المرأة السعودية خطوات نحو المشاركة السياسية

تقترب الانتخابات البلدية من موعدها، وتقترب المرأة السعودية من حلمها في أخذ حقها الطبيعي من المشاركة السياسية في شؤون البلد، بما يساعدها في التأثير إيجابياً في مختلف القضايا التي تمس واقع المرأة السعودية، ذلك التأثير الإيجابي تترقبه المرأة السعودية ليحقق تغيرات حقيقية في مختلف مجالات حياتها، ليس في جانب قضية قيادة السيارة وحسب والتي أخذت أكثر من حجمها الحقيقي، بل يمتد إلى القضايا الحقيقية التي تعاني منها المرأة السعودية مثل المعنفات أسرياً، والقضايا التي تمس حياة المرأة بشكل مباشر كقضايا الطلاق والحضانة والعضل، وحتى يتحقق التأثير الإيجابي المرجو لن يكون على الجهات الفاعلة والمتضامنة مع حقوق المرأة السعودية أن تعمل بشكل جاد خلال فترة الإنتخابات وحسب، بل يجب أن تستمر تلك الجهود حتى تصبح تلك الحقوق جزء من واقع المجتمع، ولن يتم ذلك إلا من خلال مسيرة بناء وعي مجتمعي بأهمية مشاركة المرأة في كل جوانب الحياة ليكتمل دورها في المشاركة في مختلف جوانب التنمية.

في البحث الذي حمل عنوان (موقف إسلاميّ الخليج من مشاركة المرأة في الحياة السياسية) الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، استعرضت الباحثة أمل صقر التجربة السياسية للمرأة في دول الخليج، وناقشت أهم العوامل المشتركة في دول الخليج والتي أسهمت بشكل أو بآخر في تأخر تلك التجربة من أن تجني ثمارها.

وكما تقول الباحثة: توجد عوامل مؤثرة على المشاركة السياسية للمرأة في دول مجلس التعاون، منها ما يتعلق بالإصلاحات التشريعية والدستورية نحو التوسع في سبل المشاركة، وتأسيس عملية صنع القرار ودور المرأة فيها، ومنها ما يتعلق بتبني آلية التعيين التي تسمح بعملية مشاركة برلمانية للمرأة تقودها الدولة، وهناك عامل ثالث يتعلق بالتأثيرات الدينية والقبَلية في الثقافة السياسية، وسير عملية الانتخابات ونتائجها ومدى مشاركة المرأة فيها، كما أن مواقف القوى السياسية من قضايا المرأة لا تستمد فقط من مرجعيات وأطروحات وأيديولوجيات هذه القوى، وإنما هناك اعتبارات حاكمة أخرى تلعب دوراً في هذا الأمر، فالاعتبارات المتعلقة بالثقافة التقليدية المستمدة من أعراف وتقاليد ونظرة شرقية لاذعة للمرأة هي التي لعبت الدور الحاكم في هذه القضية.

وفي سياق البحث ناقشت الباحثة تجربة مشاركة المرأة سياسياً في المملكة العربية السعودية، والتي اتخذت مُنْحناً جدياً في هذه القضية بعد قرارات الملك عبد الله في 2011م، والذي عمد إلى إصدار مجموعة من القرارات التي تمكن المرأة السعودية من ممارسة بعض حقوقها السياسية كحق التصويت والترشح في الانتخابات البلدية ، وهي الانتخابات الوحيدة التي تجري في المملكة، كما أنه قام بتعيين 30 سيدة في مجلس الشورى، وتعتبر هذه الخطوة نقلة نوعية في تاريخ المشاركة السياسية للمرأة السعودية، والتي لم تشهد على مدار عقود أي تغيير في هذا الجانب بسبب  نفوذ رجالات التيار الديني السائد في السعودية كما ترى الباحثة.

ستشهد المرأة السعودية أول انتخابات يحق لها أن تشارك فيها ليس فقط كناخبة وإنما أيضاً كمرشحة في الانتخابات البلدية خلال أغسطس القادم 2015م، وترى بعض الأراء أن قرار الملك عبد الله الذي صدر قبل خمس سنوات لعب دوراً كبيراً في صنع هذه الفرصة التي قد تعمل على تغيير المشهد السياسي للمرأة السعودية، بينما يرى البعض أن ذلك الواقع السياسي لن يتغير بمجرد قرار، سنقوم هنا برصد بعض الآراء التي ناقشت هذا الموضوع والتي حاولت أن تستقرئ الواقع بناءاً على المجريات التي ترتبت على ذلك القرار.

قرار جريء

يرى الصحفي والمعلق السياسي حسن ساري في أن تلك الخطوة تعد إنجازاً يحسب للمرأة السعودية، التي ستتمكن أخيراً من المشاركة كمرشحة وليس فقط كناخبة في الانتخابات القادمة للبلدية، ويرى أن تلك الخطوة جاءت ضمن سلسلة خطوات إصلاحية انتهجها الملك الراحل عبد الله، وكان من أثر تلك الإصلاحات أن دخلت المرأة السعودية مجلس الشورى والمجالس النيابية والغـرف التجارية وظهرت لنا أول وكيل وزارة مساعداً في وزارة الشؤون الاجتماعية الدكتورة لطيفة أبو نيان، وهذا يحسب كخطوة إيجابية في جانب المشاركة السياسية للمرأة السعودية.

من جانبها تعلق خلود الفهد على أهمية ذلك القرار وتقول: يعتبر هذا القرار خطوة ستؤدي إلى خطوات أخرى ستحققها المرأة السعودية عندما تصل إلى مجلس الشورى، إذ أنها ستعمل على تغيير القوانين التي تعيق المرأة عن ممارسة دورها في التنمية، وتضيف بأنه لن يكون من السهل أن تتم تلك الخطوات إذ أن هناك أطراف تفتعل الصدام لتشتت الجهود وتضيع على المرأة السعودية أي فرصة  تمكنها من المشاركة السياسية، وتُشِيد الناشطة الحقوقية السعودية سمر بدوي بتلك القرارات لكنها ترى أن المرأة السعودية لازالت تطمح إلى قرارات أهم تلبي احتياجاتها الأساسية التي تعاني منها يومياً، وتقول: أنا ضمن الأصوات التي طالبت بمشاركة المرأة سياسياَ لكني كنت أطمح إلى أن تكون قرارات أكثر فاعلية بالنسبة لحقوق أساسية كحق المعنفة أسرياً، وحقوق المطلقات، والقضايا التي تتعلق بالحضانة وغيرها من الحقوق التي تعتبر من أهم المشاكل التي تعاني منها المرأة السعودية.

مشاركة المرأة ونظرة المجتمع

تستغرب رشا الدويسري من التناقض الذي يعيشه المجتمع السعودي وتقول: “بمجرد أن يتم التحدث عن مشاركة المرأة السعودية في السياسة تتعالى الأصوات التي تتحدث عن أولويات البنية التحتية وغيرها من القضايا، لكن عندما يتم التحدث عن قضايا الفساد لا يتم التطرق مطلقاً إلى تلك القضايا والأولويات”

من جانبه يعلق محمد التميمي قائلاً: “كمجتمع محافظ نحن لسنا ضد تعليم المرأة، ولسنا ضد إعطاءها حقوقها، الإسلام أيضاً ليس ضد مشاركتها سياسياً لكن لا يوجد حاجة لمشاركتها في الواقع السياسي”، ويختم حديثه” بأن هناك قضايا أهم يجب أن تهتم بها المرأة السعودية بدلاً من أن تركز على قضية المشاركة السياسية أو قيادة السيارات”.

تعلق خلود الفهد على مسألة عدم تقبل المجتمع السعودي لمشاركة المرأة في الجانب السياسي: “الكثير من القضايا التي تتعلق بالمرأة لا يتقبها بالمجتمع بحكم الثقافة والتقاليد، لكنها عندما تفرض تلك القضايا  وجودها على أرض الواقع يتقبلها المجتمع ويتعامل معها كشيء طبيعي تماماً مثل ماحدث في افتتاح جامعة الملك عبد الله التي عُورضت في بداية الأمر بسبب الاختلاط،لكن فيم بعد تم تقبلها كجزء من الواقع”.

جدل قائم

تشهد قضية مشاركة المرأة السعودية في السياسية جدلاً واسعاً على مختلف المستويات، وعلى الرغم من صدور القرار قبل خمسة أعوام إلا أنه لم يدخل حيز التنفيذ إلا في هذه الانتخابات، وتترقب المرأة السعودية ظهور الكثير من التحديات التي ستواجهها خلال تجربتها تلك، إذ أنه وخلال فترة سابقة تم تأجيل تنفيذ القرار إلى 2015م، وتخشى المرأة السعودية أن يؤجل هذا القرار مرة أخرى إلى أجل غير مسمى.

يعتقد البعض أن الصوت الذي يعارض مشاركة المرأة السعودية في الحياة السياسية أكثر من الصوت الذي يقف إلى صفها، لكن وفق استطلاع أجراه برنامج نقطة حوار الذي يقدمه المذيع سمير فرح ويشهد تجاوب كبير من قبل مختلف الشرائح السعودية ، اتضح أن 60% من المصوتين كانوا يقفون مع قرار مشاركة المرأة، بينما وقف40% ضد ذلك القرار، ويرى الدكتور محمد عبد الله الزلفى العضو السابق في مجلس الشورى أن تلك النسبة قابلة للتناقص في ظل الوعي المتنامي في صفوف الشعب السعودي، ويرى أن سبب تأخر المرأة السعودية عن المشاركة في الحياة السياسية هو التأثير السلبي الذي تُحدثه الأصوات التي تمانع مشاركتها، إذ أنها على الرغم من قلة عددها إلا أنها مرتفعة، كما أنها لازالت ذات تأثير كبير بسبب نفوذها في مختلف أجهزة الدولة.

قناعة أم قرار سياسي

ثمة رأي آخر يرى أنه لا يمكن أن يتغير واقع المرأة السعودية بالنسبة لمشاركتها في الحياة السياسية بمجرد قرار، بل إن هذا التغيير لن يتم إلا في فترة طويلة من الإصلاحات وبناء الوعي لدى المرأة والمجتمع على حد سواء حتى يحدث التغيير المطلوب، ويرى عبد الله القصيمي أن أمر القرار لا يكاد يكون سوى دعاية سياسية أو استجابة للتغيرات التي تجتاح المنطقة العربية ككل، والدليل على ذلك أنه في نفس يوم إصدار القرار صدر حكم بجلد مواطنة اسمها شيماء من جدة بسبب قيادتها للسيارة، وهذا يدلل على أن ذلك القرار ليس نابعاً من قناعة سياسية بضرورة إشراك المرأة في الحياة السياسية وإنما هو مجرد قرار، ويستغرب كيف يمكن للمرأة السعودية أن تقود رأياً أو تخدم قضايا المرأة وهي لا تستطيع أن تقود سيارة لتوصل أطفالها .للمدارس

و ترى خلود الفهد أن ذلك القرار لم يأتي من فراغ بل من الجهود المستمرة التي قدمتها المرأة السعودية وهي تطالب بحقوقها التي كفلها الشرع والعقل ووقفت ضدها تقاليد المجتمع، وفي مقال نشرته الناشطة السعودية أسماء السيد ذكرت أن المرأة السعودية بدأت مشوار نضالها منذ 1977م ، إذ قامت مجموعة من النساء السعوديات بتشكيل (رابطة النساء في السعودية) و قامت هذه الرابطة باصدار البيانات والنشرات كما شاركت فى المحافل والمؤتمرات الدولية والعربية لتسليط الضوء على معاناة المرأة السعودية، وفى منتصف عام 2003م قامت أكثر من 300 سيدة بالتوقيع على خطاب موجه إلى خادم الحرمين الشريفين و تضمن الخطاب العديد من المطالب التى تهدف إلى تحسين وتطوير أوضاع المرأة السعودية، وقد أُنشئت فيم بعد مبادرة ( بلدي) وتطالب هذه المبادرة بتمكين المرأة السعودية لدخول المجالس البلدية ناخبة و منتخبة، وترى أنه قد وجدت ظروف دولية وإقليمة أسهمت في إصدار ذلك القرار، لكن ليس من الصحيح أن نهمل كل الجهود النسائية التي حاولت بشكل جاد أن تغير من وضع المرأة في السعودية إلى الأفضل.

فرصة حقيقية

يرى ممدوح وهو أحد المشاركين في برنامج نقطة حوار: أنه لن يكون هناك أي أهمية لدور المرأة في مجلس الشورى لأن دور مجلس الشورى صوري ولا قيمة لأي قرار يصدر عنه، ويرى أنه من المستحيل أن تتمكن المرأة السعودية من الخوض في الحياة السياسية وقضاياه لأنها ببساطة في مجتمع محافظ كما أنها لن تستطيع أن تحل مشكلة عجز الرجال عن حلها.

في مداخلة لها علقت الناشطة السعودية سمر بدوي على قضية عجز المرأة في حال وصولها إلى مناصب سياسية: “من المجحف أن تقارن تجربة المرأة بتجربة الرجل في المجالس البلدية، إذ أنها لم تعطى فرصة من قبل” ، وتؤكد قائلة: “إذا لم يتمكن الرجل من الانتاج في المجلس البلدي لماذا لا تُمَكْن المرأة من أخذ فرصتها في تلك المجالس للتتمكن من الإنتاج ”

بناء الوعي

ترى كثير من الأصوات أنه وبعد أن صدر القرار الذي يتيح للمرأة السعودية من المشاركة في الحياة السياسية لا زال المجتمع السعودي غير متقبل لذلك القرار بشكل كبير وهذا يؤثر سلباً على مشاركة المرأة على أرض الواقع، إذ أنه من الممكن أن تحصل المرأة السعودية على حقها في المشاركة السياسية لكنها ستصطدم من عدم دعم المجتمع بشكل عام وعدم دعم المرأة لها بشكل خاص، ومن هنا  تقول الناشطة السعودية أسماء السيد: “لابد من وجود مطالبة أكبرمن المجتمع المدنى ومن النساء أنفسهن للمشاركة فى الحياة السياسية ولابد من نشر الوعى بأهمية الانتخابات و كيفية القيام بدور فعال ومؤثر فى المجتمع بين النساء حتى تستطيع المطالبة بحقوقها و تضمن المشاركة الفاعلة و وهذا يحتاج إلى بعض الجهد بسبب وجود نسبة من النساء السعوديات يعترضن على دخول المرأة مجلس الشورى ويقلن أن مكان المرأة الطبيعى هو المنزل اعتقادا منهم بأن هذا هو معنى كلمة القوامة”.

خاتمة

تقترب الانتخابات البلدية من موعدها، وتقترب المرأة السعودية من حلمها في أخذ حقها الطبيعي من المشاركة السياسية في شؤون البلد، بما يساعدها في التأثير إيجابياً في مختلف القضايا التي تمس واقع المرأة السعودية، ذلك التأثير الإيجابي  تترقبه المرأة السعودية  ليحقق تغيرات حقيقية في مختلف مجالات حياتها، ليس في جانب قضية قيادة السيارة وحسب والتي أخذت أكثر من حجمها الحقيقي، بل يمتد إلى القضايا الحقيقية التي تعاني منها المرأة السعودية مثل المعنفات أسرياً، والقضايا التي تمس حياة المرأة بشكل مباشر كقضايا الطلاق والحضانة والعضل، وحتى يتحقق التأثير الإيجابي المرجو لن يكون على الجهات الفاعلة والمتضامنة مع حقوق المرأة السعودية أن تعمل بشكل جاد خلال فترة الإنتخابات وحسب، بل يجب أن تستمر تلك الجهود حتى تصبح  تلك الحقوق جزء من واقع المجتمع، ولن يتم ذلك إلا من خلال مسيرة بناء وعي مجتمعي بأهمية مشاركة المرأة في كل جوانب الحياة ليكتمل دورها في المشاركة في مختلف جوانب التنمية.

 

 

المصدر

برنامج نقطة حوار BBC 

برنامج الوطن اليوم /قناة الآن

موقع لها

RTموقع

شبكة رؤية الأخبارية

شبكة المعرفة السياسية