليس هو الوحيد المرتبط بالنزعة الاستهلاكية في هذه الدول كما تشير احصائيات أخرى، بل إن الاستهلاك يشمل السلع الأساسية أيضاً، إذ ينفق المجتمع السعودي سنوياً على الطعام حوالي خمسين مليار ريال، نصف هذا المبلغ يذهب لسلة المهملات، إذ أنه عادة ما يتم رمي نصف الطعام بسبب العادات الاستهلاكية، في السطور القادمة نستعرض مختلف الأراء حول هذه القضية، ونحاول أن نرى أثارها على المجتمع، كما نحاول أن نستقريء بعض أراء المختصين حول إمكانية إيجاد حلول لها.

 

عادات مجتمعية

في حقيقة الأمر مشكلة الاستهلاك باتت مرتبطة بشكل وثيق بنمط الحياة، والعادات والتقاليد التي اعتادتها الأسرة في الخليج، ويعلق عبد الله بلشرف، رئيس مجموعة بلشرف الغذائية  بأن هناك عددا من العوامل منها الاقتصادية والاجتماعية أسهمت في دفع أفراد المجتمع السعودي نحو الاستهلاك الزائد أو غير المدروس للكثير من السلع، وأثر ذلك بشكل كبير على اقتصاد البلد بشكل عام، والسلوكيات الفردية بشكل خاص، ويؤكد على أنه إذا تم ترشيد الاستهلاك الفردي وتبنيه كسلوك مجتمعي من خلال حملات التوعية سيتم حل جانب كبير من هذه المشكلة.

ما يؤكد على تفشي هذه الظاهرة هو انتشار المولات أو الأسواق التجارية الضخمة، والتي تعتبر متنفس مناسب لكثير من الأسر الخليجية، التي تجد نفسها محاطة بمختلف أنواع السلع، ورغم الأسعار الباهضة يدمن كثير من الخليجين شراء تلك السلع وإن كانوا لا يحتاجون إليها بالفعل، ونتيجة للإقبال الكبير على الاستهلاك، تعتبر دول الخليج قبلة لكثير من الشركات التجارية بمختلف أنواعها، سواء أكانت في مجال التصنيع الغذائي، أو الطبي أو التجميلي، وتعلق الكاتبة ناهد باشطح أن الاستهلاك الترفيهي من أكبر الأسباب التي تدفع الناس لحُمى الشراء ، وتؤكد بأن ذلك الإقبال الشديد على السلع الاستهلاكية لن تقتصر أضراره على المجتمع الحالي، بل ستمتد للأجيال القادمة التي تجد نفسها تمارس تلك السلوكيات بالقدوة، نتيجة اعتيادها عليه إذ أنه أصبح جزءاً من سلوك المجتمع.

 

ثقافة عالمية

‫هوس الشراء‬‎ ile ilgili görsel sonucu

منذ أن أصبح النظام العالمي يعتمد على الأسواق العالمية والأسواق الحرة، أصبحت النزعة الاستهلاكية جزء من ثقافة الواقع، ومن هنا أصبحت ثورة الإعلانات من أهم الوسائل التي تعتمد عليها تلك الشركات في دفع الناس لشراء أشياء لا يحتاجون إليها بالفعل.

يعلق الدكتور زيد الرماني، وهو  كاتب سعودي أكاديمي ومستشار اقتصادي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: إن الذي يميز العادات الاستهلاكية الحديثة من تلك التي كانت سائدة في عصور سابقة، هي أننا أكثر ثراءً من أسلافنا، لكن الثراء ليس هو السبب الوحيد الذي يدفع الناس للإنفاق دون مسؤولية، بل هناك أطراف دولية تسعى لأن تجعل السلوك الاستهلاكي سلوك طبيعي لدى المجتمعات بشكل يصب في مصلحتها، وأضاف توجد خمسة عوامل جديدة مميزة يبدو أنها تلعب دوراً في غرس الشهوات الجشعة في النفوس، وهي تأثير الضغوط الاجتماعية على المجتمعات البشرية، الإعلانات، ثقافة التسوق والشراء، السياسات المختلفة للحكومة، وتغلغل سوق الجملة في دنيا المنازل وفي الاعتماد الذاتي المحلي، ويؤكد على ضرورة تنبيه المجتمعات بمخاطر الثقافة الاستهلاكية التي يسعى النظام العالمي الجديد إلى تعميمها ـ مستخدماً مختلف الوسائل المتاحة لذلك، كتسهيلات قروض البنوك، وتكثيف الإعلانات.

 

حماية المستهلك

رغم الحملات الكبيرة التي تنفذها الحكومات والمؤسسات المجتمعية للتقليل من أثار الاستهلاك في المجتمع عبر سن مختلف القوانين وتنفيذ العديد من حملات التوعية، إلا أنه لا يزال منتشراَ وبشكل كبير بين مختلف الفئات العمرية، وبين مختلف الطبقات الاجتماعية، وفي هذا السياق تعلق الكاتبة ناهد باشطح بأن الجهود الحكومية والخاصة لوقف نزعة الاستهلاك لن تفيد ما لم يكن هناك حملة توعية مكثفة على مستوى الفرد، إذ أن وعي المواطن الذي يشتري السلعة دون قرار، والذي يشهد غش البائع له أو لغيره فلا يلجأ للتبليغ عنه، والذي لا يعرف مسؤولية أن المال ليس مسؤولية فردية وأنه مسؤول عنه يوم الحساب كيف جمعه؟ وفيم أنفقه؟ هي أهم، لأن المواطن هو الورقة الرابحة في زمن العولمة.

 

هوس الشراء

يربط كثير من الخبراء السلوك الاستهلاكي بجانب تأثير إجتماعي، إضافة إلى أنه قد يصبح سلوك مرضي، إذ أن الانفاق الكبير والمستمر على أشياء كمالية يؤثر بشكل كبير على الاحتياجات الأساسية في حياة الناس، ليجد بعض الناس نفسه وقد أصبح لديه هوس لشراء مختلف المقتنيات، رغم اقتناعه التام بعدم حاجته إليها، وتوضح الدكتورة موزة المالكي المتخصصة في الجانب النفسي: بأن الهوس الشرائي أو هوس الشراء عند الإنسان البالغ الواعي يرتبط أحياناً بالجانب اللاوعي، ويرتبط ذلك بأسباب نفسية قد تكون منذ الصغر وقد تكون نتيجة لاضطرابات نفسية يعوض الإنسان الإحساس بالنقص، وتؤكد على أن أكبر سبب في انتشار هذا المرض – خصوصاً بين أوساط النساء -هو أن الطفرة المادية التي شهدتها دول الخليج في الفترة السابقة هي السبب، وتنبه إلى ضرورة معالجة هذه الإشكالية إذ أنها في المستقبل القريب لن يكون أثرها مقتصراً على عدد بسيط من الناس بل ستؤثر بشكل أكبر على المجتمع.

 

ظاهرة الفاشينستا

‫التجميل‬‎ ile ilgili görsel sonucu

هذه أحد الصرعات الأخيرة في عالم الاستهلاك، والتي تعني وجود جيل يعيش في عالم التواصل الاجتماعي، حيث يعرض حياته ومقتنياته الجديدة –كل يوم- على حسابه في بعض مواقع التواصل الاجتماعي ليكسب مزيد من المعجبين، انتشرت هذه الظاهرة بشكل كبير مؤخراً في المجتمع الخليجي، خصوصاً بين أوساط الشباب، يقول الباحث الكويتي ناصر المجيبل، المتخصص في الإعلام، أن ظاهرة (الفاشينستا) تمثل مرحلة طبيعية من مراحل تطور الأسواق، فالمنتجون بحاجة لابتكار، واستثمار أي وسيلة جديدة تساهم بالترويج لمنتجاتهم، وكانت ظاهرة فتيات الانستغرام فرصة جديدة للمنتجين للدخول إلى أسواق والوصول لشرائح جديدة من المستهلكين، ويؤكد على أن هذا التطور ليس مشكلة في حد ذاته، فهو وسيلة ترويج وتسويق مبتكرة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التداخل في حياة “الفاشينستا “التجارية والشخصية في ذهن المستهلك أو المتابع، فالمتابعون يعتقدون أن حياة هؤلاء الناس هي الحياة الطبيعية والمثالية، وحياتهم هي حياة غير طبيعية وبحاجة لإصلاح، بل أصبح الجمهور يرى، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، أن جميع من حوله يحيا حياة رائعة ما عدا سواه، ويرجع التفسير أن الناس، والفاشينستا خصوصاً، لا يعرضون إلا الجانب الجميل من حياتهم اليومية، والذي يمثل ثواني معدودة من أصل ساعات طويلة خفية.

 

مفاتيح وحلول

حتى يتم تلافي هذه الإشكالية ينبغي أن يتم النظر بعين الجد للأسباب التي خلقت هذه المشكلة، بحيث يتم معالجتها وتلافيها حتى لا يستمر تاثيرها السلبي على الفرد والمجتمع، وفي هذا السياق يقدم الدكتور سامي إبراهيم السويلم مقترحات لعلها تكون السبب في وقف هذه المشكلة، وأهمها ضرورة  تنمية قيم الإنتاج والمسؤولية، إذ أن التطور الصناعي الذي حدث على مستوى العالم حقق الكثير من المنافع للمجتمعات المعاصرة، لكنه في الوقت نفسه كرس روح السلبية والاعتماد على الآخرين، وصار الإنسان أشبه ما يكون عالة على أصحاب العمل بعد أن كان هو سيد نفسه فيما مضى وهو المسؤول عن تحصيل دخله وثروته، وتغيير هذا النمط الاجتماعي يتطلب إحياء قيم الاعتماد على النفس وبناء المشاريع الصغيرة وحسن التخطيط والادخار للمستقبل، ومع التقدم التقني الهائل في مجال الاتصالات والمعلومات، أصبح من السهل على الشخص أن يدير أعماله من منزله وينجح في بناء عمل مدر للدخل بدرجة مقبولة دون تكاليف كبيرة، كل ما يتطلبه الأمر هو الهمة العالية والاعتماد على النفس، مع القدر الضروري من الثقافة المالية والاقتصادية، التي تكاد تكون مغيبة بالكامل للأسف عن مناهجنا العامة.

ويؤكد على  ضرورة الوقوف بحزم أمام مظاهر الإنفاق والاستهلاك التفاخري القاتل والمدمر للاقتصاد الوطني، وهذا يتطلب تضافر الجهود الرسمية وغير الرسمية في وضع القيود الأخلاقية والتنظيمية أمام الإسراف والمباهاة المذمومة التي تؤثر بشكل كبير على بنية وتلاحم المجتمع، من جانبها تؤكد الكاتبة ناهد باشطح على ضرورة زيادة الوعي الاقتصادي: حيث يتضح للأفراد الآثار السيئة للاستهلاك الترفي، ليس عن طريق توضيح مضار وسلبيات الاستهلاك الترفي وحسب، وإنما أيضاً عن طريق بيان حسنات استثمار الثروات، بما يرجع بالخير على الفرد والمجتمع، إضافة إلى تشجيع الأفراد على الادخار وفتح قنوات فعالة لاستثمار مدخراتهم، و توجيه جزء من الثروة إلى عملية الانتاج، بما يخدم حاضر الإنسان ومستقبله.

 

خاتمة

تتداخل أسباب وظواهر الاستهلاك في المجتمعات العربية بشكل عام، وفي المجتمعات الخليجية بشكل خاص، لكن أكبر سبب يرتبط بجانب غياب الوعي، إذ أن طريقة تعامل الناس مع المال تنطلق من فهم خاطئ، باعتباره وسيلة للإنفاق ليس إلا، بينما يوجد أكثر من طريقة للاستفادة من المال باعتباره عصب للتنمية في الحياة، وبدونه لا قيمة لأي مجتمع مهما بلغت ثروته طالما أنه بقي بعيداً عن مربع الإنتاج والانجاز.

 

 

مصادر

الجزيرة نت

موقع العربي

الرياض

موقع الدكتور سامي السويلم

موقع الألوكة