الأكف البيضاء

على رأس الجهد المسؤول والمنظم يأتي العمل الطوعي الذي يحقق جملة من الفوائد على مستوى الفرد المتطوع، وعلى المجتمع، من أبرز تلك الفوائد تماسك اللحمة المجتمعية، إضافة إلى خلق فرد واعي ومسؤول في المجتمع.

منذ أن ظهرت الطفرة الاقتصادية في دول الخليج بسبب ظهور النفط، ظهرت تحديات مختلفة تواجه المجتمعات الخليجية في مختلف المجالات، فاحتياجات المجتمع لا ترتبط فقط بالجانب المالي، بل تتعدى ذلك إلى احتياجات أخرى ترتبط بالتغيرات التي تعيشها المجتمعات، وأمام تلك التغيرات وجدت الحاجة الملحة لانتشار ثقافة العمل الطوعي في مختلف المجالات، فلا تنموا المجتمعات إلا على أكتاف أبنائها وجهودهم، لكن الجهد وحده لا يكفي لتقوم المجتمعات، فالوعي هو الفاعل الرئيسي في تحويل الجهد العادي إلى جهد مسؤول ومنظم، وعلى رأس الجهد المسؤول والمنظم يأتي العمل الطوعي الذي يحقق جملة من الفوائد على مستوى الفرد المتطوع، وعلى المجتمع، من أبرز تلك الفوائد تماسك اللحمة المجتمعية، إضافة إلى خلق فرد واعي ومسؤول في المجتمع.

ماهية العمل الطوعي

تعرّف الباحثة نورة العنزي، الباحثة في مجال الخدمة الاجتماعية من جامعة الإمام والتي أعدت رسالة الماجستير حول العمل التطوعي، تقول إن العمل الاجتماعي التطوعي: هو مساهمة الأفراد في أعمال الرعاية والتنمية الاجتماعية سواء بالرأي أو بالعمل أو بالتمويل أو بأي شكل  من الأشكال، وتضيف أن من خصائص العمل الاجتماعي أن يقوم على تعاون الأفراد مع بعضهم البعض في سبيل تلبية احتياجات مجتمعهم، وهذا يقود إلى نقطة جوهرية مفادها أن العمل الاجتماعي يأتي بناء على فهم لاحتياجات المجتمع، مع الاشارة إلى أن مساهمة الأفراد في العمل الاجتماعي تأتي بوصفهم إما موظفون أو متطوعون، والتطوع هو الجهد الذي يقوم به الفرد باختياره لتقديم خدمة للمجتمع دون أجر مادي مقابل هذا الجهد.

فوائد العمل الطوعي

توضح الكاتبة عالية فريد في مقال لها حول فوائد العمل الطوعي، أن المردود الإيجابي للعمل الطوعي لا يرتبط بالجانب المجتمعي فقط كما يروج البعض، بل أنه يرتبط بشكل أساسي بفوائد تعود على الفرد المتطوع نفسه، فمن خلال العمل الطوعي يتمكن المرء من تطوير مهاراته الاجتماعية، إضافة إلى أنه يخلق لدى المتطوع الثقة بالنفس وينمي لديه حس المسؤولية وغيرها من المهارات التي تزيد من كفاءته في التعامل مع متغيرات الحياة.

العمل الطوعي في الخليج

ظهرت الجمعيات النسائية الخيرية في المجتمعات الخليجية في وقت مبكر، وقامت بأدوار مختلفة في خدمة المجتمع، منها ما كان مرتبطاً بإكمال دور الحكومة، ومنها ما كان مرتبطاً بمواكبة التغيرات التي شهدتها المجتمعات الخليجية، وتشير كثير من التقارير إلى أن التعليم لعب دوراً كبيراً في تفعيل دور المرأة الخليجية تجاه قضاياها بشكل خاص، والقضايا المجتمعية بشكل عام.

ففي البحرين، والسعودية، والكويت، وقطر، وعمان، والإمارات لعبت المؤسسات النسائية دوراً كبيراً في ربط قدرات المرأة وجهودها نحو المجتمع، إضافة إلى أن تلك الجمعيات لعبت دوراً رئيسياً في تأهيل النساء في مختلف المجالات.

التخصص إثراء للعمل الطوعي

ترى الكاتبة الكويتية تغريد الطاسان أن بيئة النساء من البيئات التي ينتشر فيها العمل الطوعي بشكل كبير وجاد، غير أنها تؤكد على أن ذلك الانتشار أحياناً لا يكون إيجابياً خصوصاً إذا وجد من يستغله بشكل سيء لنشر أفكار منحرفة، لذا ترى أنه من الضروري أن يكون هناك تخصص في المجال الطوعي، بشكل يعمل على حماية العمل الطوعي من العشوائية، ويحمي افكار المجتمع من العابثين من ناحية أخرى التخصص في العمل الطوعي، يعمل على إثراء الجانب الطوعي ويزيد من فاعليته.

تحديات مستمرة

من جانبه يشير الدكتور حميد بن خليل الشايجي إلى أنه على الرغم من أهمية العمل الطوعي في بناء المجتمعات، لا يزال العمل الطوعي محصوراً في نطاق ضيق لا يرقى إلى تفعيل دوره في خلق تأثيرات كبيرة على المجتمع، وذلك بسبب مجموعة من التحديات والعوائق ، منها:

  • غياب الوعي بأهمية العمل الطوعي على مستوى الفرد والمجتمع، وهذا يتطلب جهوداً مكثفة وتعاون كبير بين مختلف قطاعات المجتمع الخاص والحكومية لتفعيل جانب التوعية بأهمية العمل الطوعي.
  • غياب التمويل، معظم المؤسسات الطوعية تعتمد على المساعدات التي قد لا تتوفر أحياناً ،وذلك يشكل تحدي أمام تلك المؤسسات والمشاريع الطوعية التي تفقد تأثيرها بسرعة، وينبغي أن تعمل تلك المشاريع والمؤسسات على دراسة مشاريع تمويل ذاتية، إضافة إلى ضرورة تقديم دعم حكومي مستمر لتلك المؤسسات حسب مجالها وقدرتها على التأثير الإيجابي في الواقع.
  • غياب المؤسساتية، معظم المشاريع الطوعية يغيب عنها العمل المؤسسي والنظام كونها لا ترتبط بجانب ربحي، لكن في المقابل يوجد مؤسسات طوعية ناجحة كونها تعتمد على نظام مؤسسي، وينبغي أن تنتشر تلك النماذج بشكل يعمل على تأهيل وتطوير المؤسسات الطوعية الأخرى
  • عدم جدية بعض العاملين في المجال الطوعي، لأن الجانب الطوعي لا يرتبط بالإلزام بل بالرغبة والعطاء، وهنا يجب ان توضع معايير محددة لتنظم العمل الطوعي، بشكل يخلق الشعور بالمسؤولية لدى المتطوع، إضافة إلى ضرورة دراسة الأسباب التي تخلق عدم الجدية لدى المتطوع في بعض الأعمال.
  • عدم إصلاح الأخطاء، عادة في الأعمال الطوعية تتكرر بعض الأخطاء دون إصلاحها، وذلك يشكل خطراً على استمرارها.
  • ضغط العمل، إذ يتم تحميل المتطوع الكثير من الأعمال، بشكل يعجز عن تنفيذها، أو يؤدي إلى نفوره.

 

حلول ومقترحات

وحتى يتم تلافي تلك المشاكل التي تعيق تقدم وتطور العمل الطوعي لابد من وجود حلول ومقترحات تنهض بالعمل الطوعي، لذا تقترح الكاتبة عالية فريد بعض المقترحات منها:

  • ضرورة التعاون بين القطاعين العام والخاص.
  • العمل على رفع الوعي لدى مختلف شرائح المجتمع
  • تكريم المتطوعين
  • إحياء دور المرأة، كونها من أكثر الفئات المجتمعية المتفاعلة مع العمل الطوعي.
  • تسهيل اجراءات العمل الطوعي، ليتحفز المجتمع في الانخراط فيه.

وأضاف الدكتور حميد بن خليل الشايجي ضرورة إيكال المهمة المناسبة للشخص المناسب لأن ذلك يعمل على رفع كفاءة الأداء في العمل الطوعي، بشكل يعمل على انتشاره بشكل واسع في المجتمع.

 

نموذج مشرق في سماء الخليج

يوجد نماذج مشرقة في الجانب الطوعي من دول الخليج ومن الدول العربية، سنتحدث عن أحد تلك النماذج المشرقة، والتي ابتدأت مسيرتها في العمل الطوعي منذ نعومة أظفارها، ابتداءاً بمشاركتها في الفرق الطبية التي شاركت في الأنشطة الطوعية عقب أزمة الخليج، ومروراً بمشاركتها الطوعية في أمريكا في مراكز المشردين أثناء دراستها، وانتهاءاً بالملف اليمني الذي تتشا بكل احتياجاته في الوقت الراهن.

إنها معالي العسعوسي المرأة النبيلة والإنسان سيدة الخير ويد العطاء، وفق تقارير صادرة عن مؤسسات إغاثية دولية ذكرت أن عدد المستفيدين من الأنشطة التي قدمتها مؤسسة تمكين التي تديرها معالي العسعوسي هم مئة وعشرون ألف أسرة يمنية، إضافة إلى أربعمائة وخمسون منحة دراسية، وأكثر من 24 ألف خدمة علاجية في مختلف الجوانب، بالإضافة إلى ألف أسرة يمنية استفادت من خدمات تلك المؤسسة بشكل يؤهلها الاعتماد على نفسها.

تعلق معالي العسعوسي على هذه الإنجازات بأنها بداية وليست نهاية، وتؤكد على أن ما دفعها لان تقوم بكل هذه الخدمات هو إيمانها بأهمية العمل الطوعي، وبقدرته على مساعدة الآخرين وحل مشاكلهم، إضافة إلى أنه الوسيلة الأنجع في تنمية المجتمعات وتفعيل مختلف أدوار الفئات فيها بشكل يعود بالنفع على المجتمع.

 

 

مصادر:

صحيفة الرياض

لييينك إن

موقع الكويتية

موقع الواحة

قناة الكويت