تجربة الأدب النسائي في الخليج بين الحضور والغياب

في واقع الأدب الخليجي تحضر أصوات متميزة للنساء الخليجيات وتغيب أخرى، تحضر القضية والمعاناة والمحاولات الهادفة في بعض الكتابات، لكن يغيب الأثر المرجو لبعض تلك الكتابات لركاكة الطرح، أو لانغلاق الصوت النسائي في بيئته المقيدة والتي هي انعكاس في كثير من الأحيان للواقع الحقيقي

 

في الآونة الأخيرة برزت الكثير من الأصوات الخليجية في عالم الأدب خصوصاً في مجال الرواية ، تلك الأصوات جعلت للمرأة الخليجية مكاناً مرموقاً بعد أن غاب صوتها في كثير من المجالات الأخرى ، لكن وعلى الرغم من نمو وتطور هذه التجربة إلا أنها لا زالت محصورة في بيئتها المرتبطة بالأدب النسائي بشكل عام وفق ملامحه المحصورة من جهة، وبالتحديات التي تواجهها مجتمعياً بشكل خاص من جهة أخرى ، تتعدد الأراء والانتقادات حول تلك التجربة، آراء متخصصة في جانب النقد، وآراء متخصصة في جانب الصوت النسائي القادم من الخليج رصدناها في هذا التقرير لنرى صدى تلك التجربة، وأهم تحدياتها التي تحول دون انتشارها على مدى أوسع مما يؤي إلى غيابها عن كثير من المحافل الدولية سواء في جانب الدراسة والنقد أو في جانب التكريم.

هناك أسماء خليجية عديدة في الكتابة الإبداعية أصبحت تشكل تراكما كما وكيفية في مجال العطاء الإبداعي العربي نسويا رغم عدم انتشارهن عربيا مثل الكاتبات الأخريات في المناطق الأخرى.

 

تَمَيّز أدبي

إلى الآن لا يزال الكثير من النقد والتضارب في وجهات النظر حول مفهوم الأدب النسوي، ففي حين يصر النقاد على استخدامه ليميزوا هوية ما تكتبه الأنثى بشكل عام ، نادت كثيراً من الأصوات أن ذلك التصنيف لا يصب في مصلحة الإبداع بشكل عام ، كما أنه لا يصب في مصلحة المرأة بشكل خاص، وترى الكاتبة والإعلامية اللبنانية جمانة حداد أن استخدام لفظ الأدب النسائي هو نوع من التمييز السلبي ضد المرأة، إذ أنه يعد ظلماً أن يختصر كل ما تكتبه المرأة من إبداع وتنوع ويقلص ضمن صوت واحد هو الصوت الأنثوي، الذي ينظر إليه مسبقاً بنظرة نمطية تلغي هوية الكاتبة وشخصيتها، إذ أنه منذ أن ظهر تصنيف المرأة الكاتبة من قبل نقاد الستينات ارتبط ذلك التصنيف بالنظرة العنيدة والأحكام المسبقة حول المرأة ، وتعتقد الكاتبة جمانة أن الأدب هو الأدب والإبداع هو الإبداع سواء أنجزته امرأة أو رجل.

تشاركها الرأي الدكتورة زهور كرام  المتخصصة في السرد النسوي، وتقول: إن تصنيف الأدب النسوي بشكل محدد وفق رؤية منمطة تحصر دور النساء في جانب محدد يظلم الصوت النسائي بشقيه الحقوقي والأدبي، وترى أنه في حال تم تكريس تلك النظرة التي تحصر كل الكتابات النسوية في الأدب النسائي سيتم تكريس نظرة أخرى للأدب الرجولي ، وهذا لا يتسق مع البنية الإبداعية للنصوص، لذا ترى أن الصوت النسائي لا يجب أن يحصر بنظرة نمطية معينة، بالنسبة لتلك الأصوات النسائية التي تتحدث عن الحقوق والمشاكل التي تواجه المرأة يجب أن يتم التعامل معها وفق سياق إبداعي سردي قبل أن تصنف وفق النظرة النمطية للأدب النسوي.

من جانبها تميل الكاتبة سعاد العنزي لرأي الكاتبة سيمون دي بوفار التي تقول بأن لغة المرأة انعكاس لتعاطي المجتمع مع وجود المرأة، وليست بحد ذاتها اختلاف عن لغة الآخر، بشكل يعطيها مكانة أقل من لغة الرجل، ومن جانب آخر إذا كان النقد النسائي يحاول إثبات أن المرأة مساوية للرجل بالمنطق والقوى العقلانية والفيزيائية، وإن طبيعة تكوين المرأة ليست أقل من طبيعة تكوين الرجل، فليس من المعقول أن تدرس لغة المرأة بوصفها انتاج لغوي مخالف للرجل بنفسه ولنقل للمكون الاجتماعي والخطاب الثقافي الاجتماعي، فمن ناحية الأسلوب الإبداعي ليس هناك فرق بين لغة الرجل الإبداعية أو المرأة، وتؤكد: بالنسبة لي الأدب النسائي، قدم من خلال رجل أو امرأة، فهو اختصاصه دراسة قضايا قهر المرأة ، و آليات تعامل المجتمع معها.

 

التعليم هو السبب !

ترى الباحثة والكاتبة القطرية كلثم جبر أن الأدب النسائي لم يصطلع على تعريفه بشكل دقيق حتى الآن وتقول: أن التحديات التي تواجه هذا النوع من الأدب لا يمكن أن ينفصل عن التحديات التي تواجه المبدعة المنتجة لهذا النوع من الأدب، فهو في النهاية صدى لمعاناتها ومشاعرها وواقعها، وأبرز هذه التحديات هي التحديات الاجتماعية التي تبدأ بالاسرة مروراً بالمجتمع ووصولاً إلى الدين الذي يُتَخَذ كذريعة للقمع بسبب سوء الفهم، وأكدت على أن النظرة القاصرة لدور المرأة مرتبطة بشكل أساسي بأنظمة التعليم ومستوى المناهج الدراسيىة التي يضعها الرجل وفق فهمه الخاص لدور المرأة، وإذا ما حاولت المرأة أن تتمرد على تلك النظرة اتهمت بالتمرد، وتؤكد على أن العلاقة بين دور المرأة والرجل ليست تنافسية بل تكاملية .

 

تجربة متميزة

في حين تكثر أصابع الاتهام والتشكيك بفرادة وتميز التجربة الأدبية النسائية في الخليج تؤكد الدكتورة جايل ارمسي الأستاذ المساعد في كلية الآداب العربية بجامعة (اوبسالا) بأن الأدب النسائي الخليجي يتميز بأنه أدب  ذو ملامح واضحة ووفيرة، وتضيف أن أهم ملامح الأدب النسائي الخليجي  هو أنه يتصف بصفتين أساسيتين هما الواقعية والحداثة، وتحدثت الدكتورة عن أعمال الأديبة الكويتية ليلى العثمان وربطتها بما أسمته بالموجة الجديدة من الأدب النسائي في دول الخليج ، كما أشارت إلى أن تجربة المرأة في الخليج لم تكن متأخرة، كما أنها تأثرت بشكل كبير بالتغيرات التي حدثت في المجتمع الخليجي، واستفادت من فرص التعليم المتاحة لها بشكل أثر على نوعية الأعمال الأدبية التي ناقشت الكثير من القضايا والتغيرات التي طرأت على دول الخليج منذ ظهر النفط.

 

فرص متاحة ولكن!

يوجد أراء أخرى ترى أن تلك التجربة لم تكن متميزة بذلك القدر رغم توفر الفرص، وذلك لعدة أسباب منها قلة الخبرة، أو التقليد والتكرار والارتباط بشكل مغلق بالمشاكل المجتمعية التي تجعل من الصوت النسائي عادة ما يأخذ دور الضحية ضد المجتمع وضد القواعد الذكورية التي تظهر بشكل كبير في كثير من الأعمال الأدبية الصادرة عن الأصوات النسائية في دول الخليج، وفي هذا السياق يقول الكاتب بجريدة الحياة السعودية خالد ربيع السيد : أن الأدب النسائي الخليجي في الحقبة الأخيرة لم يعد يواجه تحديات تذكر، إذ أصبح فضاؤه رحبا ومفتوحا في ظل الإعلام الجديد والمدونات ومواقع التواصل الاجتماعي التي اتسعت لما لا يحصى من الأعمال الأدبية النسائية، وأضاف  أنه رغم تخطي هامش حرية الكتابة النسائية الخليجية للكثير من التابوهات، فإن هذه الحرية الإبداعية كشفت عن المستوى الضعيف للكثير من الأعمال الأدبية النسائية مثلما أظهرت القوي منها، ورأى أن التجربة الإبداعية النسائية في الخليج تعيش ما أسماها مرحلة “تجريب” ناضجة.

 

تحديات اجتماعية

من جانبها تؤكد المحاضرة في الجامعة العربية المفتوحة بمسقط الدكتورة عائشة الدرمكية أن الكتابة النسوية بمنطقة الخليج في الوقت الحاضر لم تعد ذات خصائص نسوية، كما أن معالجتها لم تعد مقصورة على القضايا النسوية، إذ امتدت لتشمل قضايا أخرى مختلفة، وترى أن أبرز ما يواجه إبداع المرأة الخليجية حالياً هو التحدي الاجتماعي، فرغم تطور أعمالهن الأدبية فإن كثيرا من الكاتبات الخليجيات ما زلن يكتبن دون الإفصاح عن أسمائهن الحقيقية، حتى أن بعضهن يحذفن أسماء قبائلهن أو عائلاتهن إما تحررا أو مراعاة لقيود اجتماعية.

وتشاركها الرأي الكاتبة المغربية سناء الحافي وتقول : هناك أقلاما نسائية ناضجة في مجالات الإبداع والصحافة والمشاركة الاجتماعية، لكن لم يلتفت إلى تلك الأقلام المبدعة فقط لأنها لم تصدر من مكان معروف، إذ أنه ينتمي إلى منطقة لا تعتبر مصدرة للثقافة على عكس بعض الدول العربية التي بدأت تجربتها الثقافية والأدبية من وقت مبكر، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن التجربة الأدبية للنساء في الخليج لم تتأخر كثيراً، ففي حين بدأت تلك التجربة في بعض الدول العربية منذ الأربعينات والخمسينات، بدأت عند المرأة في دول الخليج منذ الستينات، وترى أنه من الملاحظ أن معظم أصوات الشاعرات والكاتبات في الخليج يسعين إلى تخليص صورة المرأة من النظرة التقليدية المتربطة بالجسد، ويناقشن من خلال طرحهن الأدبي تجارب وقضايا تهم المرأة وتلخص وجهة نظرها.

 

نقد ذاتي

من جانبها تعتقد  الناقدة العمانية ابتسام بنت مبارك الحجرية أن الأدب النسائي في الخليج بحاجة إلى عملية مراجعة، وذلك عبر التقليل من اللغة الانفعالية والتركيز على إظهار ذخيرة الكاتبة الثقافية والمعرفية في سياق هادئ، ورأت الحجرية وجود إشكالية في نتاج المرأة العربية بشكل عام ونتاج المرأة والخليجية بشكل خاص، إذ اتسمت معظم الروايات والأعمال السردية المكتوبة بأقلام نسائية خليجية بعدم تجاوزها لصورة المرأة النمطية، الأمر الذي يدعو المرأة الخليجية المشتغلة بالأدب شعراً أو نثراً أو رواية أو سرداً إلى إعادة قراءة ذاتها كي تتمكن من تطوير آلياتها في الكتابة الإبداعية بمختلف تصنيفاتها.

 

أصوات تجديدية

تؤكد الناقدة البحرينية الدكتورة ضياء الكعبي صاحبة “تحبيك التاريخ في أعمال أمين معلوف”  أنه في الفترة الأخيرة شهدت دول الخليج حدوث طفرة روائية نسائية خليجية عبر الكثير من الروائيات الخليجيات كالسعودية رجاء الصانع صاحبة “بنات الرياض” والبحرينية فوزية رشيد وغيرهما من الرائدات في الشعر والقصة في دول الخليج الأخرى، وأشارت إلى أن الرواية تشكل جزءا هاما من العمل الإبداعي للمرأة الخليجية، إذ صورت من خلالها علاقتها بالمجتمع المحلي والسلطة الذكورية، وأكدت أنه على الرغم من وجود جِدة في الطرح ورصانة في عرض القضايا، إلا أن ذلك لا ينفي اشتغال جزء آخر بالجسد، وهو ما يسمى الرواية الفضائحية التي تهدف إلى  جذب انتباه النقاد لتحقيق الشهرة والرواج والتسويق الإعلامي، من جانبها ترى الروائية السعودية زينب حفني أن استخدام ثقافة الجسد في العمل الأدبي لا يقلل من قيمته الفنية إذا استخدم بشكل مهدف، بل على العكس قد يعمل على خلق ثقافة عامة لدى المجتمع ويكسر تابو الخوف من مناقشة قضايا معينة كقضايا السياسة والدين، وترى أن الخوف هو السبب الرئيسي الذي يمنع كثير من الكتاب من التعامل مع الأدب الجريء، ناهيك عن نقد أخطاء المجتمع كالازدواجية مثلاً.

 

نظرة خليجية

ليس بالضرورة أن يكون الطرح النسوي ضعيفاً في دول الخليج كما ترى بعض الأراء، كما أنه ليس بالضرورة ان يصنف على أنه مكرراً أو مبتذلاً إذا ما قورن بأنماط الكتابات النسوية في التجارب الأدبية الأخرى على مستوى الوطن العربي، وفي هذا السياق تقول الدكتورة والروائية البحرينية فوزية رشيد: قد تختلف الكاتبة الخليجية بعض الشيء عن الكاتبة العربية في رؤية ما حولها اختلافا جزئيا وليس كليا من خلال موقعها وموقفها المغايرين ومعايشتها لبعض عناوين التراث من خلال زاوية مغايرة أيضا لزوايا العادات والتقاليد في مجتمعات عربية أخرى، ومن ناحية أخرى أيضا فهي تعيش مجتمعا وخواص وصفات مختلفة، مجتمع تحول الى أن يكون استهلاكيا بالدرجة الأولى وعاشت أغلب دوله حالة نقلة حضارية واقتصادية واجتماعية مفاجئة ولدت ترسانة من التخبطات بين القديم والحديث من زوايا حادة بين العادات والتقاليد المحافظة وبين ما يصاحب آخر قيم الاستهلاك الرأسمالية التي أدت الى صبغة مدنية سريعة ،ولكنها ظاهرية أو سطحية أكثر مما هي عميقة ،بحيث تؤدي الى ثورة فكرية تبدو ملائمة لتلك التغيرات أكثر من ملاءمة الأزدواج الحاد والتخبط المنظور لها.

 

واجب المثقف

تكثر الكتابات والأفكار ويقل تأثيرها في المجتمع لسبب جوهري هو أنها في كثير من الأحيان تغيب عن واقع المجتمع، واحيناً تقترب من مشاكل المجتمع دون أن تنفذ إلى جوهر المشكلة بسبب الخوف، أو الرقابة، أو قلة وعي الكاتب بأهمية دوره تجاه المجتمع ، وترى الروائية السعودية زينب حفني أن معظم الكاتبات الخليجيات يكتبن وعين على الواقع وأخرى على ردود الأفعال، وبالتالي لا يمكن ان يناقشن قضايا المجتمع بمصداقية، كما أنهن لن يتمكن من القيام بدورهن في توعية المجتمع وتغير واقعه إلى الأفضل، وترى أن على الكاتب الأمين أن يركز على مسؤوليته بشكل أساسي تجاه المجتمع بغض النظر عن ردود الأفعال.

 

خاتمة

في واقع الأدب الخليجي تحضر أصوات متميزة للنساء الخليجيات وتغيب أخرى، تحضر القضية والمعاناة والمحاولات الهادفة في بعض الكتابات، لكن يغيب الأثر المرجو لبعض تلك الكتابات لركاكة الطرح، أو لانغلاق الصوت النسائي في بيئته المقيدة والتي هي انعكاس في كثير من الأحيان للواقع الحقيقي، لكن رغم ذلك التذبذب بين الحضور والغياب على المستوى الإقليمي والدولي سواء على مستوى التكريم أو التأثير لا يمكن لأحد أن ينكر أن هناك تجربة رائدة وجيدة قامت منذ عقود في الخليج ولا زالت مستمرة، تلك التجربة أبرزت أسماء قوية منهن فوزية أبو خالد وخديجة العمري من السعودية، سلمى مطر ومريم جمعة وميسون صقر وظبية خميس في الإمارات، وفي البحرين تأتي الشاعرة حمدة خميس وفوزية السندي والقاصة منيرة الفاضل والروائية فوزية رشيد، والروائية الكويتية ليلى العثمان تتميز بتنوع كتاباتها هي وفوزية الشويش، وفي قطر كلثم جبر، ولا زالت القائمة تتجدد وتتوسع بشكل مبدع ومتنوع لتشمل الكثير من الاسماء الشابة والمجددة من مختلف دول الخليج، تلك الأصوات تؤكد بشكل مطرد أن الصوت النسائي لن يغيب مجدداً ، بل سيظهر بشكل متميز خلال الفترة القادمة.

 

المصادر :

 

الجزيرة

وكالة اخبار المرأة

القدس العربي

قناة العربية

وكالة الأنبا الكويتية

صحيفة العرب