الواقع وتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي

في عصر ثورة الصورة والتكنولوجيا احتلت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام وموقع اليوتيوب بشكل خاص مكانتها الأثيرة في واقعنا، أصبحت تلك الوسائل أحد الفاعلين الرئيسين في واقعنا، نظراً لقدرتها الكبيرة على التأثير، ليس في مجال الترفية والفن وحسب، بل في مجال الحياة بشكل عام

وسائل التواصل الاجتماعي هل تصنع فرقاً ما ؟

في عصر ثورة الصورة والتكنولوجيا احتلت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام وموقع اليوتيوب بشكل خاص مكانتها الأثيرة في واقعنا، أصبحت تلك الوسائل أحد الفاعلين الرئيسين في واقعنا، نظراً لقدرتها الكبيرة على التأثير، ليس في مجال الترفية والفن وحسب، بل في مجال الحياة بشكل عام.

للصورة قدرتها التعبيرية لإيصال المعنى، إذ أنها لا تخاطب حاسة واحدة، بل عادة ما تخاطب كل الحواس دفعة واحدة، مما يجعلها اكثر تأثير من الوسائل التقليدية التي تخاطب حاسة واحدة، وفي واقعنا العربي الممتلئ بالأحداث والتحديات أصبح اليويتوب أحد أهم الوسائل التي يلجأ إليها الشباب ليصلوا إلى مجتمعاتهم، ليأخذوا دورهم في التأثير وصناعة الأحداث.

لم يكن من السهل أن يصل صوت أحد الهواة أو المهتمين بقضية ما لملايين الأشخاص في غضون ساعات قليلة، لكن مع تقنية اليوتيوب أصبح من السهل حدوث ذلك، بل وأصبح من غير المفاجئ أن يصل الخبر لملايين الأشخاص في نفس اللحظة، لكن هل بوصول المعلومة لملايين الأشخاص يحدث الفرق؟ أم أن الأمر متعلق بالمضمون الذي عادة ما يُغفل على حساب أهمية الانتشار!

هنا نستعرض مجموعة من النقاشات حول صناعة الفيديو، ونسوق جملة من التساؤلات حول هذا الموضوع بهدف إثارة الانتباه لأهمية هذه الأداة، كي يتم استخدامها بشكل أمثل.

 

فضاء مفتوح

 

نظراً لانعدام الفرص أمام المواهب الشابة، إضافة إلى صعوبة الحصول على دعم مادي لتمويل المشاريع الإبداعية الشابة، توجهت فئة كبيرة من الشباب إلى عالم الانترنت وبرامجه المجانية، لم يكن من المتخيل أن تتحول تلك المحاولات الترفيهية إلى محاولات جادة قادرة على أن تخلق تأثيرها في الواقع العام.

يعلق الإعلامي حامد الغامدي بأن مايقدم الآن عبر اليوتيوب من الشباب أصبح يجد اهتماماً واسعاً وربما قد تجاوز مايقدم عبر الإعلام الرسمي حيث استطاعوا معرفة ماذا يريد الجمهور واستطاعوا الوصول له بأسرع وأقصر الطرق وبأبسط الإمكانات، وتضيف المذيعة السعودية ناهد الخالد قائلة: أعتقد أن السر في انجذاب المشاهدين لليوتيوب وبرامجه ومسلسلاته، أنها خفيفة وتتحدث بلغة الشارع دون حواجز، كما أن سهولة الاطلاع عليها في أي وقت وأي مكان، إضافة إلى محتواها الخفيف والمسلي قد لعب دوراً كبيراً في انتشارها بين مختلف الفئات المجتمعية.

ويعلق من جانبه الفنان عبد الرحمن الرقراق حول انتشار النشاط الشبابي في مجال اليوتيوب بشكل كبير: بأن التنافس الكبير بين مختلف البرامج الشبابية أثرى تفاعل الناس في جانب اليوتيوب أكثر من الوسائل الآخر، ويشير إلى أنه من الجيد لو يتم استثمار هذه المواهب الواعدة عن طريق جمعيات الثقافة والفنون، أو عن طريق االمسابقات.

انتشار واسع

 

بعيداً عن صعوبة الدعم المالي، تأتي ميزة غياب الرقابة من وسائل الإعلام الحديث كأحد أهم الأسباب التي تساهم في انتشاره بهذا الشكل الكبير، ويعلق الكاتب والباحث عبد الله المالكي: أن انعدام مساحات التعبير الحر والحريات هو ما دفع الشباب السعودي إلى استخدام “تويتر” بوصفه فضاء حراً لطرح قضاياهم ومشاكلهم والتعبير عن آرائهم، وقال إنه ليس ثمة هامش للتعبير أو فتح صحيفة أو جمعية ثقافية أو حقوقية في السعودية.

ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي نديم المنصوري من جانب آخر أن الهوية الخفية على الإنترنت تتيح للكثيرين التعبير عن قضاياهم ومشاكلهم بحرية دون ضوابط ودون خوف، خصوصا في المجتمعات العربية التي فيها إعلام رأسي لا يسمح فيه بالتعبير بشكل حر، وأوضح أن لجوء الشباب إلى الإنترنت كونه أسرع الوسائل وأكثرها توفيرا ماديا، إلى جانب سهولة استخدامه وحضوره الدائم وقدرته على التعبئة عبر التعليقات والتفاعلات، فضلا عن أنه خارج ضوابط السلطة السياسية.

 

خصائص استثنائية

 

على الرغم من أهمية انعدام التكلفة في الجانب المادي، إضافة إلى جانب الحرية التي توفرها وسائل الإعلام الرقمي، إلا أن هناك ميزات أخرى تتوفر في هذه الوسائل، لتجعلها منافس حقيقي لوسائل الإعلام التقليدي، وفي هذا السياق يعلق المتخصص في الإعلان الرقمي عمار البكر، بأن هناك أربع ميزات خلقت للإعلام الرقمي خصائصه، أهمها التلاؤم، والمقصود بالتلاؤم هو مدى قرب المادة الإعلامية من الجمهور وثقافته، ونظراً لقلة التكلفة الإدارية والمالية المفروضة على وسائل الإعلام الرقمي أثر ذلك بشكل إيجابي ساهم في انتشارها، الجانب الثاني يرتبط بفئات الجمهور، إذ أن وسائل الإعلام التقليدي كالتلفزيون والصحف تهتم بالوصول إلى أكبر قدر من فئات الجمهور، بينما في الإعلام الرقمي بشكل عام وبرامج اليوتيوب بشكل خاص يظهر جانب التخصص، بمعنى أن القائمين على تلك البرامج يقتربوا بشكل حقيقي من جماهيرهم ليلبوا احتياجاتهم، وبالتالي يزيد الإقبال لوجود التحديث والتطوير الذي يتناسب مع فئة الجمهور، الجانب الثالث: المشاهدة حسب الطلب، بمعنى أن المتابع للإعلام التقليدي يرتبط بأوقات محددة، بينما وسائل الإعلام الرقمي لا ترتبط بوقت محدد، بل ترتبط بذائقة المتابع نفسه، والجانب الرابع: قصر المادة في الإعلام الرقمي، خصوصاً في البرامج اليوتيوبية الناجحة يلعب دور كبير في زيادة عدد المتابعين، إذ أنه نظراً للإيقاع السريع الذي تعيش به المجتمعات حالياً، فقصر المادة أحد أهم الميزات التي تجذب الجمهور.

الإعلام الرقمي في دول الخليج

لأسباب عدة وعوامل تعتبر دول الخليج من أكثر الدول على مستوى الوطن العربي متابعة لوسائل الإعلام التقني، فالجانب الإبداعي ليس هو الوحيد في دفع عشرات البرامج اليوتيوبية الشابة من الصعود والانتشار بشكل كبير، بل أن الجانب المادي والسياسي والاجتماعي لعب درواً كبيراً في انتشارها، خصوصاً وأن نتلك البرامج تقدم انتقادات إيجابية وأحياناً لاذعة لبعض المشاكل الاجتماعية التي تواجه المواطنين.

ومن أشهر تلك البرامج برنامج (صاحي)، وبرنامج (أيش اللي)، وبرنامج (مسامير)، وبرنامج (لا يكثر) والتي حققت متابعات كبيرة وصلت لملايين خلال أيام معدودة من نشر حلقاتها، بل أن بعض تلك البرامج تصدرت قائمة أكثر البرامج المشهورة على مستوى الوطن العربي وفق مجلة فوربس-الشرق الأوسط، كما أن بعض تلك البرامج تحولت إلى مشاريع على أرض الواقع.

 

تساؤلات وانتقادات

على الرغم من انتشار برامج اليوتيوب وتأثيرها الكبير والإيجابي على الواقع، إلا أن هناك بعض الآراء ترى أن مثل تلك البرامج لم تعد مفيدة كما كانت بالسابق، إضافة إلى أنها لم تعد أحد الروافد التي تغذي المجتمع إيجابياً بقدر ما هي أحد الروافد التي تخلق مختلف المشاكل، وفي هذا السياق يقول الإعلامي تركي الدخيل أنه على الرغم من الإبداع والقوة التي ابتدأت بها تلك البرامج إلا أنها خلال الفترة الأخيرة أصبحت نسخ مقلدة من بعضها، ويشير إلى أن حس النقد اللاذع يكون إيجابياً إذا كان المقصود منه علاج الظواهر السلبية في المجتمع، لكن إذا كان النقد لمجرد التسلية أو لمجرد النقد فلا فائدة فيه، بل أنه قد يثير المشاكل أكثر من أن يحلها.

ويقول نواف القثامي من جانبه أن التقليد والتكرار في بعض البرامج اليوتيوبية فقدت تلك الوسيلة المهمة دورها إلى حد ما، لكنه يؤكد بغض النظر عن العيوب والمساوئ التي تصاحب ظاهرة التقليد والتكرار، تبقى تلك البرامج على قدر بساطتها مساهمة في لفت الأنظار إلى هموم الناس وواقعهم من قبل مختلف الاطراف.

 

سلبيات وتحديات

تشير كثير من الدراسات إلى أن الفوائد من انتشار ثورة التكنولجيا توازي أو تكاد تساوي مساوئها، خصوصاً في جانب الأمنية فيما يتعلق بالمعلومات الشخصية، أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي نديم المنصوري بأن الإعلام الرقمي يمثل مرحلة استعمار الكتروني دون مقاومة حقيقية من قبل مختلف الأفراد أو الجهات الحكومية في الوطن العربي، وأكد على أن تلك الوسائل تعتبر ضمن أدوات السياسية الناعمة التي تستخدمها الدول القوية لتنفذ أجندتها، بدوره أشار الخبير الأمني في أنظمة المعلومات عبد الله العلي إلى أن مستخدم الإنترنت مستهدف من أجهزة أمنية خارجية وداخلية، وكذلك قراصنة الإنترنت الذين يسرقون معلوماته وبياناته ويبيعونها لأطراف أخرى، مشيرا إلى أن فضاء الإنترنت أصبح مليئا بالجواسيس وأجهزة الاستخبارات، ونبه إلى ضرورة التعامل بمسؤولية مع هذه التقنيات، عبر استخدام كلمة سر قوية، وعدم نشر كل المعلومات الشخصية في هذه الوسائل.

 

المرأة الخليجية وبرامج اليوتيوب

على غرار انتشار البرامج اليوتيوبية في دول الخليج بشكل عام وفي السعودية بشكل خاص، تأثر واقع المرأة بتلك البرامج، إذ تم تبني بعض البرامج الإعلامية الناقدة اجتماعياً، وتم بناء فريقها من كادر نسائي، ومن أبرز تلك البرامج برنامج (أنا وهي) إضافة إلى (بناتيوب)، وبظهور تلك البرامج أثيرت نقاشات واسعة حول أهميتها ودورها، وقدرتها على إحداث تغيير في واقع المراة الخليجية، ورغم الصدامات الكبيرة التي خلقتها تلك البرامج إلا أنها لا زالت مستمرة حتى الآن، إذ تعتبر ضمن البرامج الناقدة لواقع المرأة في المجتمع الخليجي، لكن يؤخذ على تلك البرامج أنها تستخدم أسلوب التصادم بمعنى أنها تحاول أن تخلق التغيير من خلال التصادم مع المجتمع، صحيح أن أسلوب الصدمة قد يفيد في بعض التجارب، لكنه في الأغلب لا يفيد، بل قد يخلق ردة فعل سلبية تجاه المجتمع، وينبغي أن يتم التوازن في اختيار القضية وطريقة طرحها، بشكل يخدم القضية ويوعي الرأي العام أكثر من ان يتصادم معه.

 

خاتمة

برنامج (ايش اللي) أو برنامج (مسامير) وغيرهما من البرامج على مستوى الخليج أو على مستوى الوطن العربي لم يحققوا نجاحهم من فراغ، بل لأنهم انطلقوا من قاعدة مناقشة المسكوت عنه، قد يكون القالب الترفيهي هو الوسيلة الانسب للنقد في ظل المجتمعات العربية التي لا زالت تعيش تحدياتها الخاصة على المستوى الاجتماعي والسياسي، لكن هل النقد الساخر يكفي لإثارة الاهتمام ؟ وهل انتشار تلك البرامج بذلك القدر الكبير يدلل على نجاحها ؟!

للإجابة على مثل هذه الأسئلة ينبغي الانطلاق من واقع بحثي منهجي لسنا بصدده هنا، بقدر ما نحاول أن نثير تساؤلات كما أشرنا سابقاً، وبغض النظر عن الانتقادات والتحديات التي تواجهها تلك البرامج الشبابية، لكن صمودها على أرض الواقع، ومواصلتها لانتشارها في مجتمعات أخرى، وتطرقها لنقاشات أعمق يدلّ على أن هناك ثمة وعي ينتشر في أوساط القائمين عليها، لكن ذلك الوعي لا يزال محصوراً في بعض البرامج وليس في جلها، وبالتالي لا يزال أثرها بسيط على أرض الواقع، لكن من يعلم ربما أن مثل هذه الوسائل هي التي ستبني الوعي إذا ما وجهت بشكل إيجابي نحو قضاياها المجتمعية، وسواء تم مناقشتها في قالب فكاهي أو جاد  بالطبع ستعرف طريقها لقلب وعقل الجمهور.

المصادر:

الجزيرة

وكالة أخبار المرأة

الرياض

عالم الإبداع

ساسة بوست

الوطن

العربية

أراجيك