المرأة: البطل المجهول في الحروب

منذ الحرب العالمية الأولى والثانية ظهرت الأسلحة الفتاكة التي تودي بحياة الملايين، وأمام حجم الدمار الكبير وجدت المرأة نفسها مسؤولة عمّا تؤول إليه الأمور بعد الحرب، لذلك تنوعت قصص المعاناة بين المشرق والمغرب، إلا أن المعاناة الإنسانية تبقى واحدة مهما اختلف شكلها ولونها وهويتها.

منذ الحرب العالمية الأولى والثانية ظهرت الأسلحة الفتاكة التي تودي بحياة الملايين، وأمام حجم الدمار الكبير وجدت المرأة نفسها مسؤولة عمّا تؤول إليه الأمور بعد الحرب، لذلك تنوعت قصص المعاناة بين المشرق والمغرب، إلا أن المعاناة الإنسانية تبقى واحدة مهما اختلف شكلها ولونها وهويتها.

لا تأتي الحروب بخير مطلقا، لكنها تستمر وتهلك الحرث والنسل، تؤمن النساء بهذه القاعدة، وعلى الرغم من أنهن لسنا سبباً مباشراً في صناعة الحروب، إلا أنهن الأكثر تضرراً منها، فمجرد أن تشتعل الحرب يكون الرجال وقودها، لتبقى المرأة تتحمل الأعباء وتحمل على عاتقها الكثير من الهموم كالاهتمام بالأطفال، والسعي لأجل الرزق، وتحمل شظف العيش، والكفاح في هذه الحياة فضلا عن ذلك ما تتجرعه من الخوف والرعب التي تتزامن مع الحرب.

وأمام هذه المعاناة نجد نماذج مشرقة للصمود والتحمل والسعي لتغيير الواقع، ومجابهة أضرار الحرب للتقليل من آثارها المدمرة على الحياة والمستقبل والوطن، هذه النماذج لنساء صهرتهن الحياة ليكن أكثر قدرة على التحمل والاستمرار.

نستعرض أحد النماذج التي أثبتت لنا وبقوة أن البطل المجهول في تلك الحروب هي المرأة.

الحرب والحصار

بدأت أحداث العنف العرقي في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك في 1992م، إذ تم محاصرتها من قبل جيش جمهورية صرب البوسنة من 5 أبريل 1992م إلى 29 فبراير 1996م حوالي 1،425 يوم هي فترة الحرب في البوسنية، وكان حصار سراييفو هو أطول حصار في عاصمة البوسنة والهرسك في تاريخ الحروب الحديثة.

عندما أعلنت البوسنة والهرسك استقلالها عن يوغوسلافيا شنت الدولة الصربية عليها حرباً عنيفة، لأنها كانت تهدف إلى إنشاء دولة صرب البوسنة الجديدة المكونه من جمهورية صربسكا التي من شأنها أن تشمل أجزاء من البوسنة المطوقة بأراضي سراييفو، ومن هناك اعتدوا على المدينة بالمدفعية والدبابات والأسلحة الصغيرة، وفي 2 مايو 1992م حاصر الصرب العاصمة  سراييفو، وقامت القوات البوسنية والحكومة في الدفاع عن ” جمهورية البوسنة والهرسك ” من داخل المدينة المحاصرة، لكن نظراً لإمكانياتهم الضعيفة لم يتمكنوا من الدفاع عن المدينة، إذ بلغ عددهم نحو 70،000 جندي، وكانت تجهيزاتهم سيئة وضعيفة وغير قادرة على كسر الحصار .

تم التعاون بين الجيش الصربي، وقوات من الجيش الشعبي اليوغسلافي إضافة إلى معونة بعض السكان المحليين من الصرب في القضاء على قوات الأمن الحكومية السيئة التجهيز والغير مستعدة للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي البوسنية، استهدف الهجوم مختلف المناطق البوسنية من الشرق، وهاجم الجيش والشرطة والقوات الشبه عسكرية القرى البوسنية، ونفذوا مجازر وانتهاكات انسانية ممنهجة بحق المدنيين العزل، تم نهب منازلهم وإحراقها، كما تم تعذيب المدنيين إما بالضرب أو القتل، وتم فصل الرجال عن النساء، كما تم نقل العديد من الرجال قسرا إلى معسكرات الاعتقال، وتم سجن النساء في مراكز الاحتجاز في ظروف غير صحية، وهناك عانت النساء من الانتهاكات الفظيعة وتعرضن للتعذيب والاغتصاب.

المرأة قوة لا تقهر

استمرت الانتهاكات لعامين طلب الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي رسمياً تدخل حلف شمال الأطلسي لوقف تلك الانتهاكات، خصوصاً بعد مجزرة سوق ماركال في 1994م، وبالفعل تمت الموافقة على ذلك الطلب لكن لم تتعاون بعض الدول الأوروبية معه، لذا تم عقد اتفاقيات بشروط تطلب من الصرب أن يرفعوا الأسلحة الثقيلة وينسحبوا من المدينة، لكن الصرب لم يلتزموا بالشروط، وخلال تلك الفترة تمكن الشعب البوسني من تنظيم نفسه مجدداً للدفاع عن بلاده.

في 1995م، شنت القوات البوسنية المسلمة هجوما واسع النطاق على منطقة سراييفو، وردا على ذلك الهجوم، استولى صرب البوسنة على الأسلحة الثقيلة من مستودع كان تحت حراسة الأمم المتحدة، وبدأت بقصف الأهداف للانتقام من هذه الإجراءات، وعلى الفور طلب قائد قوات الأمم المتحدة، الجنرال روبرت سميث بالضربات الجوية للناتو، وأثناء المواجهات استولى الصرب علي 377 من رهائن قوة الحماية وتم استخدامهم كدروع بشرية لمجموعة من الأهداف في البوسنة، مما اضطر الناتو لإنهاء ضرباتهم.

عاود الناتو ضرباته بعد مجزرة سوق مركال الثانية، مما أجبر الصرب على أن ينفذوا بعض الشروط وينسحبوا من مراكز المدينة، وفي 1995م تم إعلان توقيف عمليات الناتو لأن صربيا التزمت بالشروط، لكن حصار البوسنة لم يتوقف.

تصاعد القتال على الأرض وواصلت القوات البوسنية والكرواتية التقدم في هجوم الصرب، وتمكنوا من طردهم من سراييفوا وبقية المناطق الأخرى، مما سمح في نهاية المطاف إلي وصول الكهرباء والتدفئة وإمدادات المياه لاستعادة المدينة، وتم التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر 1995م، وفي 14 ديسمبر جلبت اتفاقية دايتون للسلام إلى البلاد الخير وأدت إلى تحقيق الاستقرار، وأعلنت الحكومة البوسنية رسميا وضع حدا لحصار سراييفو في 29 فبراير 1996م حيث غادرت قوات صرب البوسنة المدينة وما حولها.

عانت المرأة البوسنية معاناة كبيرة خلال هذه الحرب وفي فترة الحصار بالتحديد، إلا أنها لم تتوقف عن دورها البطولي في حماية الأطفال، وفي إمداد المقاومين بالزاد، و تحمل تلك الأهوال في سبيل قضيتها، أشاد الرئيس البوسني الأسبق د. حارث سيلاذيتش بدور المرأة البوسنية فقد كانت بطلة الحصار الذي فرضه الصرب على العاصمة البوسنة سراييفو لمدة 1425 يوما أثناء حربهم على البوسنة والهرسك التي اندلعت في السادس من أبريل/نيسان 1992م، ويؤكد : إن كان هناك بطل في هذا التاريخ فهذا البطل هو المرأة البوسنية، الرجال حاربوا، لكن مسؤولية البيت والطعام والشراب والأطفال كانت أعباء على أكتاف النساء”.

 

خاتمة

عندما نتأمل تفاصيل الحروب وويلاتها سنتألم، لكن بمجرد أن نرى الكفوف البيضاء والقوة التي تحملها النسوة وهن يداوين جراح الأوطان، ويسعين إلى الدفاع عن القضايا الخاصة بهن سنشعر بشعور الفخر والاعتزاز، بأن المرأة دائماً وأبداً ستكون قادرة على أن تصنع علامة فاصلة في التاريخ الإنساني.

 

المصادر:

الجزيرة

المرسال